أجرت صحيفة «غارديان» اللندنية هذا الحوار مع الروائية تيا أوبرهت فور فوزها بجائزة (أورانج للإبداع) الروائي النسوي، حيث أصبحت وهي في الخامسة والعشرين من العمر أصغر كاتبة تفوز بهذه الجائزة البريطانية المرموقة، سنا، حيث قالت إن أقصى طموح لها كان أن يقرأ ناشر صغير روايتها ويعجب بها بما فيه الكفاية ليجعلها ترى النور.
وأشارت إلى أنها لم تتطرق إلى البلقان في الرواية قط لأنها تخشى التطرق إلى فكرة الموت، وأشارت إلى أنها تعكف الآن على انجاز المراحل الأولى من روايتها الثانية، وأوضحت أن رواية «زوجة النمر» تستند إلى قصة قصيرة كانت قد كتبتها في مرحلة مبكرة بمسيرتها الإبداعية بعنوان «الضحكة».
على امتداد السنوات السبع الأولى من حياة الروائية تيا أوبرهت، خلال نشأتها في بلغراد، كانت غارقة في الخرافة وسرد القصص، وقد عاشت مع أبويها وجديها من ناحية أمها، وتعلمت تدريجيا الأمور الأساسية، فأنت لا ينبغي أن تقدم حافظة نقود خاوية هدية لأحد، ويتعين أن تعطي دائماً نقوداً لشخص مشرد قبل أن تنطلق في رحلة، وأن المقص الذي كانت جدتها تصنعه تحت السرير قصد به إبعاد الشر.
وهي تقول في هذا الصدد: لقد تعلمت أنك إذا عبرت عتبة لتنطلق في رحلة، حتى ولو كان ذلك لشراء زهور من متجر في الشارع نفسه الذي تقيم به، فإنه لا يسمح لك بأن تعود وتعبر تلك العتبة مجدداً إلا بعد انجاز الرحلة، وهكذا فإنك إذا نسيت نقودك، فإنك تفتقر إلى النمط، وكل ما يمكنك القيام به هو طلب النقود عبر العتبة، ولكن ذلك إذا حدث لي، فإن حدتي تبقيني عضوياً بعيدة عن إمكانية عبور العتبة.
وفيما اجتاحت الحرب الأهلية يوغسلافيا السابقة في أوائل التسعينيات انتقلت تيا أوبرهت وعائلتها إلى قبرص ثم إلى مصر، قبل أن تستقر هي وأمها في الولايات المتحدة. وكانت في الثانية عشرة من عمرها، ولكنها تحتفظ ببعض من الخرافات، وهي لاتزال تتطرق على الخشب، ولاتزال تقلد حركة البصق على طفل لإبعاد الشر، وهي لاتزال تشعر بالقلق من أنه إذا حدث شيء رائع فإن شيئاً فظيعاً يتربص في الركن.
يوضح هذا حيرتها المحدودة حيال الفوز بجائزة أورانج عن روايتها الأولى «زوجة النمر». وبينما لا يتجاوز عمرها خمسة وعشرين عاماً، فإنها تعتبر أصغر الفائزات بهذه الجائزة، وقد فازت بها في عام شهد قائمة قصيرة قوية من الروايات المرشحة للفوز بها، الأمر الذي يجعل فوزها أكثر عذوبة.
أوبرهت ليست بحاجة إلى القلق، فعندما يتعلق الأمر بكتابتها، فإنها بالتأكيد كاتبة جيدة بما فيه الكفاية، وهي طبيعية سواء على الصفحات أو في حضورها الشخصي، وقد تم دفعها إلى الأمام صفين دراسيين، فانتهى بها الأمر إلى دخول الجامعة وهي في السادسة عشرة من عمرها، ولكنها لا تحمل المؤشرات الحزينة لابنة ضالة، فهي تبدو شابة طبيعية مرحة، تصادف أنها على موعد مع التألق.
