يثير الطاهر بن جلون إشكاليات كبيرة في عالم الأدب والثقافة، كتب روايته الشهيرة (تلك العتمة الباهرة) عن سجن تازمامرت الشهير. ولكن الناقد الألماني نيكلاس بندر، يقول انه كتب هذه الرواية بعد فوات الأوان أي بعد أن انكشفت فضيحة هذا السجن وليس قبل ذلك. لذلك يصفه بشتى النعوت والأوصاف: كاتب انتهازي يركب الموجة الثورية، ومقاوم السّاعة الأخيرة، وصاحب أخلاق الحاشية. ويعتبر هذا النمط من المثقف هو عكس ما يتبلور حالياً في البلدان العربية، أي نشوء حركة ديمقراطية مدنية تتميز بالشجاعة الأدبية.

 

أصدر الطاهر بن جلون عملين أدبين، الأول رواية بعنوان (بار لو فو) أي (بالنار) يتناول فيها الثورات القائمة في العالم العربي، وهي مهداة إلى محمد البوعزيزي رمز الثورة في تونس وفي البلاد العربية.

والعمل الثاني عنوانه (ليتانسيل. ريفولت دان ليه بايي أراب) أي (الشرارة. انتفاضة في البلدان العربية). والكتابان صدرا عن دار غاليمار الشهيرة ؛ في لقائنا معه أخيراً في طنجة، طرحنا عليه أسئلة تدور حول الثورات العربية الشابة.

كيف تم تأليف هذين الكتابين؟

كتبت هذين الكتابين في خضم هذا التحرك التاريخي، الذي يشبه انهيار جدار برلين الكبير. الربيع العربي حرر الإرادات. ومن الممكن أن يقتدي بهم الشباب المحرومون في البلدان الأوروبية حيث يجدون في رياح الحرية العربية تلك الاستجابة لأن الإهمال والعنصرية يؤديان دائما إلى نتائج عكسية.

هل كان اليأس هو المحرّك لروايتك بار لو فو؟

إنني أؤمن بأن للأدب قدرة على التأثير بشكل كبير. فالناس يستطيعون التماهي معه، في القصة الإنسانية والمشاعر. إن عمليات الانتحار التي يقدم عليها هؤلاء الذين يتعرضون لضغوطات العمل في فرنسا تأتي على خلفية اليأس نفسه. فاليأس واحد عند جميع البشر.

في الكتاب الثاني، تعالج موضوع الثورات العربية بشكل تفصيلي في كل بلد عربي على حدة؟

لم يتوقع أحد هذه الأحداث، إلا أننا كنا قادرين على ملاحظة إشارات تمهيدية في العالم العربي. وهذا الربيع يأتي أيضا دليلا على هزيمة الأصولية الإسلامية حيث يتميز الجيل الجديد بأنه: لا يخاف!( أطلق الربيع العربي أملًا كبيراً. وعلى الرغم من وجود بعض المشكلات في تونس ومصر إلا أنه لا يمكن تسوية الأمور كلها بين ليلة وضحاها. ما يزال هناك الكثير للقيام به بهدف إرساء الديمقراطية.

وما هو رأيك فيما يحدث في ليبيا؟

لا مخرج في ليبيا سوى بموت أحدهم أو فراره... أما تدخل (التحالف الدولي) فهو ضروري رغم تأخره.

.. وسوريا؟

الوضع يختلف في سوريا. فالنظام يأتي على صورة أنظمة أوروبا الشرقية السابقة.. إلى حين يأتي يوم يقول فيه أحد الضباط الكبار (كفى). لن تتدخل أوروبا لأن ظروف المنطقة معقدة جدا. وبالانتظار، يدفع الشعب السوري الثمن.

ما هو النداء الذي توجهه إلى العالم باعتبارك أديباً؟

أطالب أوروبا بأن تكون أكثر إصغاء تجاه الجنوب اقتصاديا وسياسيا، فهذه هي الطريقة الفضلى للحد من الهجرة غير الشرعية، بدلا من القمع.

يبقى صمت المثقفين العرب في ظلّ اشتعال الأوطان بنيران الشاب الغاضب، ما هو رأيك؟

إنني أرفض صمت المثقف العربي إذ أن دوره بدأ في الانتفاضة على المستأثرين في الحكم منذ زمن طويل، وقد دفع المثقف قبل هذه الثورات ثمن آرائه غالياً.

لا يستطيع الكاتب أن يقف مكتوف الأيدي إزاء كلّ ما يحصل من حوله أو أن يأخذ دور المتفرج بل من واجبه أن يكتب. وهذا ما حصل معي. فأنا لست صحافياً أنشر مقالاً يكون عمره من عمر اللحظة بل كاتب روائي، لذا أردت أن أُخلّد (ربيع الشباب) في عمل يبقى طويلاً حتى يتسنّى للأجيال القادمة معرفة ما حصل. وأنــــا شخصياً أحببت أن يكون لهذه الثورات العفوية أثرها الواضح في عالم الأدب.

هل سحب الشباب العربي الثائر السجادة من تحت أقدام المتطرفين؟

إنّ المتطرفين كمصطلح وفعل ليسوا سوى نتاج الإعلام الأميركي والأوروبي الذي استغلّ وجود بعضهم في الدول العربية، فعمل على تضخيم الأمر بما يصب في مصلحته. وقد نجح الإعلام الغربي في أن يجعل من هؤلاء وحوشاً ضارية في عيوننا، ما دفع بشعوبنا إلى الموافقة على تقديم التنازلات عن حقوقها الأساسية في العيش الكريم خوفاً من أشباحهم. إنني جلت في مصر ووجدت أنّ نسبة الأصوليين ليست كبيرة ولا مُخيفة أبداً، بل هي لا يُمكن أن تُحقق شيئاً، بل هي بمثابة الخدعة التي استخدمتها بعض الأنظمة العربية بالاتفاق مع الغرب من أجل تهديد المعارضين وتخويفهم.

ما هي خلفيات هذه الثورات؟

جاءت هذه الثورات نتيجة طبيعية للظلم الذي يعيشه المواطن. وهي نجحت في جعل المواطن كائناً حرّاً وليس مجرّد تابع أو صوت انتخابي.

.. والجزائر؟

الجزائر أكثر تعقيداً، فهي تضمّ الكثير من الإثنيات، وتعاني مشكلة أساسية تكمن في (إشكالية الهويّة)، الأمر الذي يجعل من الدين البديل عن الهوية الضائعة. فيرمي الشاب الحائر نفسه في التيارات المتشدّدة بعد أن يختار (الدين) كملجأ خاص يحميه من تفكّك الصيغة الإثنية للهوية الجزائرية. من الصعب زعزعة النظام العسكري القائم في هذا البلد منذ عام 1962 من دون التعرّض لعنف الجيش وبطشه.

هل تأثر المغرب بهذا الحراك؟

كان تأثر المغرب بالجوار العربي طفيفاً لأن الملك محمد السادس بدأ إصلاحاته مبكراً، فضلاً عن أنّ لديه استثناء ملكياً لكونه محبوباً من شعبه، خصوصاً أنّه قام بفتح ملّفات قديمة من عهد والده الملك الحسن الثاني وعمل على إصلاحها. وتهدف التظاهرات المغربية إلى تحقيق المزيد من الإصلاحات التي من حقّ الشعب المناداة بها.

هل تتشابه الأوضاع في البلدان العربية في نظرك؟

إن الدول العربية لا تتشابه جميعها، ولا يُمكن أن تكون وطناً واحداً. فلكلّ دولة خصائصها وروحها التي لا تختلف فقط عن الثانية بل تُناقضها أحياناً.