يأتي لقاء المبدع بجمهوره، عبر العديد من الفعاليات التي تحرص كل المؤسسات الثقافية على تنظيمها بشكل دوري، لكن على أرض الواقع تتباين هذه الأمسيات والمحاضرات، بين ما يطلق عليها الجمهور ناجحة، أو متواضعة.

 

من المستهدف؟ إن كان الجمهور لا يأتي في معظم الأحيان، وإن كان المبدع المثقف انتقائياً ومزاجياً أحياناً تحده التعاملات الشخصية في الحضور والغياب عن الفعاليات. وعما إذا أصبح هذا تقليداً لا بد منه، فلماذا لا يتم إجراء دراسة تبحث الأسباب التي تجذب الجمهور إلى الأنشطة الثقافية.على أرض الواقع قيل، ويقال الكثير حول هذا الأمر في سبيل تفاعل الناس مع ما يجري، ومن أجل أن تحقق مثل هذه الفعاليات دورها في الحراك الثقافي المحلي على أرض الواقع. (مسارات) التقت مسؤولين ومثقفين ومبدعين وأهل اختصاص للإطلالة على المشهد الحقيقي والإضاءة عليه:

 

معايير متجددة

في بداية حديثه عن البرنامج الذي يضعه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي، أشار الأديب حارب الظاهري رئيس فرع الاتحاد: نضع البرنامج عادة وفق معايير معينة، نحرص على توفيرها، على أن نقدم أمسيات تستحق أن تكون بمستوى الاتحاد، وكما هو معلوم فالاتحاد يهتم بالجانب الإبداعي، أحدهم أصدر كتاباً جديداً نحتفي به، محاضر لديه فكر يمكن طرحه عبر أمسية معينة، نستضيفه، أو قد نبحث عن من لم يشاركوا منذ فترة طويلة، من المبدعين في الدولة، ونستفسر حول طرحهم لما جديد، وحول إمكانية، تقديمه للجمهور.

وعادة ما يوضع البرنامج كل شهر، أو كل أسبوعين، لأنه من الممكن أن تحدث بعض الاعتذارات، وهو ما يتطلب التغيير. وأوضح نحاول في كل سنة أن نجدد في نوعية النشاط، ونحاول أن يكون مختلفا، بزخمه، ونفكر بمطلع كل عام بمنظومة جديدة، من الأنشطة. ويضيف الظاهري: للأسف لا يوجد تنسيق بين الجهات التي ترعى وتنظم العديد من الفعاليات، بل أعتبر أن التنسيق بينها أمنية بالنسبة لنا، كما نتأمل أن يكون هناك تعاونا بيننا وبين الجهات الأخرى.

وعن تفاعل الجمهور مع الأنشطة قال الظاهري: لقد عايشت الجمهور لفترة طويلة، وهناك بعض الأشخاص الذين باتوا بالفعل ينتمون إلى المكان، ونجدهم في كل نشاط، وأحيانا نجد أن المحاضر يجلب معه جمهوره، إلى جانب المواظبين على حضور الفعاليات عادة، وأحيانا يمتلك اسم المحاضر أو الأديب شعبية كبيرة تجذب الكثير من الجمهور إليه، كما وجدنا في أحد برامج السنوات السابقة، أن العمل على جنسية معينة يجذب الجمهور من أبناء هذه الجنسية مثل الشهر السوري، أو الشهر الفلسطيني، أو الشهر السوداني وهكذا.

كما أشار إلى أن الاتحاد يقدم كل السبل التي يقدر عليها من أجل أن يجذب الجمهور بما فيها أعضاء الاتحاد، إذ نعمل على تهيئة المكان، والإعلان عن الأمسية لكني لا أقدر أن أفرض على أحد الحضور، إلى الأمسيات.

التنسيق مطلوب

عن الفعاليات التي يهتم بحضورها الشاعر سلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث قال: طبيعة النشاط تفرض نفسها، ولا يوجد شيء محدد أذهب إليه قد أذهب لحضور ندوة فكرية، أو ثقافية، فالذي يشدني الشخصية بحد ذاتها، ومحور الحدث أحيانا، والأطراف الموجودة، وطبيعة الكتاب.

وعن طريقة الترتيب لأية فعالية تنظمها أكاديمية الشعر أوضح العميمي: نراعي تنظيمها في الفترة المسائية، والإعلان عن الفعالية بصورة جيدة بمختلف النوافذ الإعلامية ولا نكتفي بهذا بل قد نتصل مباشرة مع الجمهور، أو نعلمهم عن الفعالية طريق خدمة الرسائل النصية، كما نهتم قدر الإمكان بعدم وجود أي فعالية أخرى بذات الوقت.

