يعتبر الفن الصيني المعاصر من الفنون المتقدمة، التي استمرت في التطور منذ عام 1980، لتتجاوز مفهوم فن الحداثة للثورة الثقافية، وليشمل هذا التطور جميع أنواع الفنون من اللوحة إلى الفيديو والفنون البصرية الأخرى. ويمكن التعرف على جانب من خصوصية فنهم من خلال الاطلاع على مجموعة أعمالهم الفنية المعاصرة في المعرض الذي سيقام في غاليري (اعتماد) بدبي في منتصف الشهر الجاري.

 

كان الفن الصيني الحديث قد تطور خلال زمن قياسي حيث شمل جميع أشكال الفنون البصرية الحديثة، وكانت الغاليريات تقدم العديد المعارض الفنية من التصوير الضوئي إلى العروض الفنية الجدلية من الفيديو إلى الأداء الفني، وكثيراً ما كان الفنانون في بداية التسعينات يواجهون الاعتقال نظرية لجدلية أعمالهم النقدية.

ومع مضي الوقت باتت الحكومة الصينية أكثر تسامحاً مع الفنانين وإن بقيت المقاطعة الإعلامية الداخلية لمجموعة من الفنانين الذين حققوا شهرة عالمية مع عدم السماح لهم بالمشاركة في معارض محلية.

ويقدم معرض (الشرق الأوسط، المملكة الوسطى) الذي تنظمه غاليري اعتماد في مقرها بمنطقة القوز، بانوراما عن الفن الصيني المعاصر من خلال 25 عملاً فنياً لسبعة فنانين، وهم كل من الأخوين غاو، وكيو جي، وهونغ تونغ لو، وهان بينغ، وشين هان غينغ، وليو داو، وأخيراً وانغ زيوي، وفيما يلي نبذة عن أعمال الفنانين المشاركين:

 

الشقيقان غاو

كان الشقيقان غاو زين (1956) وغاو كيانغ (1962) يعدان لفترة طويلة بمثابة شوكة في خاصرة السلطات الصينية. ويتجلى ذلك في أعمالهما النقدية مثل منحوتة (الآنسة ماو) التي لها أنف بينوكيو (الذي يرمز إلى الكذب) وضفيرة المانشو وقامة فتاة شابة وهو بذلك يسخر من الشخصية الأولى في المؤسسة الرسمية، ماو تسي تونغ، الرجل الذي يمكن القول بأنه غيّر الصين غالباً إلى الأفضل وأحياناً إلى الأسوأ.

ويُذكر أن والد الشقيقين، قد أعدم أثناء الثورة الثقافية من أجل آرائه السياسية، لذا يعتقد أنهما أكثر من فهم هذا الغموض. ويركزان في أعمالهما على بنية الصين ومكانتها المتطورة في العالم.

ويعكس عملهما (بناء غير مكتمل للأبد) رؤيتهما الفنية للواقع كما هو، حيث تعكس الحياة في جانب منها حالة عبثية مع الزمن التي لا يمكن لها أن تتوقف، وفي جانب آخر المشاريع التي لم تكتمل كجزء من الطفرة العقارية التي واجهتها الصين.

ويرى المشاهد في اللوحة حال التعايش الأقرب إلى الهستريا، حيث تعيش كل شخصية في عالمها بين هيكل الطوابق والأعمدة. وتحضر في هذا المجال مقولة الفيلسوف إيمانويل كانط (الضرورة المطلقة)، (ما من شيء مستقيم بني من خشب البشرية المعوج).

وفي عالم هذا البناء كافة النماذج من الشخصيات الخيالية والواقعية التي تلغي حواجز الزمن والتاريخ والمكان، كسبايدرمان، وأسامة بن لادن، وماو، وبول بوت، وماجيك جونسون، ومارلين مونرو، وشارلي شابلن، ونراهم واقفين جميعاً جنباً إلى جنب على ناطحة سحاب البناء غير المكتمل. كما يضم المبنى ما في الصين من إنجازات، كبنك الصين في هونغ كونغ.

وبرج جنغ ماو أو المركز المالي في شنغهاي، ورواد الشيوعية بأوشحتهم الحمراء، إلى جانب أشهر عارضات الأزياء، والرياضيون مع رجال الأعمال بهواتفهم النقالة، والفلاحون بسترات ماو، وكلهم بمثابة رموز غامضة تحتمل التأويلات في ظل زمن متغير.

تشيو جي

يتميز تشيو جي (1961) بلوحاته الضخمة التي يرسمها بالفحم، والتي تبدو للوهلة الأولى في غاية البساطة، لكن الإمعان فيها يعيد إلى الذاكرة ثقافة الملصقات وفن الدعاية الواقعي الذي تبنته الاشتراكية أيام الثورة الثقافية. وعندما يصور تشيو جي جمال الصين الخالد مثل ملصق للجولات السياحية الأوربية الكبرى أو لرحلات السفينة كوين ماري أو كدعاية ماوية فإنه يتحدى صين الحاضر التي نراها.

