عندما أطلق الأخوان لوميير فيلمهما الأول في العالم، لم يكونا يتوقعان أن يستولي الأميركيون على عرشهما السينمائي في السنوات اللاحقة، خاصة أن الفرنسيين هم أول من صنع الكاميرا السينمائية، ولكنهم تخلفوا في التقنية فيما بعد، ليصبحوا البلد الأكثر استيراداً للأفلام السينمائية في أوروبا لسّد الفراغ في صالاتهم، لكن شباب مدرسة الصورة في معهد »غوبلان« بباريس غيروا هذه المعادلة باختراعهم لأهم أبطال هوليود في أفلام الرسوم المتحركة، التي حازت على جوائز رفيعة في عدد من المهرجانات العالمية.

 

 

 

 

 

في كتاب »تاريخ السينما العالمية« للمؤرخ ديفيد روبنسون، يعتبر هذا المؤرخ أن تحريك الرسوم جاء قبل السينما بالمعنى الضيق للكلمة، حيث أشارت حيل كاميرا ميلييه، من قبل إلى طريق تقنية الإطار بإطار التي يتم بها (عامة) عمل أفلام الرسوم المتحركة.

والتي يبدو أن جيه ستيوارت بلاكتون هو أول من استخدمها بشكل كامل، وذلك في استوديوهات فيتاجراف عام ٧٠٩١ (مراحل مرحة لوجوه مضحكة، صندوق الطلاء السحري). وفي أفلام أخرى كثيرة نجد المقدرة على الرسم المقتصد والمفعم بالحيوية، وخلق شخصيات تتسم بالسحر والمرح في آن واحد، كما اتبع مدرسة متميزة من فناني الرسوم المتحركة الفرنسيين خلال السينما الصامتة ضمت روبير لوتارك وبنيامين رابيه وجوزيف ايمار، وبدأت كلها كرسوم كاريكاتورية بالصحف.

وكان أشهر شخصيات الكارتون الأميركية الأولى هو (فيليكس القط)، الذي يُعد واحداً من أشهر الشخصيات في العشرينات؛ شأنه شأن فالينتينو أو أمير ويلز، خلال فترة السينما الصامتة التي جرّبت أساليب التحريك، المأخوذة من الطريقة التقليدية لعمل الرسوم المنفصلة على الورق. ومنح ظهور الصوت امتيازاً خاصاً للأميركي والت ديزني، الذي كان قد حقق منذ ٣٢٩١ نجاحاً منقطع النظير بمسلسلات (آليس في بلاد الكارتون) و(أزوالد الأرنب المحظوظ) و(مورتايمر) النموذج الأول لميكي ماوس. ويقول آنياك مايس، مخرج أفلام كرتون في ألمانيا: »كانت هناك تغييرات كثيرة، خاصة في ما يتعلق بتوزيع الأفلام، لأن الموزعين اليوم ينخرطون في المشاريع بشكل أسهل، لكن الصعوبة منحصرة في التسويق والبيع«.

 

مدرسة الصورة في »غوبلان«

إخطبوطان صغيران، من الرسوم المتحركة اخترعهما ستة شبان فرنسيون لا زالوا على مقاعد الدراسة في مدرسة الصورة في »غوبلان« بباريس، تم اختيارهما في قائمة أفضل الأفلام القصيرة المتحركة في حفل توزيع جوائز الأوسكار. ونافس فيلم التخرج »أوكتابودي« ٧٠٠٢ الأفلام التي شارك فيها الشركة الأميركية العملاقة دريملاندز.

وتعتبر هذه المشاركة ثورة في مجال تقدم أفلام الرسوم المتحركة الفرنسية التي قد تغيّر من معادلات التوازن السينمائي في العالم. وسرعان ما وفرت لهم هذه الشركة العملاقة أسباب النجاح، وقد سافر طاقم هذا الفيلم إلى بقاع العالم، فاثنان منهم يعملون في بانغالور في الهند عند شركة »دريملاندز«، وآخر في شركة »سوني« في لوس أنجلوس، والثلاثة الآخرون في شركات عالمية أخرى في مجال العروض.

