رحل مقبول فدا حسين الملقب ببيكاسو الهند مؤخراً عن عالمنا بعدما ترك بصمته في عالم الفن أسوة بكبار الفنانين العالميين الذين خلدهم التاريخ. كانت رحلته الفنية حافلة بالعطاء حتى الأشهر الأخيرة من حياته، ودفعه شغفه بالفن إلى المزيد والمزيد من الإبداع خاصة بعد تجاوزه الخامسة والتسعين من عمره.
ارتبط اسم الفنان الهندي مقبول فدا حسين الذي عاش السنوات الأخيرة من عقده التاسع ومنذ عام 2005 بين دبي والدوحة ولندن، بفن الحداثة منذ عام 1940 ووصل إلى العالمية من خلال ارتباطه بمحليته وبيئته، رافضاً تبني المدارس الفنية الغربية أسوة ببقية الفنانين في بلده، معتمداً على فنون حضارات ثقافة الهند القديمة التي امتدت لأكثر من خمسة آلاف عام، حيث استلهم من فنونها أعماله وأسلوبه في الرسم.
ضم نتاج رحلته الفنية أكثر من 60 ألف لوحة، ووضع معظمها في أربعة متاحف، وعلى الرغم من تحقيق مبيعات أعماله ملايين الدولارات كان رصيده في المصارف صفراً. واعتمد في استلهام أعماله من مشاهد الطبيعة ومن ملاحم الأدب الهندي المهابهاراتا، ورامايانا ومن المعابد القديمة في الهند.
تميز أسلوبه الفني الذي ربط فيه بين تاريخ الهند والحياة اليومية سواء كرسام أو مصور فوتوغرافي أو صانع أفلام، بالغموض والألوان الحيوية وتعدد وجوه شخوص لوحاته. وصور في لوحاته بيئة الهند وطبيعتها وفولكلورها بأسلوب حداثي فريد يجمع بين البساطة والجماليات البصرية، التي يتواصل معها الإنسان العادي والفنان على حد سواء.
يذكر أن فدا حسين كان يعيش في وطنه الأم حتى واجه حملة من الهجوم من بعض الأحزاب السياسية عام 1990، بسبب لوحاته القديمة التي رسمها عام 1970 باعتبارها تجاوزاً لمعتقداتها. وحينما واجه تهديداً لحياته انتقل عام 2005 للعيش بين قطر الذي منحته جنسيتها، ودبي ولندن.
حيث بدأ العمل على ثلاثة مشاريع فنية جوهرية وضع فيها رحيق تجربته الفنية. أولها (الحضارة الهندية)، وثانيها (الحضارة العربية) ابتداءً من الحضارات القديمة كالبابلية والآشورية والفينيقية والفرعونية إلى الزمن الحاضر، أما المشروع الثالث فكان نابعاً من شغفه الدائم بالسينما، ورغبته في ترجمة رؤيتي الفنية لتاريخ لسينما الهندية على مدى 100 عام.
وأتيح لـ (مسارات) الحصول على فرصة مقابلة معه خلال تواجده في دبي في بداية العام الجاري بعد طول انتظار. وفي رحاب بيته البسيط الأثاث الذي زينت جدرانه لوحاته من مختلف المراحل، استقبلنا الفنان بسلوكه المتواضع وقامته الطويلة التي لم يحنيها الزمن، وبدأ اللقاء الذي كان أشبه بالتداعيات لمسيرة حياته الفنية منذ طفولته وحتى الحاضر، معتمداً على أبرز الأحداث التي كان لها أثراً كبيراً في نفسه.
الحب الأكبر
اختار مقبول البدء في الكلام من خلال لوحة له معلقة في مدخل بيته وهي بورتريه لامرأة شابة وقال، (هذه اللوحة لماريا زركوفا التي أحببتها منذ زمن طويل والتي تركت أثراً كبيراً في نفسي حتى يومي هذا. بدأت قصتي معها عام 1956 حيث تم اختياري من قبل الحكومة الهندية لإقامة معرض في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا آنذاك، ضمن برنامج التبادل الثقافي الذي كان يربط بين البلدين. ولدى وصولي العاصمة تم انتداب مترجمة لي وكانت ماريا التي رافقتني لمدة عشرين يوماً قبل افتتاح المعرض.
خلال تلك الفترة نشأت بيننا صداقة عميقة، فهمت من خلالها العقل الغربي خاصة وأن اهتمامي بالثقافات والحضارات الأخرى كان كبيراً؟ وهي بالمثل فقد كانت تحمل دكتوراه في علم اللاهوت مع اهتمام خاص بالحضارة الهندية. وتحولت الصداقة في داخلي إلى عاطفة قوية تجاه تلك الإنسانة التي سحرتني بروحها وألقها.