ورأى العميمي: هناك بعض الأمسيات الشعرية، التي نجد فيها عددا كبيرا من الحضور، وبالمقابل نجد أمسيات شعرية أحيانا لا يوجد فيها ذلك العدد المطلوب، ويعود هذا لارتباط الفعالية باسم الشاعر، وبذكرى معينة، والإعلان عن الفعالية الثقافية، التي قد تصل لجمهور كبير، مع تعدد المنافذ الإعلامية، التي تلعب دورها في التأثير على عدد كبير من أنواع الجمهور، في التعاطي مع الثقافة.

كما نوه العميمي إلى نوعية الفعاليات وتطورها قائلاً: هناك تعاطي مع الثقافة يشابه في طريقته ما كان يحدث قبل عشرين سنة، إذ لا تزال الأمسيات الشعرية تقدم بذات الطريقة، ونفس الآلية ونفس العرض، في وقت وجد فيه جيل يبحث عن طرق جديدة ومبتكرة، ومواضيع غير ثقيلة ومركزة، فالوقت الذي يقطعه من يومه، لم يعد متاحا مثل قبل، ولذلك يجب أن تراعى في هذه الفعاليات ترغيب، وجذب الجمهور.

واعتبر العميمي أن الإمارات تعتبر واحدة من أكثر الدول في المنطقة التي تنظم الفعاليات الثقافية وهي بالطبع ظاهرة صحية.

 

تجاوب متفاوت

الشاعر والفنان التشكيلي محمد المزروعي قال: في اختياري لحضور الفعاليات التي تقام عادة، اعتمد على معيارين الأول احتياجي معرفي بشكل رئيس، على أساس الإضافة التي قد يحدثها النشاط، وهناك معيار يتعلق بالمتعة البسيطة وتعاملي مع الوقت بفكرة مريحة، ويحدث هذا في بعض المهرجانات.

وأوضح المزروعي: علينا أن لا ننسى طبيعة الإمارات كدولة تحتضن جنسيات متعددة بما فيها العربي والأوروبي والآسيوي، وهناك اختلاف بما يجذب كل جنسية من الجنسيات، وهناك الجمهور المختص المعني بالفن كأداة للتأليف، والمتعة، وهناك الجمهور الغير مختص، إلى جانب التزام الناس بعملها، فمساحة الوقت عند البعض مليئة، كما يعيش الإنسان محُتلا بإنجاز الضرورات الحياتية، لدرجة أن المثقف قد لا يجد الوقت الكافي لمشروعه الشخصي، وهذه هي طبيعة المكان، وأرى أنه علينا أن ننظر إلى هذه الجوانب كي لا تلوم الناس نفسها، أو تعتقد إن هذا ناتج عن التقصير بموضوع الإعلان عن الفعالية، إلى جانب شيء آخر.

وهو استثناء الأنشطة الاحتفالية والفرق العربية والمسارح، والمشاهير، التي تحدث تجاوبا مختلفا عن فعالية متخصصة. وعن دور كل هذه الفعاليات بالحراك الثقافي قال المزروعي: مبدئيا إن وجود هذه الأنشطة والفعاليات، أفضل من عدم وجودها، ووجود مؤسسة حتى لو كان يديرها مدير متواضع الإمكانيات، أفضل من عدم وجودها فالزمن متحرك، والبنية التعليمية تزداد من خلال تعدد الكليات، مما يجعل نسبة كبيرة من المتعلمين، تنتمي للفكرة الثقافية، بالأخص من خرجي الجامعات من البنات اللواتي يوجهن اهتمامهن للتصوير الفوتوغرافي، أو الكتابة، ويتصرفن مع أدواتهن بطريقة إبداعية.

واعتبر المزروعي: ان المجتمع الثقافي الإماراتي ما زال في مرحلة الطفولة، وهذه مرحلة عمرية، وبطبيعة الحال يفترض وجود كوادر مؤهلة لتحريك العملية الثقافية، ولكن للأسف أغلب المسؤولين لدينا غير مؤهلين، لأنهم يقدمون أقل من المطلوب، ولهذا من الممكن أن تترك هذه المسألة للغريزة المكانية، والزمانية، إذ ممكن أن يتواجد كادر وأناس مؤهلون، ولو فيما بعد، ولهذا فإن لم يتواجد العقل المحرك للمسألة الثقافية من الناحية البشرية فوجود مؤسسة أحسن من عدمها.

