دعا المسرحي السوري فرحان بلبل إلى العودة إلى ما يسميه المسرح الفقير، والانفلات من عقال الإرهاصات المادية، والابتعاد عن المؤسسة الرسمية في الممارسة المسرحية، والاستماع إلى صوت الشباب عموما، وإلى المسرحيين منهم على وجه الخصوص، في مشهد يراهن بقوة على هذه الفئة العمرية، القادرة برأيه على انتشال المسرحيين في سوريا والوطن العربي من أزمتهم الخانقة، بعد أن أداروا الظهر لماهية المسرح والمعالجات الاجتماعية التي تمنح شرعيته،
يطلق عليه البعض لقب شيخ المسرحيين السوريين، أمر ليس مستغرباً إذا علمنا أن الكاتب والمخرج المسرحي السوري فرحان بلبل عاصر أجيالاً متعاقبة من المسرحيين في بلاده وساهم في مشوار التأسيس المتواصل للحركة المسرحية السورية وفي حراكها أيضاً، وذلك من خلال فرقته، فرقة المسرح العمالي في مدينته، حمص التي ما كان ليتخلى عن أحدهما مهما ارتفعت سوية المغريات خارج إطارهما. جاء ذلك في حوار خص به »البيان«، فإلى التفاصيل:
هل تنتظرون تغييراً اجتماعياً يشكل رافعة للمسرحيين أم أن المسرحيين هم رافعة اجتماعية بحد ذاتهم؟
نحن لا ننتظر التغيير، بل يجب أن نسهم في التغيير، علينا أن نتحايل ونكون ماكرين لنتجاوز العقبات التي يمكن أن تعترضنا. المشكلة اليوم أن المسرحيين العرب لا يعرفون التكاتف، ولا ينصر أحدهم الآخر ظالما أو مظلوما، وبالتالي نحن نقاتل فرادى.
هذه الموجة التي بدأت في أواسط ستينات القرن العشرين، واستمرت حتى أواسط ثمانيناته بدأت تتراجع بأفكارها وبرؤياها الفنية، ونشأ على أعتابها جيل مسرحي جديد بدأ يظهر تأثيره منذ بداية تسعينات القرن العشرين، وهو جيل شاب يمتلك الخبرة التقنية لأداء العرض المسرحي، وهي خبرة لم يمتلكها الجيل الساب.
وجاءت متأثرة بالمسرح التجريبي الحديث الذي انتشر في العالم منذ بداية تسعينات القرن العشرين، والذي كان مهرجان القاهرة التجريبي حاضنته الأولى والأكبر، وقد ترك هذا الجيل الموضوعات المهمة، وذهب إلى أمور صغيرة، حيث هجر النصوص المسرحية كلها؛ الأجنبية والعربية، وأصبح يكتب المادة الدرامية التي هي أشبه بالسيناريو، أو يعود إلى نص أجنبي ما ويأخذ منه خيطا يشكل سيناريو للعرض المسرحي.
ألا يمكن أن تكون هناك نقطة تقاطع ما بين هذين الجيلين؟
هما ليسا جيلين متصارعين، هما جيلان ينتميان إلى جيلين مأزومين مهزومين، وإن تعددت أشكال الهزيمة والأزمة، لكن ثمة فجوة بينهما رافقها واقع يشي بأن أغلب الجيل القديم اعتزل المسرح، فإذا ألقيت نظرة على تجارب المسرحيين العرب، ستجد أن جيل الستينات والسبعينات منهم قد توقف، إما بفعل الموت أو بالذهاب إلى التلفزيون أو بالشيخوخة، أي أن الساحة خلت من الجيل القديم تقريبا.
هل هذه الأزمة مرتبطة بالنص المكتوب، أم بالنص المعروض، أم بالاثنين معاً؟
الأزمة مرتبطة بالأمرين معاً، بالنص المكتوب والمعروض، وهي أزمة عالمية بالمناسبة، حيث لم يولد، على حد علمي، منذ ثلاثين عاما كاتب مسرحي أوروبي أو أميركي قوي، كما لم يولد شاعر قوي، كما لم يولد فيلسوف قوي أو رسام قوي، فآخر الفلاسفة كان روجيه غارودي، ولا أحد أتى بعده، كما أنه بعد أراغون وناظم حكمت لم تظهر أسماء قوية.
