أجرت صحيفة »غارديان« اللندنية هذا الحوار مع الروائية الأميركية جنيفر إيغان بالتزامن مع فوز روايتها الرابعة زيارة من فرقة غوون بجائزة بوليتزر عن قطاع الرواية، حيث أكدت حرصها على كتابة كل رواية جديدة في قالب أدبي مختلف عن سابقتها، وقالت إنها تعكف حالياً على كتابة رواية تاريخية على الرغم من أنها تعتبر نفسها غير مؤهلة لتأليف هذه النوعية من الروايات، وأشارت إلى أن الجمع بين الكتابة للصحافة والإبداع الأدبي مهمة صعبة، لكنها تواصل الاستمرار في القيام بها لأن الصحافة توسع آفاق عملها الروائي. وفيما يلي نص الحوار:

 

عندما صدرت رواية جنيفر إيغان الرابعة بعنوان «زيارة من فرقة غوون» في الولايات المتحدة قوبلت بموجة من المراجعات الحماسية، لكنها غاصت كحجر ثقيل في بحيرة، وراح الناشرون يتساءلون عما إذا كان العنوان هو المشكلة. فما هي «فرقة غوون» بالضبط؟ وحدثوا أنفسهم بأن العنوان ربما نفر القارئات منها. واستبد اليأس بإيغان. وبعد عام دخلت الرواية قائمة أفضل الكتب مبيعاً، واشترت شركة «إتش.بي.أو» حقوق تقديمها على الشاشة الصغيرة.

تبدو إيغان من خلال اللقاء بها، نحيلة، متواضعة، وربما متناقضة مع قوة نثرها، الأمر الذي ينيره تألق عابر. و«فرقة غوون» هي الرواية الرابعة لإيغان، وهي تعكس قطيعة مع النوع الأدبي الذي تنتمي إليه روايتها التي سبقتها، تماماً كما كانت سابقتها مختلفة عن الرواية السابقة، كما هي عادة إيغان.

وهي تقول إنها في كل مرة تبدأ مشروعاً جديداً فإنها تتوق إلى الخلاص من النوع الأدبي لعملها السابق بعد أستنفاد قدراته ومعطياته، فهي بعد تأليف روايتها الأولى التي تحمل عنوان «السيرك الخفي» وهي رواية تتناول وصول أبطالها إلى سن النضج، قامت بتأليف روايتها «أنظر إليَّ».

وهي رواية ساخرة تدور حول عارضة أزياء تفقد جمالها في حادث تتعرض له، ثم قدمت رواية ذات طابع قوطي بعنوان «الحصن» والتي استقبلها بحماس الناس الذين كانت تتوقع ألا يتحمسوا لروايتها «فرقة غوون» التي تدور حول عالم صناعة الموسيقى. وهي في غمار ذلك كله لا يقود خطاها إلا ماتهتم به في وقت عكوفها على الكتابة، وهي تقول في هذا الصدد: «إنني بأمانة أبحث عن عناصر الإثارة في الراوية، فهذا هو ما تدور الرواية حوله».

تنقسم رواية إيغان الجديدة إلى ثلاث عشرة قصة متداخلة، تركز كل قصة منها على شخصية ينظر إليها نظرة جانبية في القصة التي سبقتها، وإذا كانت تبدو مضجرة، فإنه يتم إنقاذها من خلال إيقاعها وقابليتها للقراءة، فايغان سريعة وطريفة وخفيفة في انطلاقها إلى حد أن شهرتها تدور حول حدود الأدب النسائي.

وربما كان هذا هو على وجه الدقة ما يفسر حذفها من القائمة القصيرة للروائيات المرشحات للفوز بجائزة أورانج، لصالح كاتبات أكثر جدية، وهو خطأ عبثي، وذلك على الرغم من أن إيغان لا تقر، بالطبع، بأن الأمر كذلك. وهي تقول في هذا الصدد: «الشيء الوحيد الذي يزعجني في هذا الأمر هو أنه كان من شأنه أن يجعل ناشري سعداء للغاية».

وهي تضيف إنها من المعجبات برواية «الفرقة» لإما دونا هيو، التي تألقت في القائمة القصيرة، والتي تصفها بأنها رواية جيدة، وان إعجابها بها ربما يرجع في أحد جوانبه إلى أنها أم لطفلين، وذلك على الرغم من أنها ليست بصفة عامة مهتمة بالكتب التي تدور حول الأمومة.

وتحكم الضرورة عادات الكتابة عند إيغان، فهي تقيم مع زوجها، المخرج المسرحي، وابنيهما في بروكلين بنيويورك، وهي قبل انطلاقها إلى المدرسة للعودة بابنيها، تعكف على كتابة ما يتراوح بين خمس إلى سبع صفحات بخط اليد.

