يشكل الجسد في الأدب العربي القديم والحديث مرتكزاً أساسياً لا يغيب في كل أشكال الإبداع العربي شعراً ونثراً، وعلى الرغم من تأثر هذا الأدب بتقاليد منبعها الأعراف والتقاليد والدين، إلا أن هذا لم يمنع الكاتب العربي من أن يتناول الجسد في سرديات تتحدث عن الرغبة والإثارة مثل ما جاء في كتاب (الأغاني) للأصفهاني.

وفي (ألف ليلة وليلة) التي تضمنت كثيراً من القصص ذات المعطيات الجسدية الصريحة؛ ولكن مع ذلك بقي مصطلح (كتابة الجسد) فناً حديثاً على الكتابة الأدبية العربية، وهو المصطلح الذي نعرض له في التحقيق التالي.

 

يقول الناقد والروائي سيد الوكيل إن الكتابة عن الجسد لم تصل بعد إلى مرحلة النضج في الأدب العربي الحديث، مشيراً إلى أن أغلب من يكتبون عن الجسد تدور كتابتهم حول العلاقة الجنسية، وتتجاهل هذه الكتابات ما أشار إليها الوكيل بأنها (المفردات الروحية غير الملموسة).

الوكيل أشار أيضاً إلى أن الكتابة عن الجسد في المشهد الإبداعي العربي بدأت مرحلة جديدة في تسعينات القرن الماضي مع ظهور كاتبات مثل ميرال الطحاوي ونورا أمين ومي التلمساني، كتبن عن العلاقات الحميمة داخل أعمالهن، إلا إنهن لم يلتفتن أيضاً لباقي مفردات الجسد.

واعتبر الوكيل أن الكتابة عن الجسد تكون في الغالب كتابة نسوية، لأن المرأة لديها خبرات جسدية أعلى من الرجل، بحكم تكوينها البيولوجي، فهي تمر بخبرات حسية جسدية مختلفة، في مراحل الحيض والولادة والأمومة، ودخولها مرحلة النشاط الجنسي وما تتعرض له من فض بكارتها، واكتشافها لجسدها في كل تلك المراحل بعاطفة وحساسية شديدة مرتبطة بطبيعة المرأة.

 

لغة الحواس

إلا أن الوكيل يعتبر أيضاً أن الألفية الجديدة شهدت كتابات أكثر نضجاً عن الجسد، وأن هذه الكتابات ابتعدت عن مجرد التناول الحسي الجنسي مثل المجموعة القصصية (الحجرة 13) للروائية هويدا صالح التي تحدثت فيها عن تجربة بتر ثدي البطلة وصراعها مع المرض الخبيث؛ وفهم البطلة تأثير هذا الحدث على حياتها وعلى علاقتها بجسدها.

وأكد الوكيل أن الجسد حاضر في معظم الكتابات الأدبية؛ لأن الفن أصلاً لغة الحواس؛ لكن هناك فارقاً بين الكتابة عن الجسد كموضوع والكتابة بلغة الجسد، التي تحتاج إلى خبرات عالية، وفي الغالب يتعامل الرجل مع الجسد كموضوع داخل أعماله الفنية.

وهو مقدار مساوٍ لتعامل الرجل مع المرأة في الحياة، فالرجل يرى جسد المرأة مستقبلاً لطاقته الجنسية، ولإثارته، وأنه- أي الرجل- يمتلك طاقة الغواية، والمرأة هي عنوان الغواية الجسدية، وأنه فاعل وهي مفعول به؛ وهو مفهوم يعوق تفجير طاقات جسد المرأة، سواء فنياً أو على المستوى الشخصي.

 

محاولات ذكورية

إلا أن الروائية والناقدة هويدا صالح، تقول إن محاولات التعرف على الجسد كانت في معظم الأحوال محاولات أكثر ذكورية، واتهمت هويدا هذه المحاولات بأنها جعلت المرأة مرادفاً للنقص والخطيئة والمحظورات، وتجلت المرأة في هذه النصوص مفعولاً به فقط وليست فاعلاً.

وتضيف هويدا أنه بالرغم من ذلك فقد ظهرت أعمال إبداعية بأقلام مبدعات من النساء مثل رواية (برهان العسل) للكاتبة السورية سلوى النعيمي التي جعلت الجسد الأنثوي فاعلاً وراغباً وليس مجرد مفعول به، وهو شيء نابع من رغبة المرأة في تغيير نمط العلاقة بينها وبين الرجل .

وفي هذه الرواية، والكلام لهويدا، استخدمت الكاتبة ألفاظاً مباشرة للأعضاء الجنسية، وأنواع الممارسات والشذوذ بجرأة شديدة، وتعترف أن علاقاتها الجنسية خلال مشاهد الرواية لا حب فيها ولا عشق وإنما جسد جامح وعلاقات شهوانية، حيث تقول في سرديات مختلفة داخل الرواية (كنت أعرف أني جسد فقط)، (أنا لا أنام مع رجل أنا أصحو)، وغيرها من التعبيرات في وسط أحداث تشبه السيرة الذاتية.