بعد مرور عام على رحيل الكاتب الجزائري الطاهر وطار (مواليد 1936) يثار الكثير من التساؤلات حول مهمة الأدب في الجزائر، وخاصة أن الكاتب عاش فترات من أصعب الفترات التي مر بها المجتمع الجزائري، وشهد التحولات الجذرية في حياته. وكان سؤال علاقة الأدب بالحياة من أبرز الأسئلة التي طرحها النقاد آنذاك.
ولعل من أبرز سمات هذا الكاتب والذي يجعله حيوياً في الأدب الجزائري أنه كان في طليعة الروائيين الجزائريين الذين يكتبون باللغة العربية الفصحى في الوقت الذي انخرط معظم الكتّاب الجزائريين في لغة الآخر، لغة الاستعمار الفرنسي ربما لأنهم لم يكونوا قادرين على استخدام اللغة العربية الفصحى لأسباب معروفة أمثال مالك حداد ومحمد ديب وكاتب ياسين.
من المعروف أن الطاهر وطار دخل الفن الروائي سياسيا ومناضلا، وساهم في استقلال بلاده من الاستعمار الفرنسي، وكان منشغلا بالإبداع الروائي..لذلك جاءت معظم أعماله معبرة عن حياته والتجارب التي عاشها قبل الاستعمار وبعده. وهذه مهمة عسيرة أن يجمع الكاتب بين الأدب والسياسة لأنها محفوفة بالمخاطر خشية هيمنة الصوت السياسي على الصوت الأدبي إلا أن الطاهر وطار شق طريقه بطريقة مغايرة.
ولم يقع تحت دائرة سحر السياسة. وكان يكتب وكأنه يكتب سلسلة روائية بدأها برواية (اللاز) عام 1974 ثم (الزلزال) عام 1974 و(الحوات والقصر) عام 1975، و(عرس بغل) عام 1978 إلا انه عاد وقدم رواية تحمل عنوان (العشق والموت في زمن الحراشي) واعدها الكاتب الرواية الثانية بعد (اللاز) ونشرها بشكل مسلسل في مجلة (الوطن العربي) عام 1979.
ولأن هذه الاعمال يمكن ان تقرأ بشكل مستقل، فإنها كانت في كل طبعة جديدة تثير اهتماما وبخاصة روايته الاثيرة (الحوات والقصر).
تختلف معالجة رواية (الحوات والقصر) عن أعمال الطاهر السابقة، ففي(اللاز) يقدم شخصية (اللاز اللقيط) ومن خلاله يعكس واقع مجتمع هجين يتحول عن مبادئه سريعا، وفي (الزلزال) تواجه الثورة المناوئين لها فشخصية (بو الأرواح)المتخلف ينحاز إلى نفسه لا إلى المجتمع وفي (العشق والموت في الزمن الحراشي) يقدم شباب الجامعة ومساهماتهم في دعم الثورة الزراعية، وفي(عرس بغل) يستحضر (الشيخ كيان) التاريخ في محاولة لإيجاد حلول لمشكلاته. لكنه في (الحوات والقصر) يكشف عن قوى مصطنعة خرجت من الحضيض لتثري وتنحل البراءة ..
ولئلا يقع الطاهر وطار في التسطيح والمباشرة، فقد لجأ إلى الأسطورة واتخذها رمزاً لتقديم أحداث روائية، حيث نجد أن (شخصية على الحوات) شخصية شعبية تحمل قدراً كبيراً من النبل، ومناسبة إنقاذ (صاحب الجلالة) من مؤامرة استهدفت حياته، فصار على الحوات اختيار سمكة سحرية ملونة نادرة كان قد اصطادها وان يحملها هدية إلى قصر صاحب الجلالة. وكانت رحلة على الحوات قاسية، فقد كانت القرى تطلب إليه أن يحمل همومها ومشكلاتها إلى القصر، لا أن يقدم هديته ويسكت..
ولعل تغليف الرواية بالأسطورة والرمزية ما جعل هذه الرواية تخرج عن نطاق الواقعية التي انتهجها الروائي في عدد كبير من أعماله باعتباره متأثرا بالفكر الاشتراكي الذي كان النمط السائد للمثقف آنذاك. ولعل السؤال الذي طرحته هذه الرواية يصّب في قلب الأحداث الجارية.
فكان لا بد من طرح التساؤل التالي: هل يصح أن ينتظر الثوري المثقف قوة سحرية لتغيير واقع متخلف ومترد كالذي يعيش فيه صاحب القصر ونظامه كما رسمه الطاهر وطار، أم يأخذ زمام المبادرة الثورية؟
تبقى أعمال الطاهر وطار منيرة لأنه الكاتب الأكثر التصاقاً بقضايا وهموم شعبه كما في مجموعته القصصية (الشهداء يعودون هذا الأسبوع) ورواياته الزلزال وعرس بغل وغيرهما. وانتقل صدى المجتمع الجزائري وأزمته مع الإسلاميين والحكم إلى ورايته (الشمعة والدهليز) حيث الشخصيات القلقة، غير المستقرة.
