الحوار مع الروائي الفلسطيني ربعي المدهون يقود بالضرورة إلى الحديث عن المنافي، البعيدة منها والقريبة على حد سواء، وربما لا نغالي حين نصف مؤلف (السيدة من تل أبيب) بمروض تلك المنافي، بعد أن نجح في التغلب عليها وبسط أجنحتها للعودة، بعد عقود من الزمن، إلى وطن تغيرت ملامحه وما عاد كما كان، أو ربما هو يعد يراه كذلك بعد أن طافت به الدنيا، قبل أن يستقر به الحال في منفاه اللندني الطوعي.
(البيان) التقت الكاتب الفلسطيني ربعي المدهون على هامش فعاليات مهرجان طيران الإمارات الأخير، وأجرت معه حوارا جال من خلاله المثقف، الذي أخذه عالم السياسة لفترة طويلة من الزمن، عبر دروب تجربته الروائية والبحثية.
يعتقد بعض النقاد أن رحلة عودتك إلى فلسطين شكلت منعطفا في مسيرتك الأدبية، لا سيما بعد روايتك (السيدة من تل أبيب)، هل كان قرار العودة سهلا وما هي حيثياته؟
بعد حصولي على الجنسية البريطانية، فكرت في العودة إلى الوطن بعد غياب امتد لمدة 38 سنة، وقدرت أن الوقت قد أصبح مناسبا لذلك كي أرى أمي وأهلي وكي أختبر ما الذي تغير، وما الذي بقي من هذا الوطن ومن فلسطينيتي وأين أنا من هذا الوطن، وكانت تجربة فريدة شكلت الأرضية التي بنيت عليها روايتي (السيدة من تل أبيب).
ومن الملابسات التي صاحبت كتابة هذا الرواية - والذي سأصرح ببعضه لأول مرة - أنها كانت رهاناً بيني وبين زوجتي حول إمكانية صناعة رواية من رحلة. وأنا قبلت التحدي مراهنا على المصادفات، لا سيما وأن الرحلة نفسها مثيرة، حيث كنت سأنزل في تل أبيب لأول مرة، شخص يزور مسقط رأسه بعد كل هذه المدة واصبح في سن الكهولة، ويواجه الإسرائيليين لأول مرة بطريقة مختلفة عما واجههم فيها سابقا، سيذهب إلى وطن قد يجده أو لا يجده ولا يعرف شكله الجديد، وما الذي سيحدث في الطريق وهنا كانت المراهنة كبيرة.
ما هي حصيلة رحلة العودة إلى فلسطين؟
كانت الحصيلة كبيرة جدا، حيث وقعت مصادفتان مذهلتان، الأولى أنني كنت في الطائرة كما كان وليد دهمان؛ فلسطيني عائد متوترا، ولديه مخاوف وهواجس عديدة ويتساءل عما سيحدث له في الطائرة، وحين يهبط ويقف بين يدي عناصر جهاز (الشين بيت)، وهل سيتقبلونه أم سيطردونه ويعيدونه من حيث أتى؟ كل هذه الأسئلة كانت مثارة.
بالصدفة جلست إلى جانبي ممثلة إسرائيلية وحدثت ملابسات التعارف، ودار بيننا حديث عادي سريع وقصير جدا حول السلام ثم انفجرت فجأة في البكاء وأنا لم أسألها عن السبب وهي لم تكن في موضع أن تصرح لي بذلك، وانتهى الأمر عند هذا الحد، ثم ذهبت هي إلى تل أبيب وأنا توجهت إلى غزة، وهذه هي الخطوط الرئيسية التي بنيت عليها الرواية، التي ربما تنطوي على جانب من سيرتي، لكنها سيرة تم التعامل معها بطريقة فنية مختلفة.
ما الذي حدث بعد ذلك؟
بعد هذه الحادثة بستة شهور، عدت في صباح أحد الأيام إلى العمل، وهنا حصلت المفاجأة، حين دخلت مكتبي كان هناك العديد من الصحف المتناثرة هناك منها القديم ومنها الجديد ومن بينها صحيفة الحياة، التي قرأت العنوان الرئيسي فيها قبل أن أقلبها على الوجه الآخر، لأجد صورة المرأة نفسها التي قابلتها على متن الطائرة تتوسط الصفحة تحت عنوان يقول إن سيف الاسلام القذافي على علاقة بممثلة إسرائيلية أو له عشيقة إسرائيلية، فذهلت ورحت أتساءل عما إذا كانت حقا هي المرأة التي قابلتها أم لا، فتأكدت أنها هي.
