دأب محبو الأدب والسينما على المفاضلة بين الأعمال الأدبية المقروءة ونظيراتها التي يتم تحويلها إلى أعمال سينمائية، فقد جرت العادة أن ينقسم هؤلاء على أنفسهم في رؤيتهم حول رواية ما استحوذت على اعجاب مخرج سينمائي ما وعرضها على الشاشة الكبيرة، فمنهم من يقول إن هذه الخطوة من شأنها أن تفقد العمل الأدبي شيئا من قيمته الأدبية ومتعة قراءته، بينما يرى آخرون أن ولوج عمل أدبي ما ميدان الفن السابع كفيل بمده بمزيد من زخم الإضاءة على مستويات من الملامح الدرامية التي تعجز الكلمات عن بلوغها.
العديد من أدباء العالم كان لهم باع في عالم السينما إما من خلال الكتابة المباشرة لها وإما من خلال تحويل أعمالهم إلى أفلام سينمائية، ومن بينهم الأديب المصري نجيب محفوظُ، والفلسطيني غسان كنفاني، الذي حظيت رائعته( عائد إلى حيفا) بأكثر من نسخة سينمائية وحتى تلفزيونية، لا بل إن بعض هؤلاء الأدباء عملوا بشكل مباشر مع السينما مثل غابرييل غارسيا ماركيز الذي قاده التصاقه الشديد بالفن السابع إلى ترأس واحدة من أبرز المدارس السينمائية في كوبا واميركا اللاتينية.
كتب ماركيز القصة السينمائية وكذلك التلفزيونية مثلما تصدى العديد من المخرجين العالمين إلى تحويل العديد من رواياته إلى أفلام سينمائية، ومع كل رواية كانت في طريقها إلى الشاشة الكبيرة كان يثار جدل واسع حول قبول ماركيز بيع حقوقها الفكرية من عدمه ليتبين في نهاية المطاف أن مؤلف( مئة عام من العزلة) لم يرفض بالمحصلة النهائية أي عرض تقدم به أحد الخرجين أو الجهات المنتجة التي أرادت خوض هذه المغامرة الفنية، التي يبدو أنها ليست معبدة بالورود دائما، ذلك أن شهرة ماركيز واتساع رقعة قرائه ومعجبيه حول العالم ليست كفيلة وحدهها بمنح النجاح الكامل للعمل السينمائي المقتبسة قصته من إحدى رواياته.
فقد أثار مشروع النسخة السينمائية من رواية(الحب في زمن الكوليرا) قبل بضع سنوات جدلا واسع النطاق حول قبول ماركيز بهذا المشروع، ليتبين لاحقا أن الصفقة حولها عقدت بسلاسلة ووضعت في جيب الكاتب نحو ثلاثة ملايين دولار، في حين لم يقدم لكاتب السيناريو المكلف بتحويلها إلى قصة سينمائية سوى نسخة من ذلك الكتاب مع بعض الملاحظات المقتضبة المدونة على هوامشها، لكن الفيلم الاول الذي صور روايات ماركيز، فقد سبقه فيلم ارينديرا البريئة الذي أخرجه البرازيلي راي جويرا في عام 1983.
وفي عام 1987 أخرج الايطالي فرانسيسكو روسي رواية قصة موت معلن مثلها النجمان روبرت افيريت وارنيلا موتي، وكذلك حولت روايته ليس لدى الكولونيل من يكاتبه الى شريط سينمائي عام 1999 بواسطة المخرج المكسيكي ارتورو ريبستين، بطولة فرناندو لوجان وسلمى حايك. بينما كانت رواية في ساعة نحس آخر عمل روائي لماركيز يحول الى السينما عام 2004، أخرجه البرازيلي راي جويرا الذي كان قد اخرج له اولى رواياته. وكان ماركيز قد ساهم في كتابة العديد من سيناريوهات الافلام في فترات مختلفة من حياته.
شغف السينما
حول خلفية شغف ماركيز بالسينما،يقول الصحافي جيرالد مارتن في كتاب سيرة ماركيز إن (ماركيز قد اكتشف السينما اثناء عمله في بوغوتا واعتبر الفيلم بمثابة جنس ادبي والسينما بكونها اداة انسانية وحمل موقفا عدائيا تجاه سينما هوليوود التجارية مع انه كان معجبا بتشارلي شابلن وارسون ويلز باعتبارهما استثناء. ذهب الى روما وفي ذهنه مشروع زيارة مدينة الصناعة السينمائية سينسيتا حيث التحق في دورة للاخراج السينمائي، لكن كعادته مل ماركيز من الدورة وتركها ولكنه ظل قريبا من السينما وطور معرفته بها صوتا ونصا وتصويرا واخراجا).
