«أنا والآخر» كلمتان إن كانتا في ظاهرهما تحملان ملامح الاختلاف والتمييز بالنسبة لبعضهما، لكنهما في الوقت ذاته بالنسبة للبعض الآخر تحملان دعوة التفكير في نقاط الالتقاء للاندماج، ومحاولة تكوين أركان معادلة يكون طرفها الأول «أنا»، والثاني «الآخر»، ومع ذلك فلا تزال العلاقة بين الأنا الذي يتمثل هنا في الثقافة العربية، والآخر الذي يتمثل في الغرب تعاني من حالة التباس تصل أحيانا إلى حالة الاصطدام.

 

تعتبر الثقافة العربية أنها قد تعرضت منذ فترة طويلة لظلم تاريخي، من خلال الأسلوب الانتقائي الذي مارسه المستشرقون في التعامل معها، ولسوء الحظ فإن بداية تعامل المستشرقين مع الثقافة العربية ارتبط بنشأة حركة الاستعمار، حيث رافقت المستشرقين جيوش من المستعمرين.

وسبقوهم أحيانا للمناطق التي احتلوها، وهو ما جعل للفظة المستشرق والاستشراق جوانب سلبية، بل إن الظروف التي صاحبت نشأة الاستشراق، وقدوم كثير منهم، وتبينهم لنمط الحياة العربية أدت إلى التباس آخر بين لفظي الاستشراق والاستعراب أو المستشرق والمستعرب.

 

التباس في المفاهيم

يحاول الدكتور أحمد عتمان، رئيس الجمعية المصرية للأدب المقارن، أن يرفع هذا الالتباس من وجهة نظر لغوية وعلمية، حيث يقول: إن كلمة المستشرق أوسع وأشمل من كلمة المستعرب؛ لأن الاستشراق يشمل تراث حضارات الشرق كله، أما كلمة المستعرب أو الاستعراب فهي مرتبطة بالحضارة العربية فقط، ويستخدم اللفظان حسب السياق، وإن كان هناك لبس بينها، فعند الحديث عن المهتمين بحضارة الشرق بصفة عامة نستخدم لفظ مستشرق، أما المهتمون بالحضارة العربية على وجه الخصوص فيطلق عليهم لفظ مستعربين.

وعن دور المستشرقين في نقل الثقافة العربية، قال عتمان: إن المستشرقين قاموا بدور حيوي في تعريف العالم بالحضارة العربية، بداية من القرن الـ‬13، أي قبل عصر النهضة بحوالي قرنين، وتزايد ذلك في الآونة الأخيرة، مشيرا إلى أن هناك مدارس داخل الاستشراق.

وعلى سبيل المثال فالاستشراق الإيطالي توجد به ‬3 معاهد للاستشراق في باليرمو بصقلية، إضافة إلى حركة استشراق قوية جدا في نابولي وروما وفي كل الجامعات تقريبا، كما توجد في إسبانيا حركة قوية للاستشراق؛ لأن الإسبان يعتبرون الأندلس جزءا من إسبانيا، ويهتمون بالترجمات والآداب والعلوم العربية، كما لعب المستشرقون الإسبان دوراً في إحياء التراث العربي الإسلامي.

وأما عن أكثر المجالات التي تنقل عن الثقافة العربية فقال إن الأعمال الأدبية والمجال الأدبي هو أكثر المجالات التي ينقلها الغرب عن العالم العربي، مقابل ندرة في نقل الغرب عن العرب في المجال العلمي، وهو أمر طبيعي على حد تأكيده، قائلا «نحن نعتمد على الغرب في كل صغيرة وكبيرة، فما الذي سينقلونه عنا في العلم»؟

وأكد رئيس الجمعية المصرية للأدب المقارن أنه ليس مؤيدًا للفكرة التي تقول بأن كل المستشرقين يدعمون فكرة الاستعمار أو يعملون لصالح جهات أجنبية، معتبرا أن هذه الفكرة ليست صحيحة في مجملها، حيث يرى أن بعض المستشرقين قاموا بخدمة جليلة للحضارة العربية، ومن المجحف إنكار الدور الذي قام به هؤلاء المستشرقون وإنجازهم فيما يتعلق بنقل الثقافة العربية والشرقية وتعريف الغرب بها ومحاولة بناء جسر ثقافي في هذا الصدد.