وبدأت أتفاعل مع هذه المعلومة باتجاه البحث عن الصلة التي تجمع بين تلك المرأة وسيف الاسلام، فاخترعت شخصية نور الدين في الرواية ثم بدأت أنسج العلاقة المتخيلة بينهما وكيف يلتقيان وأين، ثم بدأت مرحلة أخرى أتعبتني كثيرا لأنني لا أعرف تل أبيب ولا أعرف تفاصيل البلاد ورحت أتساءل إلى أين يمكن أن تذهب هذه المرأة، بعد أن تخرج من تل أبيب وماذا سأفعل بها وأمضيت ستة شهور وأنا أفكر في مصيرها، ثم انفتحت المخيلة على عالم آخر فأسكنتها وبحثت عن مكان في تل أبيب عبر الانترنت والمكاتب العقارية، ووجدت إحدى الشقق المناسبة تطل على البحر ودخلت الشقة عبر الانترنت وتجولت فيها وتعرفت على المطبخ وكل هذه التفاصيل، وبدأت عملية بناء متخيل بالكامل لحياة هذه المرأة وعائلتها وأهلها وأين يسكنون وكيف يعيشون.
أما المصادفة الثانية، فتمثلت في أنه كان من الممكن أن أذهب وأدخل إلى غزة في ظروف عادية جدا بحدود الساعة التاسعة صباحا، لكن صادف وقوع عملية لم تصل إلى نهاياتها، فـتأخر وصولي تسع ساعات كلها معاناة، أتاحت لي لأول مرة أن أجرب ما يشعر به الفلسطيني على المعابر الإسرائيلية، وأن أرى الناس وأحس بنبضهم الحقيقي وكيف يتعاملون ثم كيف يتصرف الجنود والمجندات الإسرائيليين مع الناس وكيف سيتعاملون مع وليد دهمان، الذي اعتقد أنه شخص مهم جدا وله معاملة خاصة، لكنه سحق مثله مثل غيره، لا بل إن الناس العاديين دخلوا بشكل طبيعي بينما هو تعذب وذاق الأمرين.
هذه بعض الخطوط الرئيسية، التي وضعت في قالب الكثير من القصص والحكايات الجانبية المتخيلة المستسقاة من الواقع المتخيل، وبنيت هذا العمل بشكل ينطوي على شيء من السيرة لكنه ليس سيرة كي يتمكن المتلقي من هضم هذه السيرة لتصبح جزءاً من هذا المتخيل.
هل يمكن الحديث عن رواية عربية متبلورة؟
نعم، هناك رواية عربية وهي رواية مهمة، لكن المشكلة هي أن الرواية لا يمكن فصلها عن الخطاب الثقافي، وشرط تحقيق الرواية المتمثل في الديمقراطية، التي يوجد مسافة طويلة تفصل العرب عنها. وانطلاقا من عدم إمكانية عزل الرواية عن الخطاب الثقافي هذا، نجد أن المنطقة مأزومة بالنكبة والحروب والهزيمة، وأن جميع هذه المظاهر قد تركت انعكاسات على الوعي العام وهو وعي غير متطور ولا يمكن تلمسه، الأمر الذي أنشأ أزمة على مستوى الرواية.
لكن يمكن القول إن هناك سمات مشتركة في الرواية العربية وهناك سمات أخرى خاصة بكل بلد عربي على حدة. هناك رواية عربية، لكنها تعاني من مشكلات مع أننا نشهد قفزة واسعة فيها لا سيما على مستوى انخراط المرأة في كتابتها.
ما هي السبل باعتقادك التي ستشق من خلالها المتغيرات السياسية في الساحة العربية طريقها إلى الساحة الثقافية؟
الوطن العربي ما عاد كما كان بعد ما شهد من ثورات ستشق بكل تأكيد طريقها إلى الساحة الأدبية، لكن المسألة تعود إلى بناء الدولة الحديثة، ويقول مؤلف (السيدة من تل أبيب): (أنا أرى أنه إذا تمكنت مصر، مصر التي تلعب دور الريادة، مصر الأساس في كل شيء حتى على مستوى الكتابة الروائية، مصر التي علمتنا كتابة الرواية وعلمتنا المناهج التعليمية، إذا تمكنت من المضي قدما في هذا التغيير الاجتماعي السياسي، فإن امتداداتها ستطال المنطقة برمتها.
وإذا تمكنت من أن تنجز ما لم تنجزه ثورة 1952، التي أوقفت عجلة التطور في حينه، إذا تمكنت من أن تنجز الثورة الحالية وتنجز مهمات التحول الديمقراطي فسيكون لدينا لأول مرة دولة حديثة بالمعنى القانوني، دولة مواطنة، دولة يعيش فيها المواطن بحرية متساوية، دولة كما هي الدولة الحديثة في الغرب، حتى لو كانت في بداياتها، فهذا سيهيئ لنا الظرف المناسب لإنشاء خطاب ثقافي جديد ومختلف.
وستتمكن الثورة، إذا نجحت وأتمنى لها أن تنجح، من إيجاد قيم جديدة حتى بالمعنى العملي، فهذه القيم التي شاهدناها تولد على شاشات التلفزيون في ميدان التحرير، حيث شاهدنا قيم جديدة تتشكل في الميدان من قبل الناس، شاهدنا نوعاً آخر من العواطف، شاهدنا التضامن ونوعاً آخر من الشعارات، ما يضعنا أمام مرحلة كاملة تتغير. مثلما أحدثت هزيمة حزيران تحولات على مستوى الأدب والرواية، واعتقد أن هذه الثورة ستحدث تحولات أخرى بمنحى آخر معاكس وبطريق آخر جديد.
