قضية الثورة ومستقبل الثقافة العربية وحوار الثقافات الذي شهدته مصر أخيراً، هي القضايا التي كانت حاضرة بقوة ضمن جلسات وأوراق عمل ندوة «الأدب المقارن والحوار مع الآخر في ضوء ثورة ‬25 يناير»، والتي أقيمت بالمجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، ضمن احتفالات الجمعية المصرية للأدب المقارن بـ«اليوم العربي للأدب المقارن وحوار الثقافات»، شارك في الاحتفالية عدد من أساتذة الأدب المقارن والباحثين، فإلى التفاصيل.

 

أكد الدكتور أحمد عتمان، رئيس الجمعية المصرية للأدب المقارن، خلال الجلســــة الافتتاحـيـــة للندوة، أنه من حسن حظ مصر أن احتفالها خلال العام الجاري باليوم العالمي للأدب المقارن جاء مكللا بإكليل الثورة، التي أعادت اعتدال ميزان الحوار بين الثقافة المصرية والعربية وبين الآخر، وجعلت الحوار حواراً ندياً، مما دفع بحوار الثقافات دفعات قوية، وأضـــاف أنه قبــل الثـــورة كان هناك الكثير الذي يعرقــل مســـار حوار الثقافـــات، أما الآن فحوار الثقافات والأدب المقارن، فقال إنه سيشهد عصرًا جديدًا وازدهارًا كبيرًا.

أما الدكتور شوقي جلال، فدعا في ورقته بعنوان «إلى أين نحن ذاهبون؟» إلى ضرورة التزام الحقيقة العلمية في التعامل مع قضايا الثقافة العربية، وأن يكون هناك توثيق نقدي لذات الثقافة العربية وتاريخها، وتحديد رؤية لمستقبلها وتفهم السياق العالمي الذي تعيش فيه.

وأكد أن الثقافة العربية في حاجة إلى أن تعيد التفكير من جديد في قضايا سبق طرحها على بساط البحث، سواء القضايا القومية أو القضايا التي تتعلق بموضوعات جزئية، مثل الجدل الطائفي الدائر الآن في مصر، مع الحاجة إلى تفهم الثقافة العربية في سياقها التاريخي.

وقال: إن المجتمعات حين تواجه كارثة تكاد تعصف بوجودها، فإنها تفسر ذلك بمحاولة الإجابة عن سؤال من سؤالين، فهناك مجتمع يسأل: من فعل بنا ذلك؟ وهذا سؤال يكشف عن نرجسية ويلقي بالمؤامرة على الخارج، ومجتمع آخر يسأل: ما الخطأ فينا؟ وهو سؤال يكشف عن رغبة في التصحيح.

وتطرق إلى ما يسمى بثقافة الموقف، وهي تعني إرادة التغيير والإنتاج، كما أنها ثقافــــة إبـــداع وصنع حياة، وعلينا أن نتأمل الثقافة من هذه الزاوية، كما أشار إلى أن الفترة الماضية شهدت ظهور مثقفين تقليديين، وهــم الذين خدموا السلطة بإخلاص شديد تعبيرًا عن رغبة، ومثقفين مستنيريـــن وهم الذين يحافظون على مسافة فاصلة نقدية بينهم وبين السلطة، ويمثلون نورًا للمستقبل من أجل حياة أفضل لشعبهم.

 

البرجوازية المصرية

وتناول الدكتور سيد البحراوي، الأستاذ بكلية الآداب في جامعة القاهرة، في ورقته ما وصفه ببداية الثورة التبعية الذهنية، وأشار إلى أن مصطلح التبعية الذهنية هو اختيار دقيق لتوصيف الخاصية الأكثر أهمية من وجهة نظره للنخبة المصرية، ممثلة في الطبقتين الوسطى والعليا من البرجوازية المصرية.

وأكد أن الذهن هو تلك الملكة التي تجمع بين العقل والوجدان، وعندما تصاب هذه المنطقة التي تحدد كل شيء من مكونات الإنسان وسلوكه، وعندما تحدد بالتبعية عندها تشل حركة الإنسان، فيفقد الإبداع والتفكير النقدي.

وقال: إن محمد علي نجح في القضاء على إمكانات التطور الطبيعي، التي كانت موجودة في مصر قبله في شرائح اجتماعية معروفة، حيث أصبحت هذه الشرائح تابعة ذهنيًا للنموذج الأوروبي، وسياسيًا لولي الأمر، معتبرا أن ثورة ‬25 يناير هي حالة إبداعية متميزة من زوايا متعددة، من حيث العدد والشرائح الاجتماعية التي شاركت فيها .

ومن حيث الخصائص الدينية التي تميزت بها والشعارات الأساسية التي رفعت أثناء الـ‬18 يوما هي إعلاء قيم الحق والخير والجمال، ولكنها للأسف كانت فقط شعارات ولا تمثل برنامجًا؛ لأن القوة التي شاركت في هذه الثورة ذات أيديولوجيات مختلفة ومتعارضة، مما جعلها بلا قيادة منظمة قادرة على أن تقود ما بعد ذلك، وبالتالي أسلمت أمر قيادتها إلى الجيش المصري.

 

عزلة اختيارية

استعرضت الورقة الثالثة في جلسة الاحتفالية التجربة اليابانية وقدمها الدكتور عصام حمزة، حيث أشار فيها إلى أن اليابان ظلت ما يزيد على الـ‬50 عاما في عزلة اختيارية، وفوجئت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بأنها تخلفت كثيرًا علميًا وحضاريًا وثقافيًا وسياسيًا عن العالم، والذي نبه اليابانيين إلى هذا هو قدوم سفن حربية أجنبية إلى الشواطئ اليابانية، فاكتشفوا أن هذه السفن مزودة بأسلحة متطورة ونظم مختلفة عما كانوا يعرفونه.