وتعود بداياته في الرسم إلى أواخر تسعينيات القرن العشرين، وكان حجم أعماله مرهوناً بضيق وصغير مساحة مرسمه، مما دفعه إلى التركيز على مضمون وتقنيات ملصقاته التي كان يجمعها معاً لتشكل جداريات عملاقة. ومن الملاحظ الحضور القوي للسفن في أعماله نظراً لطفولته المرتبطة بصناعة السفن وعالمها حيث كان والده وعمه يعملان في مهنة السفن.

كما انعكست هوية جي التي بدأت بالثقافة الشيوعية في شبابه، لتنتقل إلى ثقافة رأس المال القاسية والتي تعرف عليها خلال دراسته في سويسرا في أعماله، حيث جمع بين فنون الصين التقليدية ورموز الشيوعية، كلوحة (سنونوتان) لشابتين بالزي الماوي (حذاء قماشي وسترة ماو) تتسلقان عمود كهرباء للقيام ببعض التصليحات.

ويتجلى من تعابير وجهيهما سعادتهما وإقبالهما على الحياة، وتجسدان المرأة الصينية الحديثة كما تصورها المثل الشيوعية، وفي الوقت نفسه المرأة الصينية التقليدية بجمالها ورقتها. كما لا يغيب عن لوحاته جماليات الطبيعية الصينية ومعابدها وزهور البرقوق المحمرة، حيث يعتبر طائر السنونو أحد بشائر السعادة والربيع والحظ الجيد في المملكة الوسطى.

 

هونغ تونغ لو

فنان تايواني يعيش حالياً في بكين، ويعمل على موضوعات تجمع بين الروحانية والحداثة، حيث تعتبر الصين مهداً للديانات الثلاث: الداوية والبوذية والكونفوشيوسية، وتتعايش بوئام مع بقية الديانات. ويستقي لو موضوع أعماله من روحانيات تلك الديانات فنجد في شخوص أعماله تجاوزهم للعالم المادي. وتشغل زهرة اللوتس مكانة بارزة في أعماله التي دخلت في قصص العديد من الأساطير.

ويجمع لو في أعماله التركيبية أو النحتية بين الواقع والأسطورة، معتمداً على مواد صناعية كالبلاستيك والزهور الصناعية والإضاءة الكهربائية ليشكل منها لغته البصرية. ويظهر في أعماله كيف تتحول الأشياء إلى ما هو قريب من المقدسات في مفهوم السوق الاستهلاكي، في انعكاسات الارتباط بين الشرق والغرب.

هان بينغ

يتميز الفنان هان بينغ الذي ولد في كنف أسرة ريفية في مقاطعة جيانغسو الريفية عام 1974، برسمه للمجموعات من الشخوص من أيدي عاملة إلى طلبة مدارس وأقارب ومواقع بناء. ويمثل (الطوب الأحمر) الذي يُشاهد في العديد من لوحاته الطراز القديم للمدن الصينية وفي الوقت نفسه البيت والمستقبل لدى الريفيين. فكم من أسر كان عليها أن تختار بين تعليم أولادها أو تزويجهم أو بناء منزل خاص.

وتعيد لوحات بينغ للذاكرة صور الواقعية الاشتراكية التي ركزة على العمال والعاملات والأسر في الصين الماوية. فسترات ماو وقبعات القش والوجوه البهيجة حاضرة، وكل شيء في تلك الصور يتنفس تفاؤلاً وفخراً.

عاش بينغ في صغره فقيراً ولم يكن بقادر على تكاليف الأدوات الفنية، فاستبدل الألوان بالتراب واستعاض عن الريشة بقطعة من الزجاج المكسور. وفي عام 1994 تم قبول بينغ كطالب فنون في جامعة سوزهو، وكان الطفل الوحيد المقبول في المدرسة من قريته، وعندما وصل الى أكاديمية الفنون في بكين، أذهله التناقض بين الأغنياء والفقراء وبين المدينة والريف.

وحينما أعلن الحزب الشيوعي عام 2000 بأن(مجتمع الرخاء المتواضع) قادم في الطريق. أخذ بينغ يتساءل فيما إذا كان هذا الرخاء المتواضع سيصل إلى الريف أو أن العمال المهاجرين سيتدفقون الى المدن. ومن هنا استلهم سلسلة صوره الفوتوغرافية لثقافة جديدة. وقال بهذا الشأن، (يلعب الناس في هذه الصور دور أنفسهم، إلا أن هذه الصور أعمال معروضة كي تتيح للناس تمثيل أنفسهم وهمومهم فيها وتربط فيما بينهم من خلال مآزقهم المشتركة وأحلامهم الرقيقة).

 

تشن هانغ فينغ

تناول الفنان الشاب من شنغهاي (1974) في الثلاثينيات من عمره فكرة الأشغال الفنية الورقية، وهو من الفنون التقليدية التي اشتهرت بها الصين منذ آلاف السنين. ففي الريف، يستخدم الناس أشغال الورق للتزيين وكزجاج للنوافذ والأبواب، وفي المناسبات الاحتفالية كالزواج وشراء منزل جديد وقدوم طفل جديد.