والباحثة من خلال الذات والموضوع عن حلول في الأفق الغامض لكن تصور الروائي لشمعة في عتمة هذا الدهليز، أراد به أن يخلق نوعاً من التفاؤل الذي يرسمه لجزائر الغد. وتقوم الرواية على وقائع تجري قبل انتخابات 92 في الجزائر، وما تلاها من أحداث.
إن مؤلفات وكتب محمد ديب، وكاتب ياسين، ومولود معمري، ومالك حداد.. تحمل أحاسيسهم بصدق عميق وباللغة الفرنسية إزاء وطنهم (الجزائر) وعبروا عن الواقع الجزائري قبل الثورة. فيما كان وطار يكتب عن واقع الجزائر بعد الثورة..ويعمد إلى المجيء بدلالات ووعي هذا الواقع الحاصل وماهو عليه والواقع البديل..ففي روايته(الزلزال) يختار شخصية (عبد المجيد بو الأرواح) الذي يعادي في صميمه المستويات العديدة لكل الانجازات الجديدة.
إنه ليس البطل (السوبرمان) الذي تشخصه الرواية العربية الكلاسيكية، إنه العهد القديم المتهرئ في صراعه اليومي مع الجيل الجديد وخطوات ارادته.. و(الزلزال) هو التحول الكبير لصالح الإنسان القضية، فالثورة ليست وليدة مرحلة؛ وإنما هي الوليد الشرعي للنضال الانساني وحتمية انتصاره وديمومته.
الايدولوجيا والرواية
في كتاب (تجربة الطاهر وطار الروائية بين الايدولوجيا وجماليات الرواية) للكاتبة الاردنية لينا عوض، تؤكد الناقدة على أن الطاهر وطار يعتبر بحق رائد الواقعية في الأدب الجزائري إذ يعتقد النقاد أن تطور الفن الروائي الجزائري جاء عبر روايتين هما: (ريح الجنوب) لعبد الحميد بن هدوقة التي تعد المؤسسة للواقعية في الأدب الجزائري العربي، و(رمانة) لوطار، التي تؤكد اتجاهاً نحو الالتزام السياسي والفكري والنضالي.
وتنامى الاتجاه الايدولوجي في أعمال وطار على وجه الخصوص باختياره الاتجاه الواقعي الاشتراكي في عنايته الشديدة بالالتزام الايدولوجي، وبتنوع اساليبه وتقاناته الفنية التجريبية، شأن (عرس بغل) ضمن الاتجاه الرمزي الكلي، و(الحوات والقصر) المتلاقحة مع التراث السردي القديم في الكتابة الروائية الجزائرية، و(تجربة في العشق) ضمن الاتجاه الذهني المعني بالالتزام الإيدولوجي. وهو صوت روائي ريادي ممن (حملوا قضيتهم الوطنية والقومية معبرين عن هويتهم وواقع الوجود الجزائري).
القضايا الايدولوجية وتشكيلها الروائي عند وطار، من خلال الأمل واليوتوبيا من جهة، والمدخل إلى الثالوث المحرم من جهة ثانية، والجدل بين الأنا والآخر من جهة ثالثة، وأبانت أن وطار حائر أمام موقفه من الاتجاه الإسلامي، إذ لم يطور فهمه الخاص للدين، ولا يتقبل فهم الناس المستلب له، فقد عمل على إخضاع قناعاته لمنطق الجماهير، فمنطقها الديني هو الخيار الذي بقي.
ولم يطرقه الشعب الجزائري، وحاول (أن يقنع نفسه بهذا المنطق بالاستناد إلى مرجعياته الاشتراكية التي لم يعد يعرف ما يجب أن يصنع بها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي) لأن الواقع يتغير بسرعة كبيرة، وسرعان ما انعكس على أبطاله الروائيين (الذين يعانون حالة من عدم التلاؤم مع الواقع أو عدم الفهم له.
ويعكس هذا التشظي في وعي الأبطال التقطيعات على بنية السرد تلك التي أخذت تجسد، شيئاً فشيئاً، الحالات الذهنية للبطل المأزوم نفسياً وإدراكياً). وهنا يضعنا الروائي في قلب شخصيات وحالاتهم النفسية الثرية. لم يختر الطاهر وطار الواقعية الفوتوغرافية بل حاول من خلال شخوصه أن يسبر أغوار المجتمع من خلال سبر أغوار الإنسان. لذلك لم تكن رواياته مسطحة أو باهتة.
