لم يتعرض البحث بالدراسة الوافية لكثير من المفاصل في اللهجة المحلية الإماراتية، أو ذهب إلى تلك المواصفات التي تكتنزها مباشرة، أكثر من المتون التي قدم الباحث فالح حنظل، حينما تطوع قبل أكثر من ‬30 سنة لكي يلقي الضوء على مفرداتها واشتقاقاتها وجذورها الممتدة إلى اللغة العربية الفصحى، وبعض اللغات التي احتكت بها عبر السفر وعبر الحدود.

 

اللهجة المحلية تكاد اليوم تنسل من بين ثنايا الذاكرة، وينفرط عقد لآلئها، بعد التحولات التي احدثتها عمليات الانفتاح، وبعد هجين اللغات واللهجات الذي عم الشارع المحلي، نتيجة تحولات اجتماعية واقتصادية وديموغرافية طرأت على مجتمع الإمارات.

وبعد أن ولد جيل وسط له تعددية ثقافية واسعة، جعلته يتخلص من مفردات العامية الغارقة في المحلية، من أجل مفردات جديدة تحقق مساحة جيدة من التقاطع مع الآخرين وتسهل عملية التواصل، وقد فوتت الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والديموغرافية، على العامية الكثير من التأملات، حتى أصبحت مفردة عند الشاعر بن طناف أو راشد الخضر أو الجمري وسواهم صعبة على الفهم والذائقة.

 

العامية لم تشخ

يقال إن اللغة وكذلك اللهجة هي كائن حي يعيش المراحل الثلاث من عمره، يعيش ويهرم ويموت في النهاية، لكن هذا يحدث حينما تكتمل دورة الحياة، ولهذا فإن العامية المحلية عند أهل الإمارات لم تشخ ولم تمر بحالة العجز، حيث لم يتأثر من ملامحها حتى الآن هو لدى أهل المدن الكبرى ولدى اهل الساحل القريبين من النافذة الكبيرة المطلة على الخارج، لكن في العمق تحافظ المحلية على بريقها.

وهذا أيضاً لا يرضي الذين لا يقبلون التطرف في الخصوصية، ولا يرضي منطق مستقبلية اللغة العربية الفصحى، كونها الأصل والجامع والأبقى واللغة الأم، وهي التي لابد أن تعيش ولابد للشوائب أن تذوب أو تموت حولها. لكن مع هذه المسلمة، تبقى اللهجات التي احترمها علم اللسانيات كثيراً، ودفع لتأملها، وسعى لتفكيك بنيتها وصفياً وتاريخياً خدمة للبحث هي مثار انتباه وبحث أيضاً، باعتبارها كائناً تسكنه روح، وسجل عبرها الانسان ثقافة وخصوصية، وهذه الخصوصية هي التي تزود عالم الاجتماع بما يريده.

وتتصف اللهجات باختلافها، كما هي اللغات الرئيسية بصفات تفرقها عن بعضها، وتحدد قدرتها على تلبية استخداماتها، مثل ما وجد علماء اللغة في اللغة العربية ومميزاتها التي تفوقت بها على اللغة الإنجليزية والفرنسية، بل واللغة الأم اللاتينية، في صفات منها أنها لغة اشتقاق ولغة الفعل الثلاثي.

وهي صفات لم توجد في اللغات الأخرى، واللهجة رغم أنها هامش من هوامش اللغة الأصل، إلا أن الجزء يحمل بعضاً من صفات الكل، وبالنسبة للهجة الإماراتية، فإن الشعر بمختلف دواعيه وأغراضه لا زال مرآة العامية الإماراتية التي يبين قدرتها على العطاء في مجالات انفعالية مختلفة.

لكن كثيراً ما يشار إلى أن اللهجة الإماراتية لهجة بقدر ما تحمل من رومانسيات وشاعرية تحمل كذلك قدرة على تركيب السخرية، أو المفارقة الساخرة، إذ تساعد مفرداتها والإيقاع الصوتي لها كثيراً في هذا الشأن، ومثلما أسلفنا فإن الشعر هو مرآة واضحة لجماليات العامية الإماراتية.

نماذج من مقاطع شعراء

حين نقرأ قصيدة للشاعر راشد بن طناف، وهو من أكثر الشعراء كتابة في القصائد التهكمية والحاملة لنزعة ساخرة، نرى أوجهاً عدة، حيث يقول:

يا شوق عنكم خاطف ابدوق

بشـراع ومشغّـل مكينـه

مامن طعـم فيكـم ولا ذوق

حاشــا ولا فيكــم حـنينـه

فكلمة (خاطف) تعني البحار، الذي يبحر رافعاً شراعه ويسير بسفينته في البحر، لكننا نعلم أن السفينة لا تسير إلا بدفع الريح لهذا الشراع، ولكن مفارقة بن طناف في مفردة (بدوق) وهي من (دوق الهوا).. أي سكون الهواء، وانتفاء وجود الرياح.

