مع الاهتمام العالمي الكبير بالانتخابات النيجيرية التي أجريت، أخيراً، والتي وصفت بأنها الأكثر أهمية منذ انعتاق نيجيريا من قبضة الحكم العسكري، بادرت صحيفة »غارديان« إلى اجراء هذا الحوار مع الروائي النيجيري الكبير شينوا أتشيبي، الذي صدرت له أخيراً طبعة من أحدث كتبه، والذي يحمل عنوان »تعليم طفل في محمية بريطانية«.
بادر شينوا اتشيبي إلى التحذير من أنه في الوقت الحالي تجد نيجيريا نفسها عند حافة الهاوية، وأنه يتعين على أبنائها أن يواجهوا مسؤولياتهم قبل فوات الأوانوأعرب عن تطلعه إلى انجاز روايته السادسة المستلهمة من وقائع حياته مع دخول العام الثمانين من عمره، وقال إنه لايزال متمسكا بقرار بكتابة رواياته باللغة الانجليزية، لأنها تحمل ثقل تجربته الإفريقية، وذلك على الرغم من أن جانباً من أفضل قصائده تم نظمه أولا بلغة الإجبو وهي لغة القبيلة التي ينتمي إليها في جنوب شرقي نيجيريا. وفيما يلي نص الحوار:
احتفل الروائي النيجيري شينوا أتشيبي، أخيراً، بعيد ميلاده الثمانين، مواصلاً في غضون ذلك عمله في تدريس الكتابة الابداعية في جامعة براون في رود أيلاند، وكتابته للروايات والقصائد والنقد والمقالات والأعمال الموجهة للصغار. وقد صدرت مؤخراً الطبعة ذات الغلاف الورقي لمجموعة مقالاته التي يضمها مجلد يحمل العنوان الدال »تعليم طفل في محمية بريطانية« في إطار إصدارات دار بنغوين، وهو يظل نموذجاً للكاتب الكبير في عام الإبداع الإفريقي. وعلى الرغم من مكانته الرفيعة، إلا أنه يظل شخصية مثيرة للجدل.
التحول المؤلم
خلال الشهر الماضي، وفي زيارة نادرة لبريطانيا، ألقى أتشيبي محاضرة في جامعة كامبردج، التي كانت قبل نصف قرن قد رفضت التحاقه بصفوفها طالباً للدراسات العليا، وذلك تحت عنوان »تحول نيجيريا المؤلم«، حيث أعرب عن أمله في ألا تكون كلماته مغرقة في الانتقاد، وكان الافتراض هو أن هذا التحذير موجه إلى البيض في صفوف الجمهور، ولكن في حقيقة الأمر كانت محاضرته غير مريحة بالمرة لحشد النيجيريين الكبير في القاعة الذين كان في مقدمتهم عدد من الشخصيات الحكومية البارزة وأعضاء السفارة النيجيرية، حيث تحدث »حكم اللصوص الذي لا شفاء منه، و»وعاء الفساد«.وقبل إقامة المحاضرة كانت هناك بعض المخاوف في الجامعة من أنه إذا كان أتشيبي صريحا أكثر مما ينبغي، وبصفة خاصة في الحديث عن حرب بيافرا التي لاتزال موضوعاً مؤلماً بعد أربعين عاماً من وضع الحرب أوزارها، فإنه قد تثور احتجاجات عليه في القاعة، ولذا فقد تم نشر عناصر أمنية بصورة حذرة في القاعة، تحسباً لما يمكن أن يحدث، وفي النهاية تبين أن هناك ما يدعو لذلك، فعلى الرغم من الأسلوب الحاد الذي تبناه أتشيبي، فإنه بعد انتهاء المحاضرة، تجمع المعجبون حوله لتهنئته على توفيقه وتوجيه الأسئلة إليه، على الرغم من حالته الصحية الهشة، التي تجبره على استخدام مقعد متحرك نتيجة إصابته بالشلل في حادث سيارة قبل عشرين عاماً.وهو يقول إن هذا النوع من الاحتفاء الذي يحظى به عادة نجوم موسيقى الروك، قد أصبح شيئاً مألوفاً بصورة متزايدة بالنسبة له، ويضيف إنه: »يلاحظ ببعض الدهشة والأمل أن كل شيء ينتهي على خير. لكنني أعرف أنه يشير إلى الكثير من الحب والاحترام، وبالتالي فهو أيضاً يجعلني أحس بالتواضع الشديد«.
