العوالم تستمد تفاصيلها من كل أصقاع الأرض، منسوجة بخيال أديب مبدع، لم تقف عند محاكاة قارئها فقط، بل أصبحت موضوعا أساسيا، للنقاش في صالون «الملتقى» الأدبي في أبوظبي، والذي أسسته أسماء صديق في العام 1998. عن تأسيس «الملتقى»، وأهم الأسباب التي ساهمت باستمراريته، حاورت «مسارات» مؤسسة الملتقى، التي تحدثت عن بدايات الصالون، ونشاطاته وضيوفه وفعالياته المتنوعة.
بعد مرور زمن طويل حققتن النجاح والشهرة ما الأسباب التي أدت إلى هذا النجاح؟
أعتقد أن أهم شيء هو الاستمرارية، فمن السهل تأسيس مجموعة، لكن من الصعب المحافظة على الاستمرارية، والذي ساهم في استمراريتنا، الانضباط، إلى جانب أن الصالون كان ولايزال من أهم الأشياء في حياتي، وواجبي بالتالي توفير الكثير من الوقت والأهمية له، ومنحه أيضا الكثير من الشغف والحب، وبالنسبة لي كان «الملتقى» ولا يزال جزءاً من عائلتي.
والدافع الأول لتأسيسه هو حب القراءة، واكتساب المزيد من المعرفة، والبحث عن الكتاب الجيد والمتميز، إذ نبذل جهدا ذهنيا لاختيار الكتاب، والسبق في الحصول عليه، إن لم يكن متوفرا. وكانت بدايات التأسيس، في العام 1998 بدأنا تأسيس مجموعة كبيرة، مع العلم أن اللواتي فكرن بشكل جدي كن خمساً فقط.
وذلك بعد أن كنت مع مجموعة انجليزية، طول 25 سنة، ولاتزال معهم بشكل شرفي، وعن مشاركتي تلك فكرت أن أؤسس مجموعة عربية، وبالفعل أسست مع فاطمة ميقاتي المجموعة الاولى، ومن ثم أسست مجموعة ثانية بدأتها بالرواية، وكانت أول رواية نناقشها بعنوان «الأميرة سلمى» .
كيف تتم عملية المناقشة؟
دائماً ما نقيم نقاشاً حول الكتاب، حتى لو كان النقاش سلبياً، فهو يعود بفائدة ذات وجهين، يتميز بهما الكتاب إما بالسلب أو الإيجاب، وذلك حسب ثقافة الإنسان ومعرفته، ونحترم دائما كل الآراء التي تطرح في النقاش، مما يدل على أنه يأخذ طابعا حضاريا، وذلك عندما نحترم الشخص الآخر الذي يقدم رأياً معاكساً فهذا وجه حضاري.
وهو ميزة علمتنا إياها المجموعة، في قدرتنا على أن نكون حضاريين في النقاش، ونحترم الأفكار المغايرة لأفكارنا والديانات الأخرى، كما علمنا الصمت والسمع، والسيطرة على الغضب، وسبق المعرفة والاحترام، فأحياناً تطرح إحداهن فكرة كنت أنتظر أن أقولها دون مقاطعتها، فهذه المجاميع تعلم الكثير من الأشياء لدرجة أني أعتبرها تدريباً نفسياً، وعندما يدرب الإنسان نفسه يجب أن يكون مع مجموعة.
متى يتم اللقاء بينكن؟
تقريبا كل أسبوعين على أن يكون لقاؤنا يوم الثلاثاء، إلا في أيام معرض الكتاب التي تفرض علينا أن نكثف اللقاءات بواقع كل أسبوع، نناقش فيها قراءات الكتب، وهو ما يدفعنا لتسمية هذه الأيام بـ «مارثون قراءة»، إذ علينا أن ننتهي من الكتب المرشحة لجائزة «البوكر» العربية.
والتي شجعت الناس على قراءة الكتب العربية، وكذلك الكتب الفائزة بجائزة الشيخ زايد للكتاب، إلى جانب العديد من الكتب التي تعرض في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، والتي نبحث عنها ونحضرها بهدف القراءة.