 

مواجهات اللغة

عن مشروع الاستغراب في المقابل شدد أحمد عتمان على ضرورة دراسة اللغات الأجنبية، إذا كانت هناك إرادة ورغبة في التحاور مع شعب من الشعوب للمعرفة الجيدة بثقافته وحضاراته سواء القديمة والحديثة، فاللغة شيء حيوي ولا يمكن إقامة حوار دون ذلك..

مشيرا إلى أن تعلم ودراسة اللغات الأجنبية لا يضعف اللغة العربية - على حد زعم البعض- بل من الممكن أن يقويها. ودعا إلى ضرورة إقامة المؤتمرات والندوات العلمية الخاصة بالاستشراق كاتجاه وعلم كما يفعل المتخصصون في الدول الأجنبية الغربية المهتمة بهذا الشأن، مؤكدا أنه لا توجد دولة أجنبية لا يوجد بها معهد أو قسم داخل جامعة لدراسة اللغة العربية والثقافة الشرقية العربية، على عكس الغياب الواضح لحركة الترجمة في العالم العربي.

مآخذ على الترجمة

من جانبها قالت راقية جلال، المترجمة بالمركز القومي للترجمة التابع لوزارة الثقافة المصرية، إن هناك مآخذ على المستشرقين، تتمثل في النقل الخاطئ للثقافة العربية، وعلى سبيل المثال فعند ترجمة أحد الكتب عن عادات مجتمع من المجتمعات العربية يكون المترجم غير دقيق في كثير من الأحيان، فالمستشرق لا يترجم فقط، لكنه يتواجد في بلد ما فترة معينة لتتكون لديه شواهد ورؤى كافية تجعله قادرًا على أن يقوم برصد ظواهر معينة في المجتمع العربي.

فقد يكتب كتابًا أو بحثًا عما رآه في هذا المجتمع، وعادة ما يكون إدراكهم للظواهر الاجتماعية الموجودة في المجتمعات العربية والإسلامية ملتبسًا مع انطباعات شخصية، وأغراض أخرى ذات طبيعة شخصية غير محايدة. مؤكدة في نفس الوقت أن فكرة قيام شخص أجنبي بالنقل عن الثقافة العربية لثقافته شيء جيد ومطلوب، ويساعد على التقارب بين الحضارات والثقافات.

لكن ذلك لا يمنع أيضا أن هناك بعض مؤسسات الاستشراق التي تعمل تحت لافتات ثقافية، ولكنها في نفس الوقت تسعى ومن طرف خفي إلى تحقيق أغراض معينة تخرج عن النطاق العلمي، وأشارت إلى أن الترجمة جزء من عمل المستشرق ولكنها ليست الأساس؛ لأن مهمة المترجم تقتصر على النقل إلى أن يتمكن من ذلك، فقد ينتقل بعدها لمرحلة طرح جزء من رؤيته، أما المستشرق فيسعى إلى نقل صورة حضارية وثقافية كاملة وليس مجرد الترجمة.

 

أوجه متعددة

أما الدكتورة زبيدة عطا الله، أستاذة تاريخ العصور الوسطى بجامعة حلوان، وعضو المجلس الأعلى للثقافة في مصر، فترى أن حركة المستشرقين لها أوجه متعددة تتمثل في جانبين؛ أحدهما مشرق يتمثل في نقلهم عن الثقافة العربية والشرقية، وآخر مظلم فيه عدم إنصاف بعض المدارس الاستشراقية في التعبير عن الشرق والثقافة العربية، لافتة إلى أن كلمة مستشرق أو مستعرب كانت تستعمل بعد الفتح الإسلامي للأندلس، وتطلق على من اهتم وتعلم اللغة العربية في تلك الفترة من غير العرب.

وأكدت اهتمام الغالبية العظمى من الجامعات العالمية بالأدب والثقافة العربية، وأن أكثر ما يترجم عن الدول العربية في مجال الأدب والروايات، داعية إلى ضرورة وجود حركة ترجمة معاكسة؛ لأن هناك مؤلفات لا تصل إلى القارئ الأجنبي يجب ترجمتها لتتضح لديه الرؤية عن العرب والشرق بصفه عامة -على حد قولها.