وفي يوم الافتتاح قدمت لها مفاجأة لم تكن لتخطر في بالها، حيث كانت قد ذكرت في الليلة السابقة للافتتاح أني أبالغ في تمسكي بالتقاليد الهندية ودليلها على ذلك كان لحيتي التي رافقتني لسنوات طويلة.
في مراسم الافتتاح فوجئت باختفاء لحيتي وقبل أن تتمكن من التعليق، أعلنت أمام الجميع أني أهدي جميع لوحات معرضي البالغ عددها 80 لوحة إلى ماريا زركوفا على الرغم من حالتي المادية المتواضعة. كانت مبادرتي نابعة من تقديري الكبير لها خاصة مع حبها وفهمها للفن إذ كانت حفيدة الجد الأكبر النحات الكبير بليك.
وهكذا استمرت علاقتنا لمدة ست سنوات، حيث كنت أزورها كل صيف. وخلال السنوات الست تلك دخلت في عمق الحضارة الغربية. وفي صيف عام 1961 قررنا الزواج. كان عليَّ أن أبيع إحدى لوحاتي في الهند إلى دبلوماسي ألماني وتم الاتفاق معه على قبض ثمنها في ألمانيا بالمارك للتمكن من تأمين نفقات الزواج. وهناك اشتريت سيارة صغيرة وقدتها بعد تعلمي السياقة لمدة ثلاثة أسابيع فقط. ومن إيطاليا حيث قابلت المخرج السينمائي الكبير روبرتو روسليني، توجهت إلى لندن واشتريت ثوب الزفاف، لأصل حدود التشيك في منتصف إحدى الليالي، حيث لاقتني ماريا.
جلسنا في أحد المقاهي وبدأت حديثها الذي كان صدمة عمري آنذاك. قالت لي أن زواجنا لن يمنحنا السعادة فارتباطي بالهند قوي وكذلك الأمر بالنسبة لارتباطها بحضارتها، واقترحت أن نبقى أصدقاء. وهكذا قمت بكتابة رسالة تؤكد ملكيتها لأعمالي وغادرت.
ومنذ ذلك اليوم لم ألتقيها وسمعت أنها تزوجت عام 1964 لتستقر بعد ذلك مع زوجها في ملبورن بأستراليا. ولم نتواصل حتى عام 2006 حيث دعتني لزيارتها. وفي بيتها وبرفقة زوجها أرتني لوحاتي الثمانين قائلة ان اللوحات كانت في عهدتها طيلة ذلك الزمن وعلي الآن أخذها معي فهي ملك الهند. كانت دهشتي أكبر من احتوائها خاصة وأنها تعيش حياة متواضعة، وحتى يومي هذا لا أصدق ما حدث».
المرأة في حياته
وجودي في الحياة مرتبط بالمرأة خاصة وأن ثقافتنا مرتبطة بقوة المرأة. وبحث دائم عن المرأة منذ طفولتي حيث توفيت أمي وعمري عام ونصف ونشأت دون أن أعرف حب الأم خاصة وأني عشت في مدارس داخلية منذ كنت في العاشرة. عشت طفولتي بعيداً عن أي رابط عائلي، كان بيت.
والدي بمثابة مأوى خلال عطلاتي المدرسية حيث كنت أقضي معظم يومي خارجه أرسم الطبيعة. انفصالي عن هذا الحب جعلني غير قادر على الارتباط الأسري على الرغم من زواجي وانسحب هذا الأمر على أبنائي أيضاً، وإن كنت ملتزماً بتوفير احتياجاتهم، وما ساعدني على ذلك قوة زوجتي وتفهمها لي. أحب المرأة كرمز لتلك العاطفة التي أبحث عنها دائماً خلال رسمي للوحاتي أو الأفلام التي قدمتها.
رحلته مع الفن
شاهدت عام 1931 فيلماً من هوليوود شكل منعطفاً رئيسياً في حياتي وكان عن حياة الفنان رامبرانت الذي كان يحاول رسم المشاعر الإنسانية في لوحاته. بعد مشاهدتي للفيلم أدركت مصيري وبدأت رحلتي مع الفن وكنت أرسم خلال عامين ليلاً ونهاراً، بواقع 10 إلى 15 لوحة في اليوم. إضافة إلى قراءتي لكتب الفن في مكتبة الجامعة من خلال مرافقتي لجار لنا كان طالباً في الجامعة.
حينما عرض علي والدي الذي كان محباً للثقافة والموسيقى أن أدرس في أكاديمية للفن، رفضت الفكرة إذ تبين لي أن مستواي في الرسم يوازي طلاب السنة الخامسة، ودراستي ستكون هدراً لقدراتي.