في ضيافة الملتقى
كيف تقيمين مشاركة «الملتقى» في معرض أبوظبي الدولي للكتاب للسنة الثالثة على التوالي؟
لقد شجعت الآخرين على القراءة، حتى إن الكثير منهم قال لي إنه لولا وجودك في معرض الكتاب، ما كنا لنهتم بالبحث عن الكتاب أو الاهتمام به، كما يسألونني عن الأدباء الذين سيحضرون من أجل أن نقرأ لهم. وفي معرض الكتاب قد لا يتوفر لنا الوقت من أجل مناقشة كل الكتب، لذا فمن الممكن أن ننقسم إلى مجاميع، فعددنا 24 سيدة، تقرأ كل ست أو ثماني نساء كاتبا والباقيات يقرأن ملخصا عن حياة الكاتب.
وهكذا لا تكون الجلسة مملة، بل متنوعة تعكس نوعا من الجهد. ترجع أسباب الاستمرارية في «الملتقى» لأني مغرمة بعملي، بل أنا شغوفة به، وعملنا ليس نوعا من الكماليات، بقدر ما هو محبة.
لاحظت عند حضوري لأحد لقاءاتكن الجدية أثناء مناقشتكن لإحدى الروايات، حجم الفرصة التي تمنح لجميع الحاضرات كيف اكتسبتن هذه التقاليد؟
الجدية تعلمناها من بعضنا البعض، وما يعجبني في المجاميع الموجودة في أبوظبي سواء مجموعة الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، ومجموعة الشيخة روضة بنت محمد بن خالد آل نهيان، تلك الألفة التي وجدت مع الزمن، وخلقت نوعا من الصداقة، تدل على نجاح كبير لكل المجاميع.
وعندما تجري مقارنة أية مجموعة أفضل، أجدها مرفوضة كوننا نكمل بعضنا البعض، وبالتأكيد هناك من هن مميزات أكثر من البقية في طريقة نقاشهن أو تفكيرهن. وهو ما يجعلنا نحترم الإنسانة المميزة، في كل مجموعة من هذه المجاميع، مع فرصة إتاحة الوقت لجميع الملتزمات بالحضور والمناقشة.
ما الإضافات التي خرجتن بها من لقاءاتكن مع الكتاب؟
نتفاجأ من رضا الكتاب عن مستوانا، مع العلم أن وجودنا معهم يمنحنا نوعا من الدعم والمعرفة، مثل الروائي إبراهيم الكوني، ودومينيك بوديس مدير معهد العالم العربي، الذي قال «أنتن من المجاميع النسائية النادرة التي نقابلها»، وكل هذا يشكل دعما لتجربتنا، خاصة وأن لقاءنا بالكاتب يأتي بهدف مناقشته في أحد أعماله.
نون النسوة
من سنتين أصدرت كتاباً يوثق عملكن في «الملتقى» ما طبيعة هذا الكتاب؟
بالفعل أصدرنا كتاباً بعنوان «نون النسوة» يلخص تجربتنا من العام 1998 وحتى 2009، وعرضنا في الفصل الأول منه طبيعة المقاهي الثقافية، والمجالس الأدبية، ولخصنا تجربة كل واحدة من العضوات في «الملتقى»، مع التركيز على الإضافات التي وصلت إليها في فترة وجودها في «الملتقى».
ما الذي أضافه لك «الملتقى» بشكل شخصي؟
أضاف سنوات جديدة إلى عمري ومنحني خلاصة تجارب الآخرين، إلى جانب محبة وألفة المجموعة، وامتلاكي لبعد النظر، لدرجة أن رؤيتي للآخرين اختلفت، وعلاقتي أصبحت أوسع مع نوعية مختلفة من البشر، من الكتاب والأدباء وهو ما يحقق لي السعادة، فعندما ألتقي بعض الأدباء أشعر بأني ملكت العالم كله، فأنا في حضرة الكُتاب كأني أجلس في حضرة السلاطين.
لكن هناك عدداً من الكتاب يعيشون حالة من الازدواجية يكتبون شيئاً ويعيشون شيئاً آخر؟
كل إنسان لا يخلو من الازدواجية، صادفنا شخصيات مثالية، واكتشفنا شخصيات ربما نقول ليتنا قرأنا لها ولم نصادفها، لكن علاقتنا معهم لا تتعدى مناقشة كتاب.