لكن شغف ماركيز بالسينما تطور وصقله صاحبه من خلال تجربة ابداعية طويلة أعطت لذلك الشغف أبعادا فلسفية وجمالية أخرى، حيث يقول الكاتب عباس خلف علي في مقالة تحت عنوان(رؤية فنية في الأدب السينمائي) إن الكاتب الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز يرى أن (الصورة السينمائية لها فلسفة خاصة في تفسير الأنساق السحرية للغة ، فهي عالم من الجمال الذي يفوق بامتياز على ما يمكن أن يوصف على الورق .
هذه الميزة خلقت لديه انطباعا بأن الكتابة وسيلة وغاية يتداخل فيها فن الإغراء والقناع والتماهي ، فبعد أن كانت أمه تحدثه في بواكير حياته عن السحر والجن حتى يبدو السحر عندها جزءا من الواقع بالتصاق غريب وطاغ تفعل معه الآن الصورة السينمائية ذات التأثير في قدرتها على نقل الأحاسيس إلى الآخر)، فهذا الحافز كما يقول ماركيز نفسه:(ساعدني كثيرا على التعبير وبطرق مختلفة عن موضوعة الخرافة التي تستحوذ على حياة البسطاء في أمريكا اللاتينية ).
ولم يقتصر التوظيف السينمائي لأعمال ماركيز على الجانب الأدبي، بل تعداها في لحظات معينة وبلغت اهتمامه بالسينما حد التوظيف السياسي، فقد كتب في عام 1977، على سبيل المثال، سيناريو فيلم حول قناة بنما من إخراج كوستا غارفاس وتمويل معهد السينما البنمية ومساهمات فنزويلية فرنسية، أما الهدف من انتاج هذا الفيلم، فكان وضع الرأي العام العالمي في صورة الأسباب التي كانت لدى البنميين للمطالبة باستعادة السيادة على منطقة القناة.
وعلى الرغم من أن ماركيز كان له خبرة طويلة في ميدان كتابة القصة السينمائية، إلى درجة أن هذه الممارسة كانت أسلوب حياة بالنسبة له على مدار سنوات،إلا أن هذا الفيلم كان الأول بالمعنى السياسي الضيق الذي يتصدى له مؤلف( خريف البطريرك)، والذي جاء ثمرة الالتزام السياسي والأخلاقي الذي يتحلى به ماركيز حيال قضايا شعوب أميركا اللاتينية والعالم، إلتزام دفعه إلى اطلاق وعد بألا يكتب أي رواية حتى يسقط نظام الجنرال بينوشيه في تشيلي.
ليس مصادفة إذا أن يشكل هذه الالتزام السياسي نقطة تقاطع حاسمة بين كتابة القصة السينمائية والقصة التلفزيونة في تجربة ماركيز الابداعية، فقج كتب في عام 1993، على سبيل المثال، مسلسل ( قصص إخبارية عن جيل مأساوي) المكنون من ست حلقات ويتناول تجربة أوائل الثوريين الأميركيين اللاتينيين الذين انتفضوا في نهاية القرن الثامن عشر ضد التاج الاسباني.
وكان هذا العمل ثالث عمل مشترك يجمع ماركيز مع المخرج هورهي علي تريانا، الذي كان قد حول قص كتبها ماركيز مثل( زمن الموت) و( وفي هذه البلدة لا يوجد لصوص) و( الطاهرة إرينديرا) إلى السينما والتلفزيون والمسرح.
زمن الموت
قصة ( زمن الموت) نفسها، التي أبدعها الكاتبان غابرييل غارسيا ماركيز وكارلوس فونتيس عام 1965، والتي تصف عودة خوان ساياغو إلى البلدة التي تعيش فيها محبوبته ماريانا سامبيدرو، بعد مضي 18 عاماً على وجوده في السجن بسبب مقتل راؤول ترويبا وأبناء المتوفي ينوون الثأر منه، فقد شقت طريقها إلى الشاشة الكبيرة على يد نجل الروائي الحائز جائزة نوبل للآداب ؛ الكولومبي رودريغو غارسا بارشا .
وذلك بعد أن قام المخرج المكسيكي ارتورو ريبيستين باخراج النسخة الأولى من القصة عام 1965 , محققاً بذلك تقديراً عارماً في المكسيك والعالم, وحينها قال إن تحويل قصة كتبها غارسيا ماركيز إلى عمل سينمائي إنما هو تحد , وقلة من المخرجين لديهم الجرأة لخوض غماره، ذلك أن مواءمة روايات غارسيا ماركيز ليست أمراً سهلاً ، لأن بنيتها معقدة جداً ودقيقة ومحددة إلى حد كبير ، وبالتالي , فإن قلة تجرؤ على مواءمة عمل من أعماله لأنها جيدة ولا بديل في السينما من الاستجابة لتلك التوقعات وإما سيكون الفشل.