وفي حياتها العملية القصيرة راكمت ألوان التكريم، فقد وصفتها آن باتشت بأنها «موهوبة إلى حد كبير»، وقال عنها كولم ماكان بـــ «الاكتشاف الأدبي الأكثر إثارة في غضون سنوات». وفي عام 2010 كانت أصغر شخص مدرج في قائمة مجلة «نيويوركر» لأفضل 20 كاتباً تحت سن الأربعين، ونشرت لها قصص في مجلات «نيويوركر» و«أتلانك» وغيرهما وكذلك في صحيفة «غارديان»، وبنت صرح كيان من الأعمال الأدبية القصيرة التي تردد أصداء بعض الكتاب المفضلين لديها، ومنهم ارنست همنغواي، كابرييل غارسيا ماركيز وميخائيل بولغاكوف. وفي رواية «زوجة النمر» أدرجت ما تعرفه من الخرافات وسرد القصص، وشادت صرحه لتحوله إلى شيء عظيم.
تجرى أحداث الرواية في جزء لا تجرى تسميته من البلقان، وهي تنبض بالأسطورة والمعنى، تنسج معاً قصة الجزار الوحشي لوكا ومحنط الحيوانات دارسيا الدب ومجموعة الحفارين الذين يتصادف أن تقابلهم الراوية، الدكتورة ناتاليا ستيفانوفي، في إحدى القرى الصغيرة خلال بحثهم عن جثة ابن عم لهم مات منذ فترة طويلة. والراوية تعلم بوفاة جدها المفاجئة خلال رحلة لها مع صديقتها المقربة زورا لحقن الأطفال اليتامى باللقاح. ويقودها هذا الخبر عن الوفاة في العائلة إلى سرد القصتين اللتين «تتدفقان مثل نهرين سريين» في حياة جدها، وهما قصة زوجة النمر وقصة الرجل الذي لا يموت.
بدأت تيا أوبرهت كتابة هذه الرواية خلال أزمة شخصية، قبل أربع سنوات مضت، بعد وفاة جدها، حيث كانت تعاني من، ليال مليئة بالرعب، ولم أكن أحظى بنوم جيد، وساورني شعور عميق بواقعية الموت. وقد شيعت جنازته بينما كانت تتخرج من جامعة ساذرن كاليفورنيا.
حيث كانت تدرس الكتابة الإبداعية وتاريخ الفن. وهي تقول: «كان مقتنعاً بأنني لا ينبغي أن أحضر الجائزة. وقد مات فجأة، ولكنه أدرك عند النهاية ذاتها أن الأمر سيحدث. وقال: لا ينبغي لأحد أن يغير خططه، ولا ينبغي لتيا بشكل خاص أن تغير خططها أيا كان ما يحدث خلال هذا الأسبوع. هكذا قيل لي: ما كان ليريدك هناك. لم يرد أن تحضري، ليس بمقدورك الحضور». وكان هذا أمراً لا بأس به بالنسبة لي، لأنني لم أرد رؤية حدوث الأمر.
بعد أسابيع قلائل، سافرت إلى صربيا لزيارة قبر جدها، وهي تقول: قبره في مقبرة عائلية تحت كنيسة، اعتدت أن أقوم أنا وهو بغسيلها معاً عندما كنت طفلة، لأن أمه مدفونة هناك.
بدأت الرواية كقصة قصيرة قدمتها أوبرهت في ورشة عمل في جامعة كورنيل، خلال اندراجها في الدراسات العليا هناك. وكانت بداية عن «مؤدية خرساء وصماء في سيرك تربطها صلة خاصة بنمر، وتحاول أمها أو جدتها تحويلها إلى عاهرة تقيم صلات مع سكان قرية صغيرة. ولم تلق هذه القصص الواقعة في سبع عشرة صفحة استقبالاً طيباً. وتقول تيا أوبرهت في هذا الصدد: قال صديق مقرب للغاية هو اليكسي زنتنر، والذي كان أيضاً كاتبا وشخصاً رائعاً: إنني لا أحب هذه القصة كثيراً، فهي حافلة بالإكراه والإرغام. والقصة لا ينبغي أن تضم إرغاماً إلا إذا كانت تدور عن فرانكشتاين.
تلقت تيا هذا الانتقاد، ولكنها واصلت تطوير القصة، وكل ما بقي من الحكاية الأولية هو فقرة تدور حول نمر، تستحضر طفولتها وزيارتها لحديقة حيوان بلغراد مع جدها.
كانت الحيوانات قد برزت كموضوعة قوية في أعمال أوبرهيت بالفعل، وقد قررت أولاً أن تكون كاتبة بينما كان تعيش في قرص، وهي في الثامنة من عمرها، عندما كتبت قصة عن ماعز.