أرى دائما أنك كثيرا ما تركزين في حواراتك على احترام الرأي الآخر، لكن متى تدافعين عن رأيك أمام الآخرين؟
أنا بطبيعتي إيجابية، وأقول دائما دع الخلق للخالق، وعادة ما أقول رأيي، وللآخرين الخيار في مدى قناعتهم بأفكاري، وقد أحاول أن أقنعهم ببعض بأفكاري أثناء مناقشة كتاب، وبالفعل أقنعهم أحيانا، ونختلف أحيانا أخرى، ومن أكثر أسباب الخلاف بيني وبين الآخرين، هو «الدين» فأنا من الناس الذين يحترمون كل الديانات والمعتقدات والخصوصيات.
لكن هناك من تقول إن ديني دين الإسلام، وانتهى الأمر، ومن هنا تنشأ خلافات دائمة، تدفعني للقول لكن الحرية، في أن تقتنعن أو لا، وليس لدي مشكلة في عدم قناعتهن برأيي، بل من الصعب أن يكون هناك رأي يقال عنه هو بأنه الأفضل، بل الأمر لا يتجاوز نقاش كتاب، في مكان لا يتسع للجدل.
بين الأدب والفكر
تناقشن دائما الروايات الأدبية، لماذا تغيب عنكن مناقشة الكتب الأخرى؟
أناقش في مجال الروايات والتاريخ، عن طريق مجموعتين وهما «الملتقى» و«مجموعة الفكر» التي نناقش فيها مواضيع مختلفة، على سبيل المثال بدأنا بقراءة عصر التنوير، وذلك بعد أن اكتشفنا من خلال الرواية أن الكثير من الكتاب يركزون على العديد من الفلاسفة، مثل هيغل وكانط وغيرهما، من أصحاب الفكر الفلسفي، ومن أجل زيادة المعرفة اتجهنا للقراءة في اتجاهات فلسفية.
ومن بعد التنوير ركزنا في قراءتنا على الأخلاق، والعصر الجمالي، خصوصا أن أبوظبي تركز الآن على الفن، وهو ما جعلنا نركز أكثر على هذه النقاط، وأسسنا مجموعة صغيرة من 14 سيدة، وبدأنا بقراءة الفلاسفة التي ذكرتهم سابقا، ولكن من دون قراءة كتاب، إنما نختار موضوع المناقشة، ومن ثم نجري أبحاثا حول الموضوع المحدد، ونناقش نقاشا حرا، مما يعود بالفائدة على الجميع.
ما الفرق بين الإنسان الذي يقرأ والذي لا يقرأ بحسب خبرتك؟
هناك أناس يمتلكون الفطنة من دون قراءة، ويحصلون معارفهم من خلال التجربة ووسائل الإعلام مثل التلفزيون وغيره، ولكن القراءة تجعل الإنسان مطلعا على حضارات وعوالم ومبدعين، كما أن الإنسان غير القارئ لا يمكنه أن يعرفها، فالقراءة تجعل أعمارا تضاف إلى عمرك، ويشعر الإنسان بالفرق عندما يثار أمامه موضوع للنقاش.
ما نوعية القراءات التي تميلين لها؟
بشكل شخصي أحب الكتب التاريخية والسير الشخصية، إلى جانب القراءات الروائية التي تحمل في مضمونها طابعا تاريخيا، وما يشدني إلى التاريخ هو أنني أشعر بأنه مزج بين الحقيقة والخيال، كما يمكن للإنسان أن يتعلم منه.
كقارئة ومؤسسة لصالون، ما رأيك بموجة الكتاب الذين يوظفون مواضيع الجنس من أجل الشهرة الأدبية؟
لا أميل إلى هذا، فالجنس الذي لا يخدم الموضوع يصبح منفرا، وأنا ضده باعتباره إساءة للجنس كونه واحدا من «التابوهات» الجميلة، ولا يجب الإسفاف والاستهتار والترخيص به، وفي بعض الأماكن لا يخدم الموضوع وهنا بصراحة أصبح ضده، خاصة وأنه مقحم على النص.
في هذا العصر هناك سهولة النشر وتنوع الكتب لكن التاريخ يفرز، فما رأيك بمثل هذه الموجة؟
أنا أشجع على الكتابة والنشر، فإن لم يكتبوا لن تحدث مقارنة، لكن ما سيبقى هو الجيد، مع العلم أن بعضهم مقل في إنتاجه، فتبقى الساحة لتجارب آخرين، تدفعنا للقول إن الأوراق خسارة أحيانا فيما يكتبونه.