وهي تقول في هذا الصدد: «يمكن أن يحدث هذا بصورة سريعة حقاً، حيث يمكنني الانتهاء من انجاز هذا الكم في ساعة أو ساعتين، ولكنني في بعض الأحيان أقضي الكثير من الوقت في تجنب ذلك، حيث أستغرق أربع ساعات لإنجاز ما كان يمكن أن أنجزه في ساعة واحدة. وأحاول ألا أكتب أكثر من هذا، حتى وإن كنت أحس بإغراء القيام بذلك، لأنني إذا قطعت شوطاً أطول من اللازم، فإنني في اليوم التالي أشعر بأنني استنزفت. فأنا لا يمكنني إنجاز أكثر من سبع أو ثماني صفحات من دون تعريض إيقاع العمل للخطر».

وكانت الرغبة في أن تصبح كاتبة قد هيمنت على إيغان فجأة، ومن دون سابق إنذار، عندما كانت مراهقة في مقتبل العمر تحمل حقيبتها على ظهرها في أوائل الثمانينات، وهي تتجول وحيدة في أرجاء أوروبا، وتحس بالاكتئاب، وتفتقد عائلتها. وقد كانت تلك هي مرحلة الاصطفاف أمام أكشاك الهواتف العامة.

وهي تقول عن تلك المرحلة: «كان هناك نوع من الزخم في عزلة الترحال في ذلك الوقت، لم يعد لها وجود الآن. وكان عليك أن تنتظر في طابور أمام كشك الهاتف، ثم لم تكن هناك أجهزة تسجيل على الهاتف وهذا الشعور بالانتظار في صف، والدفع من أجل الاتصال هاتفياً، ثم عدم رد أحد على الاتصال الهاتفي، ثم يعجز المرء عن ترك رسالة، بحيث لا يعرف أحد أنك اتصلت. ومن الصعب سبر غور ما يشبهه هذا الانفصال. ولكنني بالفعل ممتنة لذلك، لأنه كان أمراً متطرفاً للغاية، وهذه النوعية من العزلة المتطرفة أوضحت لي أنني أريد أن أكون كاتبة».

ولكن لماذا راودها هذا الشعور؟

تقول إيغان: «أتمني لو أنني أعرف الإجابة عن هذا السؤال، فأنا لا أعرفها. وأعتقد أنه كان هناك نوع من الوضوح فيما يتعلق بوصولي إلى ذاتي بهذه الطريقة المتطرفة، كما أنني كنت خائفة حقاً، وقد واصلت التعرض لما أعتقد أننا ندعوه الآن بنوبات الفزع. كان هذا هو صيف عام 1981، وقد اعتقدت بأنني أتقلقل، وعلى نحو ما في غامر تلك الحالة المتطرفة، عكفت على الكتابة باستمرار، صفحات مذكرات مفعمة بالعذاب، أسرد فيها شعوري بالفزع، محاولة فهم ما كنت أشعر بالخوف منه».

تبتسم إيغان، وهي تضيف: «أعتقد أن جوهر الكتابة قد تكشف لي في غمار تلك التجربة». وفي نهاية المطاف اتصلت إيغان بأمها هاتفياً، ودعتها للعودة إلى كاليفورنيا، وهو ما قامت به.

قبل أن تغادر إيغان أوروبا، راودتها أفكار حول أن تصبح طبيبة، شأن جدها، وتقول في هذا الشأن: «أحببت فكرة أن أكون طبيبة، حيث أنغمس في حياة أناس مختلفين، ولكن أيضا في جانب التحقيق من هذا الأمر، كنت فتاة ذات توجه علمي، وأحببت مادة الكيمياء».

لكن الطب سقط من حياتها، عندما أصبحت حساسة إزاء الدم في سنوات مراهقتها، ثم أرادت أن تكون باحثة في علم الآثار، وتقول: «في تلك المرحلة كانت الاكتشافات الأثرية تشق طريقها إلى صدر الصفحات الأولى من الصحف، وهكذا دار خيالي حول إعادة بناء الحياة التي تنتمي إلى أزمنة خالية باستخدام تحف صغيرة».

وتضيف: «قمت بدفع مبلغ مقابل الذهاب للتنقيب عن الآثار في الصيف، ووجدت أن هذا الجهد يتم في مناخ حار ووسط الغبار، وليس حقاً ما دار في ذهني، وأدركت أن الفانتازيا التي سيطرت علي لا علاقة لها بالواقع».