وعليه دعمني والدي في الذهاب إلى بومبي لأبدأ مشواري الفني وكنت في السابعة عشرة من عمري. كان يتملكني حينذاك شغف كبير بالسينما وكان حلمي أن أدخل عالمها وأشارك في صناعتها. وأدركت في بومبي أن حلمي صعب المنال خاصة لتكاليف صناعتها العالية، واكتفيت برسم ملصقات الأفلام لتأمين قوتي اليومي، وما كنت أجنيه كان يكفيني لتناول قوت يومي ومتابعة الرسم أما المأوى فكنت كالباقين أفترش الرصيف والحدائق. كنت سعيداً بقربي من السينما.
التفرغ لفنه
في بومبي ولما يقارب من 11 عاماً كنت أرسم باستمرار وعلى الرغم من حصولي على جائزة ذهبية في الرسم، لم يلتفت أحد إليّ. ولم أكن خلال تلك الفترة أعرض أعمالي على أحد أو أشارك في أي معرض حتى عام 1947. فمع حصول الهند على استقلالها تم تنظيم معرض جماعي شاركت فيه بعدد من اللوحات وكنت حينها في الخامسة والثلاثين من عمري، كنت حينها متزوجاً وعندي طفلين.
وخلال المعرض عرض عليّ مجموعة من الفنانين الانضمام إليهم لتشكيل مجموعة تدعوه إلى التخلي عن الأسلوب الغربي في الرسم والعودة إلى ثقافتنا الفنية. وهنا اتخذت قراراً جديداً بالتفرغ للرسم بشكل كامل وكان لدي ما يكفي من المال لإعالة عائلتي. وهكذا غادرت بيت الأسرة، لأرسم الطبيعة والحياة اليومية وأنهل من ثقافتنا الفنية، بعيداً عن فن الصالونات.
درست فن التشريح حسب فنون ثقافتنا التي كانت تقارب الفن الحديث الذي تجاوز أسس فن التشريح التي اعتمدها الإغريق، وبعد رسمي لآلاف اللوحات انتقلت إلى دراسة ألوان حضارتنا التي تعتبر جزءاً رئيسياً من ثقافتنا الفنية، واخترت ألوان المناطق الجبلية التي تحمل الكثير من الخصوصية والجماليات.
كانت المرحلة الثالثة تتمثل في كيفية تواصلي مع المتلقي العادي، وعليه وجدت مدخلي من خلال التراث والفولكلور المرتبط بالناس، ومن المهرجانات والاحتفالات إلى الملاحم التاريخية في أدبنا كالمهابهارات وغيرها. وهكذا رسمت لوحاتي اعتماداً على هذه المحاور.
خارج التيار
في الخمسينات والستينات اجتاحت الهند موجة الفن الغربي المتمثلة بتيارات الأسلوب التجريدي، والتي تبناها معظم الفنانين الكبار في الهند. ونظراً لعدم ركوب الموجة اتهمت علناً بأني أفلست فنياً وبت خارج عالم الفن، بالطبع أثر علي هذا الأمر وعشت في ضائقة مادية على مدى 10 أعوام.
وخلال تلك الفترة أتيحت لي الفرصة لعمل فيلم بتمويل من الحكومة، وقدمت فيلماً بعنوان (ما تراه عين الفنان) ويشبه معادلة بصرية بأسلوب سريالي، وكانت عناصر المعادلة بقرة وشمسية وقنديل وحذاء. رفضت الحكومة الفيلم وبت مادة للسخرية من قبل الجميع.
قام بعد ذلك أحد العاملين في الحكومة بمبادرة فردية بإرسال الفيلم إلى متحف نيويورك للمشاركة في العروض. وحينما احتفت نيويورك بعملي وأشادت به كظاهرة فنية متقدمة طلبت منهم توجيه رسالة إلى حكومتي تفيد بذلك. بعد استلامهم للرسالة أرسلوا الفيلم إلى مهرجان برلين حيث فزت بجائزة الدب الذهبي. حينها عدت بقوة وثقة لمواجهة الجميع وعلى رأسهم عصبة الفنانين.
وفي السبعينات ومع عودة الاهتمام بالفن الكلاسيكي والحديث والإقبال الكبير عليه، خاصة بعد مشاركتي في العديد من المعارض في الغرب، أثبت للجميع أن الفن الأصيل والحقيقي لا يتأثر بالموجات الفنية وبأن الفنان الحقيقي من يرسم بأصالة بعيداً عن مفهوم الأسواق.
كل ما يحتاجه الفنان لتحقيق مكانته هو التركيز على هدفه وتكريس نفسه له والاحتفاظ بالتواصل مع العقل والروح من خلال العمل المستمر فإن توقفت يد الفنان وريشته انقطع التواصل.