وقد ولد الروائي النيجيري الكبير في عام ٠٣٩١ في بلدة أوجيدي في جنوب شرقي نيجيريا، وعمده أبواه المسيحيان باسم البرت تشينوالوموجو أتشيبي. ومن النكات التي اعتاد أن يلقيها التساؤل عن الأمر المشترك بينه وبين الملكة فيكتوريا، والرد: »إننا كلينا فقدنا اسم البرت«. وهو يقول إن التوتر بين تربيته المسيحية وثقافة قبيلة إجبو التي ينتمي إليها قد استمر طويلاً.وباعتباره تلميذاً موهوباً، فقد تميز أتشيبي في ظل النظام التعليمي الكولونيالي، واستمتع بقراء الأعمال الأدبية الانجليزية الأساسية. وقد كتب عبارة دالة في هذا الصدد، مفادها: »لقد انحزت إلى الرجال البيض ضد الهمج«.وقد حصل على منحة لتلقي التعليم في جامعة عبدان، حيث درس اللغة الانجليزية والتاريخ واللاهوت. وبعد انتهائه من الدراسة الجامعية التحق بالعمل في هيئة الإذاعة النيجيرية كاتباً للحوار، وهو ما قاده إلى زيارته الأولى لبريطانيا لحضور مساق تدريبي في هيئة الإذاعة البريطانية.
ويقول أتشيبي: »كان أول رد فعل لدى إزاء انجلترا هو رد فعل قوامه الاستنارة، وأدركت أن الانجليز ليسوا أفضل منا كثيراً، بل هم في بعض الجوانب أسوأ منا، ولكنني أدركت كذلك أنهم قد رتبوا بيتهم من الداخل بطرق كثيرة ليست متاحة لنا، وهكذا فإن هذه الزيارة جاءت كنوع من التصحيح لرؤيتي للعالم، ولكنها جاءت كذلك إدراكاً للحقيقة القائلة إن علينا أن نرتب بيتنا من الداخل بأنفسنا، وألا نعتمد على الآخرين في القيام بذلك لنا«.
تقويمات مفعمة
عندما كان أتشيبي في انجلترا، تلقت المسودة الأولى لرائعته »الأشياء تتداعى« تقويمات مفعمة بالتشجيع، ولكنه عاد إلى نيجيريا لانجاز صياغة أفضل للرواية التي تتحدث عن أوكونكو الذي تعرض للإساءات، والذي كان معيباً ووصول القوى الأوروبية إلى القارة السمراء في أعقاب مؤتمر برلين لعام ٥٨٨١ الذي يصفه بأنه »عقد دون استشارة الأفارقة أو تمثيلهم فيه«، وقد أدى إلى تكثيف السباق على الاستيلاء على إفريقيا.ويستمد عنوان هذه الرواية من قصيدة بيتس »القدوم الثاني« وقد قدر لها أن تباع منها عشرة ملايين نسخة، وأن تترجم إلى خمسين لغة، وكان مزجها للغة الانجليزية مع إيقاعات الاجبو وثقافتها وقصصها وأمثالها دالاً على اقتدار المؤلف، وقد وصفها وولي سونيكا بأنها »أول رواية باللغة الانجليزية تتحدث من داخل شخصية افريقية وليس كما يراها الرجل الأبيض«.
جدل محترم
كان قرار أتشيبي بالكتابة باللغة الانجليزية مصدراً لجدل محتدم، منذ بداية حياته العملية، حيث بادر كتاب مثل الكيني نجوجي واثيونجو إلى انتقاد استخدامه للغة الكولونيالية.
وفي عام ٥٦٩١ كتب أتشيبي يقول: »إنني أشعر أن اللغة الإنجليزية سيكون بمقدورها أن تحمل ثقل تجربتي الإفريقية. ولكنها يتعين أن تكون إنجليزية جديدة، لاتزال في تواصل تام مع وطن أسلافها ولكنها متغيرة لتناسب الوقائع الإفريقية الجديدة المحيطة بها«.
هذا الموقف لايزال أتشيبي متمسكاً به، بأوسع المعاني، على الرغم من أنه أشار كذلك إلى أن بعضاً من أفضل قصائده قد نظمت أولاً بلغة الإجبو.