للطاهر وطار، إذن، وجه آخر يختلف كثيرا، حد التناقض، عن الوجه الأول الذي عرفناه له من خلال مواقفه ورواياته ومجموعاته القصصية الأولى (اللاز، الزلزال، العشق والموت في الزمن الحراشي (اللاز الثانية)، عرس بغل، الشهداء يعودون هذا الأسبوع، الحوات والقصر، ...). في أعماله الأخيرة: تجربة في العشق، الشمعة والدهاليز، الولي الصالح يعود إلى مقامه، ...
وفي تدخلاته عبر وسائل الإعلام راح وطار، شيئا فشيئا، يتخلص من تركته اليسارية، حتى بلغ به الأمر حد التعبير عن الندم، خاصة مما كان ذا ميل شيوعي ومعاد للإسلاميين مثلما جاء في آخر روايته اليسارية "العشق والموت في الزمن الحراشي" (1978)، التي انتصر فيها للتوجه الاشتراكي لبومدين ولثوراته الثلاث كما استعاد فيها اللاز وعيه ووقف وطار إلى جانب الطلبة المتطوعين (الشيوعيين) ضد الطلبة الإسلاميين ومؤيديهم من القوى المعادية للاشتراكية و للثورة الزراعية.
حينذاك كان الطاهر وطار على قناعة راسخة وثقة عمياء بمسار التاريخ، وهو القائل في روايته (العشق والموت في الزمن الحراشي ص 120):
"لن يكون في الجزائر سادات. يستحيل ذلك. هذا الشعب، هو صانع الثوريين، وكل من سيأتي بعد الهواري، لن يستطيع إلا أن يكون على يساره، لكي يضمن الالتحام مع الشعب. ولكن عندما حصلت الجزائر على (ساداتها) بعد موت بومدين تبخرت كل قناعات الطاهر وطار، وذابت كل المستحيلات، بما فيها مستحيلات وطار اليسارية.
لم يكتف وطار بالتنكر لهذه القناعات بل راح يتبنى ويدافع عن أضدادها بل ويؤيد من أخرجهم سادات الجزائر من القمقم كما فعل سادات مصر مع إخوانها، حسب تعبير هيكل، فحل عباسي مدني محل بومدين وحل علي بلحاج محل لينين، وحل حزب الجبهة الإسلامية محل الحزب العمالي البروليتاري. نلمس هذا جليا في رواية الشمعة والدهاليز التي سوف أقدم للقارئ مقتطفات كثيرة منها توضيحا لما أزعم أنه سقوط محزن دراميّ ليساري ماركسي.
فماذا حدث حتى يُحدِث وطار كل هذا الانقلاب في توجهاته وقناعاته وتحالفاته؟ فهل أصبحت توجهات وبرامج ومواقف الإسلاميين تلبي قناعات وطار اليسارية؟
الإسلاميون في الجزائر لم يزعموا لأنفسهم هذا الدور أبدا، ولا يمكن أن يفعلوا. هم كانوا خليطا غير متجانس اجتماعيا وسياسيا وفكريا. خطابهم ديني قروسطي في صبغة شعبوية سطت على التراث القومي والاشتراكي بعد أسلمته وتقديمه للناس في ثوب إسلام ثوري معاد للطاغوت كما يقولون وبرامج مائعة لا تجوّع الذئب ولا تغضب الراعي كما يقول المثل الجزائري. كان علي بلحاج يقول دائما تجاه النساء: (لن نعطي للمرأة إلا ما أعطاها الإسلام). ولا أخال الطاهر وطار يجهل ما أعطاها الإسلام
لماذا تغير وطار إلى هذا الحد وهو يسمع هذا الكلام ويشاهده في تصرفات الإخوان اليومية ومواقفهم وفي كل حركاتهم وسكناتهم؟
هل هو سيف الإرهاب المسلط على الرقاب؟
هل هو الإحباط الذي أمسك بخناقه وقتل فيه حتى القدرة على الإبداع بعد موت الهواري وبداية التراجع عن خياراته اليسارية؟
هل هي الغيرة والنفاق كما وصفه الروائي رشيد بوجدرة بعد أن جف عود الإبداع فيه؟
أم هل ما جرى لوطار هو شبيه بما جرى لكثير من اليساريين العرب الذين صرعتهم حركة الجماهير التي تمكن الإسلاميون من جرها وراءهم بالملايين وهي التي ظل اليساريون يؤلهون ثوريتها ونقاءها حد العبادة.
الطاهر وطار صب جام غضبه على المثقفين المفرنسين الذين حمّلهم، تقريبا، كل مآسي الجزائر، فأصبحوا عملاء وخونة ومنتحرين يصح فيهم الاغتيال والتشريد والإرهاب.
فهل في هذا شيء من الصدق؟ هل هم المسؤولون عما وصفه وطار وهو يلاحظ التحولات العالمية، بـ "خيبة في كل ما تلقيناه من مبادئ ومثل وقيم فلا وحدة ولا تحرير ولا اشتراكية ولا تضامن.. إذن المسألة لم تكن مسألة لغة بل مضمون.
