في ضوء الاهتمام العالمي بالخطى السريعة التي تنطلق بها الهند في معراج النمو والنهوض والمقارنات الغربية بين بروز الصين ومحاولات الهند اللحاق بها، يتجدد اهتمام النقاد بالأعمال الإبداعية الصادرة من الهند باللغة الانجليزية، وفي هذا الاطار حرصت صحيفة «إندبندنت» اللندنية على إجراء هذا الحوار مع الروائية الهندية
تفرض السنوات الثلاثون التي أمضتها الروائية الهندية مانغو كابور في التدريس نفسها، تلقائياً، على الحوار معها، ومن هنا فإنها تتحدث عن مدرسة هندية خاصة شهيرة تظهر في صيغة روائية في روايتها الجديدة «حضانة»، حيث تقول: «في اللحظة التي غيرت خلالها اسم المدرسة، كان بوسعي أن انتقدها، وكان بوسعي أن أجعل إحدى الشخصيات تتساءل: (هل سيتعرض ابني للاعتداء؟) وذلك على الرغم من أنني لا أستخدم هذه الكلمة الأخيرة، فأنا كاتبة حذرة للغاية».
درج النقاد الغربيون على مقارنة روايات كابور السابقة «بنات مشاكسات» و«الدار» و«المهاجر» بأعمال جين أوستن. أما رواية «حضانة» فإنها تدور حول حياة وحب وخسائر هنود الطبقة المتوسطة الهندية الثرية الحضرية، وهي تبرع في التنقيب عن الأسرار المثيرة للقلق واكتشاف العلاقات المحبطة.
غير أن منطلقها في روايتها الخامسة ليس الحبكة أو الشخصية، وإنما السباقات المعاصرة الكبرى. وهي تقول في هذا الصدد: «في إطار المخاطرة بأن تبدو كطروحات اختصاصي في العلوم السياسية فإن رواية (حضانة) تستمد إلهامها من العولمة والتحرر الاقتصادي. من الذي يملكك؟ بقدر ما يتعلق الأمر بمعظم النساء والأطفال الهنود فإن الرجل هو المالك. ولكن هذا آخذ في التغير».
تنطلق كابور ضاحكة وهي تقول: «لكن الكتاب لايدور حول هذه الأمور فحسب، وإنما هو يدور حول حضانة الطفل والنظام القضائي. فأنت لا يمكنك أن تعيش في الهند من دون أن يستبد بك الغضب والحنق إزاء النظام القضائي».
وشأن العديد من التحديات التي تفرض نفسها على السياسيين الهنود، فإن المشكلة الأساسية هي مشكلة تتعلق بالنطاق، حيث أن الأنظمة القضائية والتعليمية والصحية مثقلة حتى النخاع. وروايات مانجو كابور تمحص تأثير هذه القضايا الهائلة على الجوانب الأكثر حميمية في حياة الناس: الحب، الجنس، العمل، المال، والعائلة فوق كل شيء.
تقول مانجو كابور عن رواية لا يحصل فيها أحد على ما يريده، ولا يقع عبء اللوم على شخصية واحدة: «العائلة هي المجال الذي أرى فيه تأثير ما يحدث في المجتمع الهندي، وفي رواياتي الأولى كانت النساء هن اللواتي يقمن بالتفاوض حول هذه العلاقة. أما هنا فإن الجميع يقوم بذلك، الأطفال، الأب، الزوجات. وإذا عشت حياة متحررة فإنك تدفع الثمن العاطفي لذلك».
تقع أحداث رواية «حضانة» من الناحية الزمنية قبيل بداية الألفية الثالثة، حيث تصور زوجين يبدو زواجهما متوجاً بالسعادة والازدهار، هما رامان وشاجون، اللذان يمزق الزنا حياتهما ومن ثم معركة قضائية مريرة حول حضانة ابنيهما. وفي إطار رواية تحمل أصداء إبسن، تختار شاجون الحب الذي يربطها برجل أعمال هندي متأثر بنمط الحياة الغربي وتؤثره على واجبها العائلي، ويبدو لنا أن محاولة رامان اليائسة للحصول على حق حضانة ابنته وابنه عملاً نابعاً من الحب والانتقال والشعور بالذل.
وفي العديد من الجوانب تعد مانجو كابور في وضع مثالي يتيح لها التعليق على التغيرات العنيفة التي تشكل الأمة الهندية، فهي قد ولدت في مدينة أمريتسار الشهيرة في البنجاب بعد الاستقلال، وعلى وجه التحديد في عام 1948، وأمضت عمراً في محاولة الموازنة بين أعراف بلادها ومطالب حاضرها الذي لا يكف عن التغير.