على ضوء إقامتك في بريطانيا، كيف تقرأ الصورة النمطية العالقة في ذهن الغربي عن المواطن العربي، باعتباره انساناً متخلفاً ومنافقا وكذاباً، وهل تلعب مشكلة عدم وصول مخرجات الأدب العربي إلى القارئ الغربي كما يجب دورا سلبيا في تكريس هذه الصورة؟
هناك خلاف لا يزال قائما حول هذه المسألة، فهناك، حسب تقديري، جانب يتعلق بنظرة الغرب للمنطقة ككل، حيث لا يرى في المنطقة العربية أكثر من منطقة متخلفة تكاد تكون عبئاً على العالم، لأنها لا تساهم في النتاج العالمي ولا ترفد العالم بأي منجزات لا على مستوى العلم ولا على مستوى الكتابة ولا على مستوى الصناعة أو الفلسفة أو التربية، ثم يضيف إلى النظرة أزمته مع هذه المنطقة ونظرته النمطية لها بمفرداتها التخلف والإرهاب والاضطهاد، باختصار هي منطقة الغرب بغنى عنها وهي ليست أكثر من بئر نفط كبير ويستثمره ويخوض الحروب من أجله ومن أجل مصالحه فيها. الغرب يريد أن يرى فينـــا الصـــورة التي رسمها هو لنا.
السؤال هو ما الذي يريده الغرب من الرواية العربية، بعد أن كان قد عشق الروايــة الفرنسيـــة في الستينيـــات ثم انفــض عنها وتوجه إلى الروايـــة اللاتينية، فضلا عن الرواية الغربية نفسها. وهنا لا بد من العودة إلى مصر مرة أخرى وإلى الاحداث الجارية فيها وفي ليبيا وفي وتونس، مع التركيز على مصر لأنها تمثل موقـــع الريادة، حيث ستدفع هذه الأحداث والمتغيرات الغرب إلى تغيير تـــلك الصـــورة النمطيــة، وليس أدل على ذلك من اختفاء مصطلــــح االإرهاب والقاعـــدة وغيرها من القامـــوس الغــــربي بعد تلك المتغيرات، ولم تعد تسمع إلا على لسان القذافي وظهـــور مقـــولات جديدة صنعها الشباب في ميدان التحرير ما سيجعل الغرب راغباً في التعرف على هذا الانسان العربي الجديد.
كما أن الرواية العربية نفسها ستقدم صورة جديدة لهذا الانسان العربي، وأعتقد أن الغرب سيكون مهتما أكثر في التعرف على هذا العربي الذي غـــير الصـــورة والذي اتضح له أنه ليس بالصورة التي رسمت له، لا سيما وأن صورة العربي النمطية في الغرب ليست وليدة رغبة الناس بل وليدة إعلام يتكفل عنه برسم كل شيء وتقديمه جاهزا.
ما الدور الذي تلعبه الترجمات على هذا الصعيد؟
القضية تتعلق بالذائقة والتـــذوق في الغرب، حيث يجب أن ينشأ بالأساس دافع للتذوق، وربمـــا لا يوجـــد هناك تذوق للأدب العربي، فإذا أخذنا روايتي (السيدة من تل أبيب)،على سبيل المثال، نجد أن إحدى القارئـــات البريطانيـــــات، تقول إنها قرأت هذه الرواية أكثر من مرة واستمتعت بها كثيرا، ولكنها لم تتمكن من فهمها.
وهذا يشير إلى أن الذوق العام الغربي غير قادر على ابتلاع هكذا رواية. لكني أعتقد أن الرواية العربية ستلج إلى الغرب والعالم من باب العولمة، فهناك نوع من عولمة الرواية نفسها، وسيأتي دورنا للدخول من هذه الزاوية مع هذه التطورات الجديدة التي تشهدها المنطقة العربية.
حيث المشهد الأدبي العالمي مفتوح على كل أنواع الأدب في العالم. لكن يجب ألا ننسى كذلك أن الترجمة والأدب والنشر عملية تجارية صرفة في الغرب، حيث يتم تسليعها عن طريق جعل هذا المنتوج سلعة، لكنها سلعة جميلة قابلة للعرض والطلب، وبالتالي، فإن الرواية لا تترجم هناك لمجرد أنها ترضي الغرور الناجم عــن الصـــورة النمطيـــة للعــربي في ذهن الانســـان الغربي، ولكنها تحسب حساب البيع أيضا، وإذا ما كانت ستدر أرباحا أم لا، فهذا عالم أعمال.
والمؤســـف في الأمر أن الترجمـــات العربيـــة لا تزال مقتصرة على دور نشر غربية صغيرة غالبـــا ما تكون متعاطفـــة مع العــرب فضلا عن كونها تأخذ الجانب التجـــاري بعين الاعتبـــار، والأمل معقــــود على أن يظهر كتاب عــرب يكتبـــون بلغــات أخرى مثل الإنجليزية.