أحد مخرجي فيلم »أوكتابودي« كانتين مارمييه، يقول: »نحن نعرف بأن الحظ يحالفنا لأنه منذ سنة وهذا الفيلم حصل على استحسان لجنة الأوسكار لأنها قصة بسيطة، تدور أحداثها على ملاحقة بين إخطبوطين عاشقين، ورئيس طباخين هستيري، وطائر نورس غدار على جزيرة يونانية، ويمتاز الفيلم بوجود المؤثرات الخاصة المليئة بالغرافيك، الذي يصل إلى مستوى الفيلمين الشهيرين »ميمو« و»عصر الثلوج«.

وقد اكتشف هؤلاء الشبان الأوسكار بأعجوبة، وقبل بلوغهم الثلاثين من العمر، ما دفع المسؤولين السينمائيين الأميركيين إلى تقديم زيارة لهم لاستوديوهات هوليود العملاقة، ويقول كينتين مارميرييه: »بالنسبة للذين يتلقون الدعم من شركات الإنتاج الكبيرة فالأمر في غاية السهولة، أما بالنسبة لنا فيجب علينا أن نتدبر أنفسنا بأنفسنا، كما يجب أن ندفع تذكرة الطائرة، وحجز فندق، وتأجير بدلة السموكنغ، وكذلك دفع اسطوانات الـ (دي في دي) للترويج لفيلمنا الذي قمنا بإنتاجه من حسابنا الخاص«.

وكما أن الصناعة السينمائية الفرنسية تتمتع بطاقة إبداعية كبيرة لا يستهان بها في تأسيس الفن السابع، تواجه أيضا مشكلة التمويل، سواء في الأفلام العادية أو أفلام الكارتون. وأفلام الكارتون لها أهمية خاصة في صياغة تفكير الأجيال الشابة. ومن أجل البحث عن مصادر التمويل لأفلامهم وأفكارهم السينمائية، فهم ينتشرون في أنحاء العالم، ويبدعون الشخصيات »الكارتونية« هنا وهناك، لأن فرنسا تعاني من قلة التمويل في هذا الإنتاج، فهم مضطرون للبحث عن فرص أخرى في بلدان بعيدة.

 

كانغ فو باندا

إذا كان فيلم »كانغ فو باندا« قد سحر الملايين في العالم، فإن الفضل يعود إلى الفرنسيين: رودولف غينودين، ونيكولا مارليت، حيث قام الأول بتنشيط جميع مشاهد الفيلم. والثاني برسم شخصية بطل الفيلم.

والباندا يظهر في صورته الجديدة، ذا حواجب عريضة، ووجه مطلي بماكياج صيني، وبملامح متميزة، دون نسيان الحشرة الخضراء. وهو عمل أسحر شركة فارايتي.

وهكذا استحق نيكلولا مارليت الحصول على لوحة الشرف في سلم هذه المهنة الفنية. كما يشار إلى أن غالبية العاملين الفرنسيين في هوليود تخرجوا من مدرسة الصورة في (غوبلان) بباريس الذي يتفرع من غرفة تجارة باريس، كما أنهم خريجون لأفضل مدرسة رسوم متحركة في العالم، وتشرح ماري فرانس زيموفين، مديرة قسم الرسوم المتحركة في المعهد، قائلة:

إنهم »يبحثون عن طلبتنا في جميع أنحاء العالم لأنهم يعرفون كيف يرسمون الصور المتحركة، ولهم القدرة على تحريك أي حيوان بشتى الوسائل والتقنيات، سواء في الرسوم المتحركة التقليدية أو الرسوم المتحركة ذات الأبعاد الثلاثة«، كما تتسابق شركات الرسوم المتحركة لاستقطاب أفضل الخبراء في هذه التقنيات، كما يحلم صنّاع أفلام الرسوم المتحركة أيضاً بالسير على السجادة الحمراء في المهرجانات العالمية، ليردوا شيئاً من الاعتراف العالمي بمواهبهم السينمائية«.