وهي تعرب عن سعادتها لأنها تكتب باللغة الانجليزية وهي تقر بأن ذلك الخيار يظل صعباً وتقول: «الكتابة باللغة الانجليزية قضية مشحونة، فأنا كاتبة ما بعد كولونيالية تماماً، وقد درست باللغة الانجليزية، وأنا أقرأ بها، بينما لغتي الهندية سيئة تماماً». وتحدد محاولة مماثلة لتوحيد الشرق والغرب، العرف والفردية كل المجالات في حياة كابور، ولدي سؤالها عن التحديات المتمثلة في الجمع بين حياة أكاديمية ومسؤولية عائلية (هي أم لثلاثة أبناء) وحياتها الأدبية، فإنها تبادر إلى القول: «لقد اتبعت حلمي، فأنا أقوم بما أحبه، وأقول ما يطيب لي».
على الرغم من أن زواج كابور أثار موجات مع أقارب زوجها المارواريين التقليديين، فإنها اليوم تقيم معهم في إطار عائلة ممتدة. وهذا التكوين يمكن أن يكون صعباً على الزوجة الجديدة، لكنه كانت له فوائد جليلة، فالعائلات الممتدة، حسبما تقول: «توجد طرقاً مدهشة للتعامل مع كل موقف محتمل الحدوث، فهناك الكثير من الكبار وأبناء العم الذين يتعين التعامل معهم، وهي مدرسة جيدة للغاية فيما يتعلق بتعليم العيش».
وتصف كابور الوحدة الأسرية الغربية الأصغر بأنها بالمقارنة بالعائلة الممتدة «لا تؤدي وظيفتها، وانه إذا كان كل شيء على ما يرام فلا بأس، أما إذا تردت الأمور فإن كل شيء يتفاقم، وهذا هو ما يحدث للضعاف ومن يتسمون بالهشاشة.
لايمكن للحوار مع الروائية الهندية مانجو كابور أن يكتمل إلا بسؤالها عن تصورها لمستقبل الهند، وهي تبادر إلى الاعراب عن التفاؤل الحذر، ولكنها تظل واقعية حيال حاضر الهند. وتقول:
«النقاش لايدور حول مدى ثقتنا، وإنما كيف أن هذه الثقة في غير موضعها. لماذا نفخر بالهند بينما هناك فقر مدقع وكل هذا النقص في التعليم والصحة؟ هناك غضب وضيق حيال الحكومة، فالأمور ينبغي أن تتغير، وينبغي أن تتغير سريعاً».
على الرغم من ذلك، فإن كابور تدرك أن غياب الاستقرار والتغير المتواصل كانا موجودين دوماً على امتداد تاريخ الهند. والفارق اليوم هو مستوى الوعي المتزايد والرغبة الأصيلة في التقدم.
وهي تقول: «ليس مناط الأمر أنه يجري استبعاد الناس التقليديين أو الفقراء من الهند الجديدة، فقد كان يجري استبعادهم على الدوام. وكل ما في الأمر أن المزيد منهم يجري اشراكهم الآن».
ولكن ما هو جوهر الإطار الذي تدور فيه رواية مانجو كابور الخامسة حقاً؟
شأن روايات كابور السابقة، وخاصة «بنات مشاكسات» الصادرة عام 1998 و«المهاجر» الصادرة في عام 2009، فإن رواية «حضانة» تقع أحداثها إلى حد كبير في تجمعات الشريحة العليا المزدهرة من الطبقة المتوسطة في دلهي، في منتصف التسعينات، على خلفية من بدايات الزيادة الكبرى في الاستثمار الأجنبي في الهند. وتشير كابور إلى أن رامان وشاجون وطفليهما يحصدون المنافع المالية ونمط الحياة المصاحب النابع من عمله في شركة «براند»، وهي شركة تستثمر في المقام الأول في انتاج المشروبات الغازية.
ويدخل في الصورة أشوك، رئيس رامان في «براند»، وعندما تبدأ شاجون في دخول علاقة عاطفية مع أشوك المتأثر بنمط الحياة الغربي فإنها تجد نفسها وهي تكافح في تحديد الأدوار التي تقوم بها كزوجة وأم وعاشقة، وعندما تطلب الطلاق من رامان، فإنه يتردى إلى هوة الغضب والرغبة في الانتقام والرثاء للذات بينما حياته التي بدت له يوماً متسمة بالكمال تتداعى من حوله.