وحمل فينغ فنون أشغال الورق في العالم الحديث إلى مفهوم جديد حول شعارات الأسماء التجارية مثل شانيل، وفيراري، وجاغوار، ، وأديداس، وبوما، وغوتشي. وكان قد صنع حواجز صينية وأسّرة وقواطع أكريليك بناء على هذه العناصر الزخرفية، وأحدث مشاريعه في هذا الإطار هو السجاد.

كما نقل فينغ فنه إلى الفيديو وقدم فيلم (وجبات سريعة) تحت شعار (كنتاكي فرايد تشيكن) المكتوب بحبات الذرة الموضوعة على الأرض. وما إن يطلق الدجاج من أقفاصه حتى ينقض على حبات الذرة، ويلتهمها بشيء من السخرية الخفية.

 

وانغ زيوي

ولد رسام القصص المصورة وانغ زيوي في شنغهاي عام 1963، ويجمع في رسوماته في فن البوب آرت بين العديد من الأعمال الفنية الشهيرة التي تتربع فيها دوماً شخصية ماو تسي تونغ. وأبرز ما في سيرته الفنية تأسيسه لحركة

(البوب السياسي) في شنغهاي مع شخصيات بارزة أخرى مثل يو يوهان، وكان آنذاك في أواخر الأربعينيات من عمره. وبرز في ذلك الحين عدد من الفنانين الذين جذبهم هذا الفن في الشمال من بكين بينما بقيت شنغهاي متخلفة عن الركب. صور زيوي شقراوات روي ليشتنشتاين يحلمن بماو، القائد العظيم أو بميكي ماوس، أو يركبن (موجة الاشتراكية). أما جرأته السياسية الساخرة، التي فهمت لاحقاً كنوع من الدعابة المرة، فتعود بجذورها القديمة إلى عمق التاريخ الصيني.

 

ليو داو

تعتبر (ليو داو) جمعية تعاونية فنية، تأسست فى شانغهاى عام 2006، وأخذت اسمها من موقعها الأصلي في مطحنة دقيق فو فونغ في موغان شان لو. وكان هذا المبنى، الناجي الوحيد من عمليات الهدم الجماعي أثناء طفرة شنغهاي العقارية، ويبدو كجزيرة منبثقة من بحر الأنقاض، ولذلك اكتسب اسم ليو داو، أي الجزيرة 6.

وقد نجحت داو في إنتاج أعمال فنية رقمية معقدة باستخدام قواطع الفينيل والليزر الضوئي وموجهاتCNC وتطبيق جافا، وذلك بفضل مواهب وأفكار العديد من أعضائها البالغ عددهم ثلاثون فناناً، من الصينيين والأجانب ؛ كما تعكس المصابيح التي تستخدمها تعاونية داو ليو حواس الجسم.

حيث يطلق كل مصباح الآخر عضوياً. وتمثل (رفرفة في خيشوانغبانا، 2010) عرضاً بالمصابيح للفراشات وذلك باستخدام أشغال ورق الأرز التقليدي في إطار من الهياكل الصلبة. ويُرى في العرض الفراشات ترفرف وتحلق عبر غابات الخيزران فتضفي لمسة عصرية على نوع من لفائف الرسم العائدة إلى سلالة سونغ. وفي (أغنية شمالية)، يضفي العرض الدائم للألعاب النارية، نفحة حياة على المشهد الجبلي، وفي (شكل منسي)، تصور قطعة الأشغال الورقية عارضة لحمل الأزياء.

 

حب دائم للأبد

بيعت في شهر أبريل من العام الجاري لوحة زيتية ثلاثية للفنان الصيني تشانغ شياو قانغ في صالة مزادات سوذبي في هونغ كونغ بمبلغ 10.1 ملايين دولار، وهو رقم قياسي لعمل فني صيني معاصر.

وفي مزاد للفن الصيني المعاصر، تم جمع مبلغ 54.8 مليون دولار من مجموعة مقتنيات البلجيكي بارون جاي أولينز حيث عرض 106 عمل جمعها على مدى عقود. وكان العمل الأبرز للفنان تشانغ عام 1988 (حب دائم للأب). ويصور في هذه اللوحة أشخاصاً شبه عراة في مشهد قاحل ممزوج برموز روحية. ووصلت قيمة العمل إلى 79 مليون دولار هونغ كونغ. . كما دخل المزاد أعمال لفنانين مثل لتسنغ فان تشي و لتساي قوه تشانغ.

ويعد هؤلاء الفنانون من طليعة الفنانين الصينيين المعاصرين الذين تجذب أعمالهم اهتمام الهواة والنقاد في الغرب مما أدى إلى فقاعة في السوق أثناء الأزمة المالية العالمية في عام 2008.