 

المثقف الغائب

وأكد الناقد رسول محمد رسول: أعتقد كظاهرة أن التفاعل بين النشاطات والجمهور، ضعيف، ولكن هناك مؤشرات بحسب الفعاليات، فعندما تعرض مسرحية أو يقام حفل موسيقي، يتفاعل الناس معها بشكل كبير، لكن عندما تقام محاضرة فكرية، أو أدبية نجد الحضور قليلاً، وعندما توسعت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث خلال السنوات الثلاث الماضية، في برامجها ونوعت ما بين الموسيقى والسينما، كنا نرى في مهرجان أبوظبي السينمائي، ان القاعات تمُلأ عن بكرة أبيها، فالجنس الأدبي والفني هو الذي يجذب الجمهور.

ولا يمكن التفاعل مع الشعر و(استثني هنا برنامجي شاعر المليون، وأمير الشعراء، لأنهما برنامجان تلفزيونيان) لا يمكن أن نجد التفاعل يتجاوز العشرين شخص، بما فيهم العاملين في المؤسسة والصحافيين الذين قد يصل عددهم لستة، إذا الجنس الأدبي، أو الفني هو الذي يتحكم في درجة تفاعل الجمهور مع النشاط. وبالنسبة لاختيارات رسول أوضح قائلاً: أحضر أغلب الفعاليات بحدود إقامتي في أبوظبي، بما في ذلك الحفلات الموسيقية والمسرحيات، والمحاضرات.

لكن بمرور الوقت بدأت أشعر بالغربة لأن الوجوه نفسها تتكرر، وذات مرة جاء محاضر من خارج الدولة ولم يتجاوز عدد الحضور الثلاثة، فهل هو خلل في الترويج مع العلم أن كل المؤسسات توزع الأخبار وينشر في الصحف، لكن يبقى التلفزيون والإذاعة بعيدين عن الأنشطة الثقافية، ولا تلفزيون غطى في برامجه محاضرات تقام بأكثر من مكان، فقط الصحافة هي التي تقوم بهذا الدور، وليست كل الناس تقرأ الصحف.

ورأى د. رسول: هناك نزعة استهلاكية في حرق النشاط الثقافي، إلى جانب غياب التنسيق بين المؤسسات، ومن الممكن أن يقام في الأسبوع الواحد عشر نشاطات أحيانا، كما تقام أنشطة يوم الخميس أي آخر أيام الأسبوع، حيث الناس تسافر إلى إمارات أخرى أو تقوم بالتزامات أخرى تجاه أسرها.

 

غياب الطلبة

عن اختياره للأنشطة التي يحضرها قال عياش يحياوي كبير الباحثين في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث: الأنشطة التي أتابعها، هي التي تضيف إلي شيئا يهمني، مع العلم أني لا أدقق باسم الكاتب أو المحاضر بذاته، فما يهمني أساسا هو ما يضيف إلى على المستوى المعرفي. ورأى أن بعض المؤسسات تنظم الأنشطة، لأنه من الضروري أن تنظمها، لدرجة أن بعض المثقفين لا يذهبون لبعض الأنشطة المميزة، اعتقادا منهم أنها غير جيدة. كما خص يحياوي بالحديث تجربته مؤكداً:

لم أجد أحدا وخلال فترة تواجدي في أبوظبي، منذ ثلاث سنوات، بمن يهتم بما أكتب على عكس حضوري الذي كان قويا عندما كنت في الشارقة، خاصة وأني قدمت الكثير بما يتعلق بالثقافة المحلية، لكن هناك الكثير من الذين لم يتنبهوا لما أكتب، وهذا ما يجعلني أحيانا أغيب عن بعض الأنشطة، إلى جانب ظروف عملي، التي أعوض بها سحابة القنوط التي في داخلي، بحضوري على مستوى الكتابة، فالمثقف لا ينكسر بسهولة، فأنا أواصل وأنجز كتبي، ولا تنتج من فراغ بل أحرص على جمع المعلومات من الموروث الشعبي، وأتابع الخرائط بتفصيل دقيق، في أماكن مختلفة وبعيدة، وأعود إلى أبوظبي أحيانا كثيرة في الثانية صباحا، وهكذا أنجز وأكمل عملي بصمت.

وختم عياش يحياوي حديثه بالتأكيد أن شريحة طلبة الجامعات تعد من أهم الجمهور الذي يحضر الفعاليات الثقافية، هكذا تعودنا في بداياتنا، وعندما يكون هناك حدث إعلامي نجد أنفسنا مثقفين يتحاورون مع بعض الجمهور، وبمفهوم الثقافة التي تبحث عن الأمسيات الشعرية، والنقدية إن لم يحضرها أساتذة الجامعة والطلاب، فمن يحضرها إذا، كما أن دخول المثقف إلى ساحة الجامعة ليس بالأمر السهل بل يترتب عليه مجموعة من الالتزامات.