ولم تكن مولعة بصفة خاصة بالقراءة حتى ذلك الحين، وهي تقول: كنت أقرأ بالصربية ـ الكرواتية، وكان ذلك جهداً غير متطور بسبب الأبجدية بالغة التعقيد والصعوبة فما النحو والنسيج اللغوي، ولكنني تعلقت باللغة الانجليزية حقاً بصورة سريعة.
كانت هذه القصة الأولى فقرة واحدة، فيها: «الماعز بمثابة نوع من المغامرة المفقودة، وكل ما أتذكره حقاً هو الطريقة التي كانت كلمة ماعز تبدو بها على الشاشة، فقد كانت جذابة للغاية.
خلال تلك الفترة أبدعت تيا أوبرهت قصصا يعد العالم الطبيعي فيها مصدراً لقدر كبير من البراءة والإزعاج، يمكن للحيوانات فيها أن تكون شريرة أو بطولية، وغالباً ما تجمع بين الأمرين. وقد أحاط عالم الحيوانات بشخصيتها البشرية، ضاغطاً عليهم بقوة مفزعة. وفي قصتها التي تحمل عنوان «الحارس» يعطي صبي صغير كلباً من فصيلة الدرواس يدعى «قيصر» تقتصر حركته على الغناء لكنه مع ذلك يظل مسيطراً على الحي. ويتعلم الصبي السيطرة على الكلب بإطلاق بندقية بلا ذخيرة على رأس الكلب «وفي الغالب الأحوال يتبول الكلب على نفسه».
وفي قصة أخرى بعنوان «الضحكة» تقع أحداثها بخورونجورو في تنزانيا، يكافح مصور صحافي جديد على البلاد مع الطبيعة: الأشبال المشنوقة إلى جوار البوابة عند الفجر، الحيوانات البرية الغارقة التي تملأ النهر بفضول عيونها النجلاء وقردة البابون في المطعم تسرق طعام الكلب.
وأسوأها الضباع، التي تمضي في جماعات بحضورها الذي يثقل على الأعصاب والسهولة التي تتسلل بها إلى القرى ذات البوابات، وتهرب بالأطفال والأمهات الشابات، وكانت الضحكة هي التي تقلب المعدة، وكانت الضباع تضحك طوال الوقت، وكل ليلة كانت هناك كأنها تعرف أن ضحكاتها تجعل المصور الصحافي يتساءل، وتجعله يرغب في الخروج إليها في الظلام أو أن يضع مسدسها في فمه.
خلال عكوف أوبرهت على تأليف هذه الرواية الأولى «زوجة النمر»، أمضت ساعات في حديقة الحيوان في سيراكيوز بنيويورك محدقة في النمور. وفي الفصل الأول من الرواية ترى الراوية نمراً في قفص يخاشن أحد العاملين في حديقة الحيوان، وهي مقدمة لقصة النمر الذي يزحف على امتداد حياة جدها، هارباً من حديقة حيوان قصفها النازي في 1941. ويمضي هذا الحيوان شهوراً وهو يعيش في المستنقعات «ملتهماً الجثث المتحللة التي تنجرف قريباً منه، ممسكاً الضفادع وحيوانات السمندل على امتداد قاع الخور. وقد أصبح مضيفاً للعلقات، وبرزت العشرات منها كالعيون في فراء قوائمه وجانبه».
كان جدها صبياً عندما وصل النمر إلى قريته، وكان هو وزوجة لوكا المرأة الخرساء الصماء التي تعرضت لمعاملة وحشية هما اللذان أقاما علاقة خاصة بالنمر، أما القرويون الآخرون فقد نظروا إليه برعب وتشكك عميق.
عرفت أوبرهت أن هذا مشروع جدي، وأنها ستبعث به إلى المحررين في دور النشر، ولكنها لم تتوقع بالضرورة أنه سينشر. وهي تقول في هذا الصدد: «عند ذلك المنعطف، كان الأمل هو: ألن يكون أمراً جميلاً إذا قرأه أحدهم وأحبه على نحو ما؟ ربما ستختاره دار نشر صغيرة لإصداره».