بينما نقل المخرج الكوبي فيرناندو بير إلى السينما قصة أخرى لغارسيا ماركيز تروي حكاية وقوع ملاك عجوز طاعن في السن في باحة منزل. ساهم في البطولة أسدروبال ميلينديز وديزي غرانادوس ولويس راميريز. أما سيناريو فيلم (حدود)، الذي كان ماركيز قد كتبه قبل أكثر من أربعة عقود، وقبل أن يكتب روايته (مائة عام من العزلة)، غير أن النسيان كان قد طواه، ولم يكن يتذكر أنه كاتبه فقد دبت به الحياة بعد وقوعه في يدي الممثل والمخرج والمنتج رودولفو دي أندا، ليتحول الى فيلم سينمائي تم تصويره في المكسيك.
ويتحدث المنتج دي أندا، متذكراً اليوم الذي التقى فيه، قبل أربعين سنة، بالسينمائي لويس الكوريسا طالباً منه المشاركة في أداء دور البطولة في الفيلم، غير أن مشروع العمل فيه كان قد أرجئ لأجل غير مسمى، وركن السيناريو جانباً. وبعد مرور الزمن- يتذكر دي أندا : توفي لويس الكوريسا، وجاءني محامٍ صديق ليخبرني أنه إلتقى الشخص الذي حصل على حقوق نشر جميع أعمال الراحل.
ومن بينها سيناريو فيلم (حدود) لغارسيا ماركيز. حينها استعاد دي أندا تفاصيل اللقاء الذي جمعه بالسينمائي الشاب الكوريسا، الذي كان يتحدث عن سيناريو فيلم عن رعاة البقر(كاوبوي)، يتناول شخصيتين مهمتين، شخصية رجل مسلح، طاعن في السن، وشخصية الشاب الذي طلب الكوريسا تجسيدها. وبعد اللقاء مع صديقه المحامي، أبدى دي أندا رغبته في الحصول على النص السينمائي. وكان ما أراد. فقد إشترى دي أندا حقوق النشر قبل حوالى الشهر. ولكن المفاجأة الكبيرة كانت عندما إكتشف أن كاتب سيناريو الفيلم ليس الكوريسا، بل غابرييل غارسيا ماركيز نفسه.
ولأن السيناريو يعود الى سنوات عديدة مضت، فلم يعد حتى غارسيا ماركيز يتذكر بأنه هو الذي كتبه، الأمر الذي دفع به لأن يطلب من دي أندا أن يبعث نسخة من السيناريو إليه. ويبدو أن مشروع نقله الى السينما قد أدخل الفرح الى قلب الروائي الكولومبي، لأن الفكرة من كتابته كانت منذ بدايتها أن يتحول هذا النص الى فيلم.
المعروف أن رودولفو دي أندا شارك بصفة ممثل في أكثر من 200 شريط سينمائي، من بين أبرزها: أبن جارو نيغرو (1961)، و ظل اليد السوداء (1964)، راهب ضد الذئاب (1976)، وأبناء الريح (1977).
المشاركة في الأوسكار
وقع اختيار كوستاريكا على الفيلم المأخوذ عن رواية ماركيز عن الحب وشياطين أخرى، لتمثيلها رسميا في مسابقة الأوسكار 2011 كأفضل فيلم أجنبي غير ناطق بالإنجليزية، وعرض في أكثر من مهرجان دولي مثل كارتاخينا في كولومبيا، وبوسان في كوريا الجنوبية، وسان سباستيان في إسبانيا وغيرها ويعتبر العمل الأول للمخرجة «هيلدا هيدالجو».
وتتناول الرواية بالتفصيل ظروف التعايش بين عائلة أرستقراطية من المولدين وجمع كبير من الخدم والعبيد ذوي الأصول المتنوعة الهندية والأفريقية.ومن خلال التعامل اليومي لتلك الجماعة يكشف «ماركيز» جوانب عديدة من الحياة الاجتماعية خلال فترة الاحتلال الإسباني، والكثير من العادات وتقاليد السكان الهنود الأصليين وذوي الأصول الأفريقية. وينعكس كل ذلك على سلوك أفراد تلك الجماعة المتعايشة في اللغات المتنوعة التي يتحدثونها وفي الديانات والمعتقدات والشعائر والطقوس التي ورثوها عن قدمائهم.
شكوى ضد ماركيز
لكن درب ماركيز السينمائية لم تكن معبدة بالورود دوما،ففي نهاية عام 1999 تقدمت احدى المنظمات غير الحكومية بشكوى قضائية ضد الكاتب الكولومبي الحائز نوبل للآداب غابرييل غارسيا ماركيز بتهمة الاشادة بدعارة الاطفال في الاقتباس السينمائي المكسيكي لروايته ذاكرة غانياتي الحزينات. وقالت حينها تيريز اويوا، مديرة الائتلاف المناطقي المناهض للاتجار بالنساء والفتيات في اميركا اللاتينية وفي الكاريبي: في المكسيك ثمة مادة قانونية تعاقب على الاشادة باقتراف الجنح. والفيلم المفترض يشيد على ما يبدو بدعارة الاطفال وفساد القصر واغتصاب فتاة في الرابعة عشرة.