يقول أتشيبي إنه عندما جاء الاستقلال في عام ٠٦٩١: »كان الأمر كما لو أن المطر قد انهمر بعد وقت طويل من هبوب الرياح العاتية ونيران الأدغال«. وفي ضوء التشجيع من قبل نجاحات الهند (٨٤٩١) وغانا (٧٥٩١) »اعتقد أننا نحسن صنعاً بالابتعاد عن إمبراطورية جلالة الملكة التي لا تغرب عنها الشمس، وهي المقولة التي لها تكمله هي: لأن السماء لا تثق بانجليزي في الظلام. ولم يكن قوام الأمر أننا نعرف ما الذي سيكون عليه الاستقلال. لقد قدم لنا على طبق من ذهب، كما أبلغنا قادتنا. وفي وقت لاحق فحسب علمنا أنك لا يمكنك أن تمنح الحرية بتلك الطريقة. وكان ينبغي أن نحصل عليها بطريقتنا. وهكذا فإننا عاماً بعد آخر وجدنا أنفسنا نقول إننا لا نحب هذا أو إننا لسنا واثقين فيما يتعلق بذلك. ولم يكن لدينا ما يكفي من نزعة الشك، وكان ينبغي أن نعرف من الغريزة الإنسانية البسيطة أن الأشياء لا تتشكل بالطريقة التي ينبغي أن تتشكل بها، ثم جاء الانقلاب العسكري، ومن بعده الانقلاب المضاد، وسرعان ما انخرطنا في حرب أهلية«. يرى الكاتب النيجيري الكبير أن الكتاب والمثقفين النيجيريين كانوا قد دخلوا مرحلة جديدة ومفزعة بدا فيها الاستقلال بلا جوهر. وكان مرض الكولونيالية عميق الجذور، وأعلنت الجراح عن نفسها بطرق عديدة محتجبة، وكانت الحرب تمتد متطاولة في الخلفية، ولكننا لم يعد بمقدورنا أن نواصل إلقاء اللوم على الآخرين وإعفاء أنفسنا من الحاجة إلى التحرك.وقد دعم أتشيبي في هذه المرحلة إقليم بيافرا الانفصالي، وتحدث باسمه على امتداد السنوات الثلاث التي استغرقتها الحرب (٧٦٩١ ــ ٠٧٩١) وقد وصل إلى حد القطيعة مع العديد من أصدقائه حول هذه القضية. وهو يقول: »كانت تلك كارثة. وكان العسكريون النيجيريون مسلحين بكثافة من قبل القوى الأجنبية، فلقي ثلاثة ملايين شخص، من بينهم الكثير من الأطفال مصرعهم في الحرب التي تم تطوير التجويع كأحد أسلحتها«.
بعد هزيمة بيافرا، دخل أتشيبي الحياة الحزبية في ظل حزب الخلاص الشعبي اليساري، ولكن هذه المرحلة من حياته اتسمت بالاحباط وخيبة أمل وهو يقول في هذا الصدد: »كان معظم الناس الذين التقيتهم منخرطين في العمل السياسي من أجل مصلحتهم وحرصاً منهم على تحقيق تقدمهم الخاص«، ولهذا فقد انتقل إلى الحياة الأكاديمية، ومنذ ذلك الحين واصل مسيرة حياته العملية كمدرس وكاتب.
قلب الظلام
شكَّل المقال الذي كتبه أتشيبي في عام ٥٧٩١ عن رواية كونراد »قلب الظلام« والذي تقبل فيه تصوير كونراد للكولونيالية، ولكنه رصد إدارة محدودة لنزعته العنصرية الأساسية، مثاراً للجدل المحتدم حول هذا الموضوع منذ ذلك الحين، وهو يقول في هذا الصدد: »أحسست بأن من واجبي باعتباري كاتباً إفريقياً أن أتأمل عمل كونراد، ولكنني لن أعود إلى هناك، وذلك على الرغم من أنني مسرور من أنه قد أثار كل هذا القدر من النقاش. وإنه لأمر جيد أن نوضح بشكل صارخ طبيعة الموقف الحقيقي وما الذي يشعر به الشخص الموجود عند الطرف الآخر من السوط. ولكنني فهمت أنني لابد لي من أن أواصل عملي وألا أركز على موضوع أو كتاب واحد«.
كانت أحدث رواياته هي: »غال تلال السافانا« التي أدرجت في القائمة القصيرة للروايات المرشحة للفوز بجائزة بوكر لعام ٧٨٩١، والتي تناولت النظام العسكري الذي يدير جمهورية في غرب إفريقيا.
وهو يعكف في الوقت الحالي على إنجاز عمل أقرب إلى السيرة الذاتية تتناول انغماسه في بيافرا، ولكنه يقره بأن رواياته الخمس، التي كتب أربعاً منها في عام ٦٦٩١، تشكل »حصاداً محدوداً«. وهو يقول إنه كان يود لو أنه كتب المزيد من الأعمال الروائية، ولكنه: »اندرجت في إيقاع العمل المتعلق بالإلهام، وما أستطيع تدبر أمره على الصعيد العضوي، وذلك على الرغم من أنني قد قدمت شعراً والكثير من المقالات حول هذا الموضوع وذاك على مر السنين«.تتسم اقتراحات الحلول التي قدمها أتشيبي لعلل نيجيريا بأنها صريحة وعملية، وهو يتحدث عن منهاج لبناء المؤسسات الديمقراطية، وإجراء انتخابات حرة وذلك لتوفير مرشحين جيدين للمناصب وتطوير »نظام قضائي يمكن أن يزدهر وصحافة حرة مزدهرة تضع موضوع الممارسة الضوابط والتوازنات ووضع قوانين مناهضة للفساد على أساس راسخ.
ويقول أتشيبي: »لقد تحملنا إخفافاً فظيعاً في القيادة، وأنا لا أتحدث هنا عن أفراد، وإنما عن طبقة بأسرها من القادة المحتملين، لا أتنصل منها. فدور المثقف هو دور صعب، ونحن ينبغي أن نعيش وفق ما ندعو إليه، وينبغي أن نرفع صوتنا عالياً.