في الطرف الآخر من دلهي، وفي مجتمع تحكمه روابط أكثر اتساماً بالطابع التقليدي، تكافح إيشيتا، المطلقة حديثاً، للعثور على الرضا في الاستقلال وفي العمل الاجتماعي، وسرعان ما تجد نفسها منجذبة إلى رامان، وتقع في غواية التحقق العائلي التي أفلتت منها طويلاً.
ووسط مطالب الكبار وانفجاراتهم الهستيرية في إطار تشظى حياة العائلات، يلزم الصغار الهدوء في خلفية الرواية وصولاً إلى منتصفها تقريباً، وعند هذا المنعطف في الرواية نبدأ في رؤية التأثيرات الجانبية المترتبة على الصراع على الحضانة، حيث يجد الطفلان نفسيهما متمزقين بين أمين، بين دارين، بل بين بلدين، حسبما تعبر كابور.
ولكن كيف تملكت كابور ناصية موضوع معقد كالزواج في حياة الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة الهندية؟
إنها تلفت أنظارنا في معرض تصديها للإجابة عن هذا السؤال إلى أن روايتها تكشف أموراً عديدة يكتنفها الغموض فيما يتعلق بالزواج، فهناك شعور الزوجة المحتدم بالاختناق، وهناك أيضاً خوف الزوج من الوحدة، وهناك الانتقال المستمر للطفلين، كما لو كانا سلعتين من دار إلى أخرى.
وهذا كله يجري استحضاره على نحو موجع وحافل بالتفاصيل الحية والمدهشة في الرواية. وتقول كابور إن الزواج هو موضوع سبق لها أن تناولته بعمق في روايتها، ولكنها هنا عمدت إلى مراكمة حشد هائل من التفاصيل وإلى توظيف نغمة تعكس كبحاً لجماح العواطف والانفعالات، الأمر الذي يجعل من الرواية شيئاً يتجاوز تماماً التعليق الاجتماعي ليقفز إلى التصدير الصادق لعذابات الزواج الحديث والعبء الهائل الذي يشكله على النزعة الفردية الناهضة في الهند.
لكن ماذا عن وصف بعض النقاد لحبكة رواية «حضانة» بأنها تكاد تكون حبكة فيكتورية على وجه التقريب؟
ترد مانجو كابور على هذا السؤال بالاشارة إلى أنه ربما جاء من اعطاء النغمة السائدة في الرواية شعوراً بالروح التقليدية، مما دفع هؤلاء النقاد إلى وصف الحبكة بأنها فيكتورية تقريباً، وتشير إلى أنها على استعداد للقبول بهذا الوصف طالما أن هؤلاء النقاد يسلمون بأنها قدمت عملاً سلساً يغري القراء بالانغماس في القراءة حتى السطر الأخير في الرواية.
وهي تشدد على أن روايتها أفلتت من العديد من المزالق التي تتهدد مثل هذه النوعية من الروايات، فهي لم تنزلق إلى الاقتراب من أجواء المسلسلات الدرامية الشائعة في العديد من أرجاء العالم الثالث، وتقول إن حرصها على تجنب الحكم الاجتماعي في الرواية ينبع من طبيعة الفترة التي تدور فيها احداثها، وهي تسعينات القرن الماضي، حيث اقتحمت الهند الاقتصاد العالمي انطلاقاً من أرضية أكثر طموحاً، وبالمقابل فإن هنــــاك توتراً حاداً شهدته الهند ابتداء من هذه الفترة بين الواجـــب العائلـــي والنزعـــة الفرديــــة.
وتلفت الروائية الهندية نظرنا إلى أن الأمر هو كما تقول شاجون في نقدها للعالم القديم: «كان ذلك جزءا من المرض الهندي. لقد كان أشوك يواصل دوما تسفيه العرف، العائلة الهندية العظيمة، التي استندت إلى تضحيات النساء.
وتقول كابور إن القراء سيجدون أنفسهم دوما مع ألم الشخصيات وشعورها الغامر بالوحدة، ابتداء من إيشيتا العقيم التي نبذها زوجها الأول، إلى احباطات شاجون التي لا تنتهي حيال زواجها المتهافت، وصولاً إلى انهيار رامان لدى هجران زوجته له، وبالمقابل هناك سخرية كابور الهادئة، لكن ذلك كله لا يواكبه أبداً الحكم الاجتماعي في أي شكل من أشكاله.