وأضاف حمزة بأن الشعب الياباني كان يعتقد أنه شعب سامٍ ومتميز، وله حضارة عريقة وتراث ثقافي يجعله يتميز عن باقي البشر، وهذا له مرجعيـــة ثقافيــة دينيـــة مرتبطـــة بالأساطــير وبداية الخلق وخلق الشعـــب الياباني، إلا أنه عندما اكتشف الشعب الياباني هذه الفجوة شهدت اليابان عملية تغيير استمرت ‬15 عاما، بقيادة الشباب حتى استطاعت اليابان أن تحلق بالعالم الحديث.

 

اتهامات المستشرقين

وحملت الورقة الأخيرة في هذه الجلسة عنوان «ثورة مصر في العالم الخارجي بعد ‬25 يناير» وقدم هذه الورقة الناقد الأدبي الدكتور حامد أبوأحمد، الذي قال:

إن التوسع الذي حدث في مناهج الأدب والدراسات المقارنة في العقود الأخيرة هو توسع نزع نحو توسيع الدائرة في مجال علم النص الذي يدرس في الجامعات بشكل واسع، وأصبح لدينا مصطلح «عبر التخصصات» الذي يدخل في دراسة النص الاقتصاد والصحافة، وكل شيء موجود في الحياة.

وتابع الدكتـــور حامد بأن مجــــال الأدب المقارن عند الرواد الأوائل مثل الدكتور الطاهر مكي كان يقتصر على الكتب وما إلى ذلك، لكن الأدب الآن يتناول أشيـــاء كثيرة كالصحافة وأدب الرحلات، وتطور هذا في عصر الميديا الذي نعيشه الآن. مضيفا بأن الثورة الخومينية عندما قامت أحدثت في الغرب ما يسمى بانبعاث الحضارات القديمة، التي كانت قد خمدت على مدى قرون. وأضاف بأنه بعد ‬11 سبتمبر تدهورت صورة العرب في الغرب بشكل كبير، وإن كانت هناك استثناءات من بعض المستشرقين، الذين كانوا يردون على هذه الاتهامات.

 

المتشائل والتحرير

وضمن أعمال الجلسة الثانية للمؤتمر عرضت الدكتورة كرمة سامي، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس، ورقة بحثية حول استشراف ثورة ‬25 يناير في إبداعات رضوى عاشور الأدبية والنقدية، وأشارت في ورقتها إلى أن من يقترب من رضوى على المستوى الشخصي يدرك أنها منذ طفولتها وهي تحمل هم القضايا العربية وليست المصرية فقط، وتعتبر أن تحرير القدس يبدأ من ميدان التحرير. كما اعتبرت أن رضوى تأثرت بـإميل حبيبي منذ أن قرأت روايته «المتشائل» في أوائل السبعينات.

وقالت كرمة: إن رضوى في رواية «الطنطورية» -وهو اسم إحدى شخصيات إميل حبيبي في «المتشائل»؟ تحاول أن تقترب من المشهد الفلسطيني، فمنذ بدايتها وهي تحاول أن تلقي الضوء على القضية الفلسطينية، مشيرة إلى أن رضوى عاشور اعتبرت في كل أعمالها أن التوغل في الزمان والمكان وثنائية التاريخ والجغرافيا أدوات أساسية لها في التواصل مع الجمهور.

أما الدكتورة نادية جمال الدين فتحدثت عن استشراف ثورة ‬25 يناير بين الأنا والآخر، مشيرة إلى وصف الكاتب الإسباني خوان غويتسلو للعاصمة المصرية القاهرة وأهلها، فهو يصف الجلبة التي لا تنتهي في شوارع القاهرة والازدحام الشديد، ويقول عنها: إنها مدينة بلا رحمة، وتحتوي على كل المتناقضات ما بين اللافتات الإعلانية وأسطح المباني المغطاة بالأكواخ والأطفال المشردة والمنازل الآيلة للسقوط والقاذورات، التي تملأ كل مكان والمشاة التي تغطي عيونهم الهالات.

كما يصف خوان الإعلام المصري بأنه مخادع، ويصف المسلسلات بأنها توجه لتنويم وتخدير الشعب، كما قدم غوتسيلو في كتابه صورة عن الإنسان المصري الذي يريد أن يكسب بدون أن يعمل.

 

ثورة الشباب

عرضت الدكتورة ماجدة النويعمي، أستاذ الأدب اللاتيني في جامعة الإسكندرية ورقة تضم دراسة بعنوان ثورة مصرية على لسان سقراط من خلال مسرحية «حسناء في سجن سقراط» للدكتور أحمد عتمان، وقالت: إن لكل ثورة شعبية ثوره أدبية تسبقها عادة، وهذه الثورة الأدبية سلاحها الكلمة التي تخرج كالعيار الناري، الذي يصيب الهدف وتختلف الأعيرة النارية باختلاف الكاتب.

وأشارت إلى كتاب «ثورة الشباب» لتوفيق الحكيم مقتبسة منه هذه الجملة «كل ثورة دليل حيوية، والشباب هو الجزء الحيوي في الجسم فلا عجب أن يقوم بالثورة الشباب، وقلما تكون هناك ثوره الشيوخ؛ لأن الشيخوخة هي تناقص الحيوية».