ما هو سؤال المسرح العربي الحالي؟
ثمة موضوعات تخص العرب جميعاً؛ وهي الدفاع عن الناس، وعن كرامتهم، وعن القضية الفلسطينية، وعن أحلامهم في المستقبل، وعن تغيير الواقع الاجتماعي نحو الأفضل. وهذا الجانب العام العربي تجده في كل الدول العربية، لكن تبقى هناك خصوصيات لكل بلد، ونحن كنا نراعي، في أي عرض مسرحي، ما يهتم به العرب جميعاً.
وما نهتم به نحن السوريين خصوصاً، وبالتالي كانت عروضنا تقابل بكثير من الاهتمام، كما كانت تقابل إما بتأييد مطلق أو بهجوم مطلق. حيث قدمنا أكثر من أربعين عرضاً مسرحياً، لم يمر أي عرض منها مرور الكرام، فدائما ما كنت في كل عرض تجد إما الدفاع الشديد أو الهجوم الشديد حتى اليوم.
وفي حالة المسرح العربي والسوري في السنوات العشرين الأخيرة، صار الاهتمام ينصب بالدرجة الأولى على الجماليات العامة، البصريات، السينوغرافيا، الإضاءة، الديكور، ولم يعد أحد يهتم بمضمون العرض المسرحي أو بتوجهاته، وهذا يدل على أن الآمال والأحلام التي كانت للعرب في سبعينات القرن العشرين ماتت منذ منتصف ثمانينات القرن نفسه، ولم يعد أحد يغني لها، ولم يعد أحد يهتم بها، فاستبدلنا ذلك بأن اتجهنا نحو الإبهار البصري، بينما دفع النقد بالمسرحيين إلى هذا الاهتمام بهذا الجانب.
ولهذا انفض الناس عن المسرح. والآن الجمهور المسرحي ليس نخبوياً، بل هو نخبوي النخبة، تماماً كما يلقي الشاعر قصيدته بين عدد من أصدقائه الشعراء، حيث لم يعد الشاعر يلقي شعره للناس. أما المسؤول عن هذا الوضع، فهو نحن المسرحيين، لأننا كنا جبناء، ولم تكن الدولة يوماً ناصراً لنا.
كما كنا نحن مناصرين لأنفسنا أو معيقين لها. فالمسرحيون اليوم يريدون مسرحاً جاهزاً. فالمسرح ما يزال في بلادنا خندقا قتاليا، ليس حلية فنية، وليس حلية ثقافية، والدليل على ذلك أنه لو عدنا إلى نشأة المسرح العربي في منتصف القرن التاسع عشر لوجدنا أن نشأته كانت استكمالاً للنهضة العربية، كما كانت مهمته الخوض في مشاكل النهضة، ومحاربة المستعمر العثماني، كما كانت جزءا من حراك اجتماعي، وما تزال هذه المهمة تقع على المسرح، وعندما يتخلى عنه الناس.
ما رأيك بما يقال عن وجود أزمة مسرح، وما هي أسبابها إذا كنت تعتبر أنها موجودة فعلاً؟، وهل يشكل عزوف الجمهور عن المسرح وهجرة الممثل إلى التلفزيون جزءاً من تلك الأزمة؟
كل من يتحدث عن أزمة مسرح يقول إن التلفزيون سرق الجمهور والممثلين، وهذا صحيح إلى حد ما، فلكل فن خصائصه، ولا يستطيع فن أن يسرق جمهور فن آخر، بينما يتمتع الجمهور نفسه بكل الفنون، وهو يتمتع بالتلفزيون كما يتمتع بالمسرح، خاصة وأن المتعة التي يقدمها التلفزيون لا يوجد مثلها في غيره، لكن ضياع المسرحيين العرب وتخليهم عن الدور الاجتماعي الذي يقوم به المسرح العربي عادة، جعل الجمهور ينفض عنه، وهذا يعني أن الأزمة ليست في المسرح، وإنما بانفضاض الجمهور عنه.
وعندما يستطيع عرض مسرحي ما أن يستقطب جمهورا تجد الصالات تمتلئ. إذا تكمن المشكلة في أن الجمهور لم يعد يجد في المسرح ما يرضيه ويعجبه، ولهذا انفض عنه. ومن هنا أقول إنه على المسرحيين أن يراجعوا أنفسهم بغض النظر عن الدول والحكومات والمؤسسات، وبعيدا عن القضية المادية، وأنا أدعو إلى العودة إلى ما يسمى المسرح الفقير والتخلص من النفقات الهائلة للديكور، وبالتالي يصبح المسرح أسهل وأقل نفقة، على أن يكون المسرحي قادرا على أن يضع يده على نبض العصر وقلوب الناس. لذلك أنا لا أعترف بشيء يسمى أزمة مسرح، لكني اعترف بوجود ما يسمى أزمة مسرحيين.