استخدمت جنيفر إيغان التجارب التي استقتها من رحلتها في أرجاء أوروبا في روايتها الأولى بعنوان «السيرك الخفي»، والتي تدور حول فتاة أقدمت أختها على الانتحار، فتعقبت مراحل انتقالها لتكتشف السر في انتحارها، وتعد هذه الرواية هي الأكثر تقليدية بين رواياتها الأربع، وتقول في هذا الصدد: «تلك هي نوعية الكتب التي تجعل بعض الناس يبكون، .

خطرت فكرة رواية «فرقة غوون» ببال ريغان بعد أن انغمست هي ومجموعة القراءة الخاصة بها في قراءة بروست «البحث عن الزمن المفقود». واستغرق الأمر منهم سبع سنوات لانجاز قراءة تحليلية مفعمة لهذا العمل، وخلال هذه الفترة أصبحت مهمة إلى حد الاستحواذ بتقديم عمر بكامله في رواية على نحو غير تتابعي، وبالطريقة التي يعايش الناس بها مراحل حياتهم، أي كتفاوض مستمر بين التأمل والتوقع.

وشأن أفضل أعمال الهجاء والمحاكاة الساخرة، فإن الكثير مما كتبته إيغان تحول إلى واقع. وإحدى شخصياتها رجل علاقات عامة بائس يوظفه دكتاتور لتحسين وظيفته، وبعد صدور الكتاب الذي تظهر فيه هذه الشخصية كشف النقاب عن أن الرئيس الليبي معمر القذافي قد فعل شيئاً من هذا القبيل. وفي عالم إيغان الروائي أصبحت العلاقات العامة مرادفعاً للتلاعب النشط بالسلوك البشري.

وفي رواية إيغان الرابعة، فإن الفصل الأكثر إثارة للاهتمام هو فصل مكتوب وفق برنامج باوربوينت من قبل فتاة مراهقة تنتمي إلى المستقبل القريب تعكف على الكتابة الالكترونية لمذكراتها.

تقول إيغان: «كانت لدى فصول قليلة لم أستطع جعلها قابلة للتنفيذ، فقد أردت حقاً تأليف فصول بالشعر الملحمي، لأنني حدثت نفسي إن إدراج الشعر الملحمي، وبرنامج باور بوينت في رواية واحدة هو أمر لا سبيل إلى مقاومته. ولكن المشكلة هي أنني كنت أقرأ (دون جوان) وهو عمل طريف ومدهش للغاية وما بعد حداثي للغاية بتلك الطريقة المنتمية إلى القرن التاسع عشر، حيث يتصدى لورد بايرون للتعقيب على الأحداث المحلية، ويغمز من قناة أعدائه، ثم يعود بلا جهد يذكر إلى مغامرات دون جوان.

وقد حدثت نفسي قائلة: يا إلهي. لو أن بمقدوري أن أفعل هذا لكان شيئاً مدهشاً! وبالطبع فإن لورد بايرون كان واحداً من أعظم الشعراء في كل العصور، وهذا هو السر في أنه كان بمقدوره إنجاز ذلك. وأنا لست شاعرة على الإطلاق. وقد أدرجت مقطعين شعريين في ذلك الفصل، وحدثت نفسي بأن تلك كارثة». يفلح فصل الباور بوينت على نحو ما في أن يكون مؤثراً للغاية.

وهي تقول إنه لم ينجح إلا لأن هذا الوسيط يؤكد المغزى الهيكلي الذي كانت تحاول إبرازه حول الايجاز، وعلى وجه التحديد العلاقة المرتبكة والمثقلة بالصمت بين فتى وأبيه. ولكن هل اعترض ناشرو كتابها على هذا الفصل؟

ترد جينفر إيغان بالقول: «لقد أعتقدت أنهم سيقولون: لا، هذا باهظ الكلفة، أو هذا موغل في الابتعاد عما هو مألوف، وكنت على استعداد تام لإبعاد هذا الفصل». وقد أعدت المسودة الأولى للكتاب من دون ذلك الفصل، ولم تعده إليه إلا في المراجعة النهائية. وهي تقول حول هذا: «لقد فعلت ذلك خلسة. وكان الناشرون يتوقعون تنقيحات محدودة، ولكنني حدثت نفسي: كل ما سأفعله هو إفزاع الجميع بإبلاغهم إنني أكتب في إطار برنامج باوربوينت. وقد استحوذ على الاحتياج إلى إنجاح الأمر».