وقد أصبح هذا العمل أول كتاب يبيعه وكيلها الأدبي البالغ من العمر ثلاثين عاماً سيث فيشمان، والكتاب الثاني الذي يحصل عليه محررها البالغ ستة وعشرين عاماً نو إيكر، الذي كان آنذاك يعمل مساعد محرر لدى دار النشر العملاقة راندوم هاوس.
وقد قطع ثلاثتهم رحلة نشر الكتاب على مهل، فقد كانت أوبرهت لاتزال تخشى أن بعض أجزاء الكتاب ليست على ما يرام، وجاء انجاز كبير عندما قامت بزيارة البلقان مجدداً للقيام برحلة مطاردة لمصاصي الدماء، بتكليف من مجلة «هاربرز»، ولدى عودتها إلى الولايات المتحدة طلبت المزيد من الوقت، وقامت بإعادة كتابة أجزاء بكاملها من الكتاب إلى أن قالت في نهاية المطاف: «ليكن، يمكنني أن أتعايش مع هذا».
كان هذا المقال عن رحلة اصطياد مصاصي الدماء عملاً اجتذب الكثير من القراء، وهي توضح فيه أن مصاصي الدماء يمكن في البلقان أن يأخذوا حشداً من الأشكال، منها فلاح خشن المظهر، قط، كلب، فأر، فراشه بل وثمرة خضر.
وهي تقول في هذا المقال: «لقد عانى الغجر من المضايقة الغامضة من ثمار البطيخ التي تلبسها مصاصو الدماء». ويتساءل المرء عما إذا كانت شخصية الرجل الذي لا يموت التي تظهر في رواية «زوجة النمر» لافزاع جد الراوية ناتاليالها خواص تعود إلى مصاصي الدماء.
وتقول تيابرهت في هذا الصدد: «لا، ولكن ذلك يمكن في بعض الأحيان أن يكون رد الفعل التقليدي في البلقان، فأنت إذا خرجت من الدار في وقت متأخر من الليل، فإنك تكون مصاص دماء. وإذا تصرفت قطة بطريقة مخالفة للطريقة العادية التي تتصرف بها القصص، فإنها مصاص دماء. وهكذا وضع القرويون الرجل الذي لا يموت في تابوت، وتصرفوا كما لو كان مصاص دماء، ولكنه ليس كذلك، وإنما هو منتزع من الفولكلور، وهو أحمق يحتال على الموت».
وقد أحبت كتابة هذه الشخصية، ولكن كانت هناك لدى عكوفها على الكتابة في وقت متأخر من الليل وجدت نفسها تتلفت وراءها، وتقول في ذلك أيضا: «رفعت سماعة الهاتف أيضاً حتى لا يفزعني رنينه المفاجئ».
حوالي نهاية الرواية تكتب أوبرهت عن شخصية صيدلاني تعلم أنه:عْندما يحار الناس أمام الجوانب المتطرفة في الحياة، سواء أكانت جيدة أم سيئة، فإنهم يلجأون أولاً إلى الخرافة ليجدوا المعنى، ليربطوا معاً الأحداث غير المترابطة لكي يفهموا ما يجري. وقد تعلم أنه أياً كانت خطورة السر، وأياً كانت حتمية الصمت المطلق، فإن أحدهم سيحس بالدفاع إلى الاعتراف، والسر الذي يتم إطلاقه هو قوة رهيبة».
تقيم تيا أوبرهت حالياً في مدينة إبثاكا بشمالي ولاية نيويورك، وهي تعكف حالياً على تأليف روايتها الثانية، التي لا تزال في مرحلة مبكرة. وفي زيارة أخيرة قامت بها إلى باريس، زارت «شكسبير وشركاه» وهي المكتبة التي تتميز بطابعها الأسطوري والتي تعرض الكتب التي تقوم تيا بإعادة قراءتها.
وفي مقدمتها مذكرات همنغواي التي تعود إلي العشرينات من القرن العشرين، بعنوان «مهرجان متنقل». وتقول: «هنالك كان كتابي في الواجهة! وأوشكت على الموت عندما رأيته! بدا الناس كأنما يقولون: ما الذي تفعله تلك المرأة؟ كانت تلك لحظة بديعة بالنسبة لي».
تصمت تيا أوبرهت، كأنما تتأمل حسن الطالع الذي صادفها، فيما تتساقط بعيداً كل الخرافات. وتقول في ختام اللقاء معها: «الفوز توج كل ذلك، حتى الآن».