كيف يمكن برأيك التوفيق بين البواعث التربوية والضرورات الجمالية في مسرح الطفل؟
أنا لا أريد أن أقف لا عند التربوي ولا الجمالي في مسرح الطفل، أريد أن أقف عند الجريمة التي تقترف في يومنا هذا، بحق مسرح الأطفال العربي، فاليوم لا يوجد مسرح أطفال عربي، لكن توجد تجارة في مسرح الأطفال، ومجموعة من اللصوص وأوسخ التجار. فالقضايا التربوية والفنية التي يجب أن تكون هي الأساس في مسرح الطفل، لا أحد يبحث عنها اليوم، وما يجري الآن هو أن يقوم تاجر ما معه رأس مال صغير، ويؤلف أغنيتين وتهريجتين ونكتتين، ويشكل منها عرضا مسرحيا، وهذا العرض المسرحي يجد قبولا لدى الجمهور.
وسأذكر لك مثالا على ذلك، فمنذ عدة سنوات شاهدت عرضا مسرحيا للأطفال في المسرح القومي في دمشق، وكان في العرض نكات جنسية ونكات سياسية، فلما سألت المشرف عن العرض حول ذلك، قال لي إنهم يقدمون مسرح العائلة، وإن هذا الجانب قدموه إرضاء للآباء الكبار، فقلت له: وما ذنب هؤلاء الأطفال أن يسمعوا نكتة جنسية أو سياسية؟ فالمشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، بل إن مسرح الأطفال انحدر أكثر من ذلك في وقت لاحق، كما أنني شاهدت أعمالا مسرحية للأطفال في عدة دول عربية أخرى ولم أجد أن الأمر يختلف كثيرا.
في دول الخليج ثمة مسرح نخبة يتناول مواضيع تتعلق بالمسرح الفقير، كيف تنظر إلى هذا الوضع الذي ربما ينطوي على نوع من التناقض الظاهري على الأقل؟
فاجأني المسرح الخليجي بأشياء عدة، أولاً هناك محاولة جادة للارتقاء به، كما أنني شاهدت مستويات عالية في العروض، وأذكر أننا خرجنا في مهرجان الكويت من أحد العروض مندهشين من مستوى ذلك العرض. حيث يناقشون مشاكل عربية لم تعد تناقش في بلدان عربية أخرى مثل سوريا ومصر، على غرار القضية الفلسطينية، التي يتحسسونها بطريقة مرهفة، وكذلك مشكلة التفاوت الطبقي، علما بأنهم لا يشكون منها أو يشكون منها بطريقة مختلفة.
ما الذي يعنيه المكان ومدينة حمص في تجربة فرحان بلبل؟
مدينة حمص هي مدينتي، وفيها جمهوري، وهي البلد الذي لم ولن أتركه، رغم أني كنت دائم السفر إلى محافظات أخرى، إلا أني كنت أعود إليها دائما، ورغم أني تلقيت الكثير من العروض في مدن أخرى، إلا أني رفضت، وسأظل مرتبطا بفرقتي ومدينتي بالدرجة الأولى.
وأنا أدرك تماما أنه عندما تنطلق من وطنك تصل إلى العالم، أما عندما تفكر بالعالم وتنسى وطنك فإنك ستخسر الاثنين معا. حيث لم أكن أفكر في يوم من الأيام بأني سأصبح مشهورا خارج مدينتي، حيث كنت أشبه بالفلاح الذي يهتم فقط بفلاحة أرضه، ولا شيء آخر. لأكتشف بعد مدة من الزمن أن تجربتي قد أثمرت وأن الناس يعرفونني والحمد لله.
ما هي حدود التناص والاقتباس في العمل المسرحي؟ وكيف نطوع نصاً أجنبياً ونجعل منه نصاً محلياً؟
أقول دائما إن التناص والاقتباس والسرقة والاستفادة هي أمور مباحة لأي انسان ولأي فنان، في المسرح أنا آخذ مسرحية ما وأنا مدرك أن فيها شيئا خاصا بعصر كاتبها ومكانها، لكن هناك شيء عام إنساني يخصنا جميعا. فأقوم بحذف ما هو خاص بمكان وزمان الكاتب.