ومن المحتم أنها عندما بعثت به إلى وكيلها ومراجع الكتاب أن أيا منهما لم يستطع فتح المادة الملحقة بالرسالة الإلكترونية، فاضطرت إلى طباعة الفصل وإرساله بالفاكس إليهما. وتضحك قائلة: «لم يتبعا تعليماتي، وقد اتصل بي وكيلي الأدبي على الفور طالباً الدعم الفني». وكرد فعل على هذا إلى حد ما فإن إيغان تتخيل أن روايتها المقبلة ستكون أكثر تقليدية، وهي لم تنغمس بالكامل في مشروعها الجديد بعد، وإنما هي عندما تصفه بتلك «النقطة الخطيرة» المتمثلة في النضال من أجل الانطلاق.

وهي تقوم في معظم السنوات بكتابة تقريرين مطولين لمجلة صحيفة «نيويورك تايمز». وهذان الشكلان، أي كتابة الرواية بما تعكسه من عكوف على الذات والحركة الخارجية التي تقتضيها الصحافة، يخصب أحدهما الآخر، وذلك على الرغم من أنها يقلقها استخدام الصحف كنشاط بديل وتقول:

«إنني أشعر دوماً بأنني لا أرغب في القيام بها، وأنها تعترض طريق ما أريد القيام به، وقد اعتدت أن أكون قادرة على القيام بهما معاً في آن، عندما لم يكن لي أبناء، لأنني أعمل كثيراً، ولكنني لا أستطيع فعل ذلك الآن حقاً، حيث أشعر بأن ذلك تضحية أكبر، ولكن الأمرين يتفاعلان طوال الوقت. وكوني مرغمة على الخروج إلى العالم هو شيء هائل بالنسبة لي، حيث أنه يوسع حقاً امكانيات ما يمكنني الكتابة عنه». لا تستطيع إيغان القيام بالأدوار المختلفة في حياتها بسهولة نسبية.

وهي تقول إن الصعوبة تكمن في اللحظات الانتقالية. وهي توضح أنه: عندما أصبح لي طفل في المرة الأولى أمضيت وقتاً صعباً في محاولة تخمين كيف ستندرج الأمور معاً، لأنني أحسست بأنني عندما أكون مع أبني فإنني أرغب في الكتابة وينبغي أن أكون عاكفة عليها. وعندما أكتب فإنني أشعر بأنني ينبغي أن أكون معه وأريد أن أكون معه.

وهكذا فقد استبدت بي التعاسة كثيراً. ولكن بمرور الوقت بدا أن هذا الصراع يتراجع، ولست أستطيع إيضاح الأمر تماماً، حيث يبدو أن الأمرين يتداخلان بيسر أكبر، ولدى الانتقال من أحد الأمرين إلى الآخر لا يزال يكمن الشعور بعدم الارتياح».

وهي تتابع تفسير هذا الشعور بقولها: «أمضى مشياً إلى المدرسة لاصطحاب ابني مدة تتراوح بين 15 إلى 20 دقيقة، واستمع إلى الموسيقى في مسيرتي، وفي الغالب أحس بعدم الارتياح خلال سيري، وأشعر بالبؤس والكآبة، ولكنني عندما أراهما أنتقل إلى ْعالم آخر، واهتماماتهما فورية تماماً، وهو أمر أجده رائعاً.

وباعتباري كاتبة فإنني لست مهتمة كثيراً بالامور المنزلية، ولكنني كإنسانة أشعر بأن هذه الأمور رائعة، لأنني أجدها باعثة على الشعور بالحرية إلى حد كبير. وانجاز المهام المنزلية الصغيرة يمكن حقاً أن يمنحني الشعور بالرضا، ولسوف أحس بالإثارة والانفعال عندما أحل مشكلة منزلية بسيطة بما يتوافق مع برنامجنا الزمني».

وتجد إيغان في الشهرة شيئاً متعباً، وهي تقول إنها لم تكن تجيد الحديث في المحافل العامة، بحيث أن مجرد جلوسها على رأس المائدة في حفل عشاء كان يثير قلقها، وتقول: «ستة أشخاص أو سبعة يستمعون إليَّ، لم أحب ذلك الشعور بالانفصال عنهم».

وقد تحسن هذا الوضع بمرور الوقت ويمكنها هذه الأيام مخاطبة جمهور كبير بالحد الأدنى من المتاعب. والعمل انطلاقاً من موقع التفاؤل النسبي هو ما يدفعها قدماً، وهو الشيء الذي تحصل عليه من البدء في كل رواية تندرج في قالب أدبي مختلف تماماً عن سابقتها.

وهي بعد إطلاقها «فرقة غوون» تفكر في إمكانية انجاز رواية تاريخية، وهو قالب للسرد الروائي أكثر مباشرة، وذلك «لأنني سئمت من المنهاج المتشظي، وأتوق إلى المركزية».