وأضع بدلا منه ما هو خاص بزمان ومكان سوريا، وأحافظ على ما هو إنساني، فيبدو العمل وكأنه يخص سوريا، مثلما حصل في ما يتعلق بمسرحية (الجرة المحطمة) المأخوذة عن الكاتب فون كلايز، والتي تتحدث عن الرشوة. وأنا أعتبر أن الاعتداء على تراث البشر حق للبشر.
ما هو مشرع فرحان بلبل؟
مشروعي لا يزال مستمرا، وهو إبقاء فرقة المسرح العمالي في حمص في نشاطها، وتوسيع وتطوير أساليبها الفنية باستمرار، حتى تواكب العصر، وأن تأتي بعناصر جديدة، وأن نظل نناقش قضايا العصر. أما على صعيد الإخراج، فقد كنا نعمل في مسرحية وانتهت اسمها (عريس وعروس)، من تأليفي وإخراجي، لكن بعد أن أنجزت وأصبحت جاهزة للعرض، جرت الأحداث في سوريا، فتوقفنا، وبعد انتهاء الأحداث سنعيد النظر في ما يجب تقديمه، كما سأقوم مع الفرقة بدراسة مطولة للأوضاع الجديدة؛ لفهمها واستيعابها، ومعرفة ما يجب أن يقدم فيها .
كيف ستنعكس المتغيرات في الوطن العربي على المشهد الثقافي والمسرحي؟
لدينا في الفرقة أجيال مختلفة، كما أن لدينا شبابا وكبارا وكهولا، وسيكون للجيل الشاب الدور الأكبر في التخطيط للمستقبل، وهذا ما نعمل عليه منذ مدة، وأقول لنفسي ومن هم في سني إننا سنكون مستمعين جيدين لما يقوله الشباب.
أين المسرح العمالي من الواقع الذي نعيشه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي؟
تأسست فرقة المسرح العمالي في حمص عام ٣٧٩١، ومنذ تأسيسها وضعت لها منهاجاً يقوم على أن المسرح العمالي يخدم أهداف الطبقة العاملة، لكنه يتوجه لكل الشرائح ولكل الناس. كما أن هذا المسرح هو وريث البشرية جمعاء، أي أن أي نص مسرحي يمكن تقديمه في المسرح العمالي، من زمن اليونان حتى يومنا هذا، ومن أي بلد عربي، شريطة أن يخدم الحق والخير والجمال، وأن يكون هدفه هو الدفاع عن كرامة الإنسان العربي وعن لقمة عيشه، وعن كل ما هو نبيل وإنساني. وقد ابتعدنا عن الشعارات الضيقة، وأخذنا المسرح بمفهومه العام وبطيفه الواسع.
ومن هنا قدمنا ولا نزال مسرحيات أجنبية وسورية وعربية متنوعة. لكن الشرط الأساسي الذي فرضناه على أنفسنا هو أن نستطيع مخاطبة الجمهور بأوسع شرائحه، ولذلك اخترعنا أساليبنا الفنية الخاصة بنا، والتي تلاقي صدى عند الناس جميعاً، حيث تثيرهم إلى حد مناقشتنا بقسوة تبلغ أحياناً حد المساهمة بالضرب، وبناء على ذلك لم نكن ننتظر الناس أن يأتوا إلينا، بل كنا نذهب إليهم في قراهم وفي تجمعاتهم، فقد سافرت فرقتنا آلاف الكيلومترات وتغلغلت في الأمكنة التي لا تخطر على بال أحد.
وكنا نقدم المسرحية الواحدة أكثر من سبعين مرة في مختلف أنحاء سوريا، وحريصين على أن يكون عملنا متقناً فنياً، وبالتالي سنة بعد سنة بدأ هذا الجمهور البعيد عن المسرح يحاسبنا، ليس على الفكر فقط، بل على الفكر والفن أيضاً، حيث استمرت هذه الحالة حتى أواخر تسعينات القرن العشرين، وحينها بدأت الصعوبات، ليس من قبلنا، بل لأن المسؤولين في الحركة النقابية السورية لم يعودوا يريدون المسرح، وأصبحوا يخافون منه، لأننا شكلنا عناصر مخيفة يجب الابتعاد عنها، ولهذا تراجعنا، علماً بأننا لم نستجب لهذا التخويف، بل بقينا نقول ما يجب أن يقال، كما حافظنا على جوهر أفكارنا دون أن نغير أساليبنا الفنية حتى تناسب الجمهور جيلاً بعد آخر.