وبهذا تكون المفارقة في هذا الشطر عند طناف في هذه المقاربة: يا شوق أنا ذاهب عنكم بسفينة تسير بشراع في سكون الريح، ويعود في عجز البيت ليقول: بشراع ومشغل مكينة، ومن المعروف أن السفن التي تستخدم الشراع لا تستخدم ماكينة، لكن أيضاً هذا ما يريد أن يقوله طناف في مفارقته، وإثبات سير سفينته رغم سكون الريح، ويتهكم طناف من حبيبته في البيت الثاني، كما هو واضح، لكنه سيعود لاحقاً ليمتدح بمفارقته المضحكة.

كما جمع الراحل سلطان الشاعر بين الشاعر الساخر وبين الممثل الكوميدي عبر مسلسله التلفزيوني الشهير (اشحفان القطو)،

وربما في الآونة الاخيرة اشتهر سلطان الشاعر كممثل كوميدي لدى جيل الشباب أكثر من شهرته كشاعر ساخر، لكن سلطان الشاعر برع في المجالين، ولا زال الارشيف الشعري يسجل له قصائد تثير الضحك، فهو الذي عقد حوارات وسجلات ذات حمولات عجيبة، بينه وبين نعجة أكلت له (شيكاً)، وبين الجمل وسيارة اللاندروفر.

وقصيدة طويلة عبارة عن حوار ساخر بين الماضي والحاضر، وقصيدة تحكي قصة الفأر الذي سكن في قاع السفينة وأخذ يأكل من مخزونها ومطاردة الشاعر له، واتكأت تلك الكوميديا الشعرية على مفردات اللهجة المحلية وتراكيبها وقدرتها الصوتية على تمثل المشاعر المختلفة، وتوافق تلك الأصوات مع الايقاعات الخارجية والداخلية لقصيدة الشاعر. ويقول سلطان الشاعر:

 

يا العنز دستي نحس وخساس

وش سلطج عل الجيك كلتيه

قالت أنا اتحراه قرطاس

مـــادري ان فـــلوســــكـم فـــيه

قلتلها امبونج دستي انحاس

الجـيــك في ســاعة مضغــتيه

قالت حشا والله يا ناس

ســلـــطـان صـــبر لا تــذمــنـيه

ببديلك القصة من الراس

أنـــا الســـــبب ما هــــوب منيه

من الأهل لي تاحو القرطاس

واتحسبهم مالهم شغل فيــه

والمتأمل يلاحظ مفردات وتراكيب مثل (دستي نحس)، وهي دلالة عناد واصرار، و(وش سلطج) من سلطك، و(ابمونج)، وهي مفردة تغيب اليوم عن العامية المتداولة في اليوميات، فالعامية الإماراتية حتى وإن كانت ناعمه في جانب من جوانبها، الا انها تحمل شيئاً من الخشونة، مردها حياة البحر وحياة الصحراء وتلاقيهما، (انا السبب ما هوب منيه)، بمعنى لست أنا السبب، لكنها في هذا التركيب تبدو العامية المحلية أكثر موسيقية.

في المونولوجات المسرحية التي كتبها بالعامية كتاب عديدون تميزوا بغزارة في المفردات وجماليات المحلية، ففي مفردات الراحل سالم الحتاوي نتأمل هذه التراكيب للعامية من مسرحية (ليلة زفاف) للكاتب الراحل سالم الحتاوي: (ايلس على السيفه كل مغرب واتطالع الشمس وهي سايره بعيد، سايره تسكن لمغيب.

وافكاري ادور في سجي المايه وثبرها، انشد عنك موي البحر وقماشه، أقول الهم خبروني شفتو زين الشباب، نوخذا بحر من زمانه، شجاع ما يهاب البحر، نذر عليه ياموي ان طلع غناتي بكامل صفاته، لارفع ثوبي من الجدم وادفن ريولي على سيف البحر اترياه، والبس ثياب العرس مطرزه بحروف اسمه ومزاياه، اطرش من ورا الموي شوقي ولهفتي اتلقاه).

 

في معية التعددية الثقافية

تندثر المحلية الأصلية اليوم بفعل الانفتاح، وتغيب تراكيبها في معية التعددية الثقافية، بل وصل بها الحال الى التشويه، فيما يبقى الشعر والمسرح والدراما حاملين لها كتابة وتدويناً، وفي محاولات القبض على العامية الإماراتية، والمحافظة عليها كانت هناك جهود من بينها كما ذكرنا محاولات الباحث.

ويقول فالح حنظل في مقدمته لكتابه (انكببت على المعاجم والقواميس العربية، أغترف من مادتها، لأقارنها بالمادة التي عندي، وحصلت على مجموعة من قواميس اللهجات العامية العربية الأخرى، وخاصة مجموعة الشيخ جلال الحنفي في اللهجة العامية البغدادية، ومجموعة الألفاظ العامية الكويتية، علاوة على بعض دواوين الشعر العامي القطري والبحريني والسعودي.

وكان مما ساعدني على فهم المواد بصورة واضحة هو أني عربي من العراق، وقد تلاقت لهجة أهل البصرة في العراق بالكثير من لهجات الحضر وأهل البحر من أهل الإمارات، كما تلاقت لهجة البدو في العراق بالكثير من اللهجة البدوية في الإمارات أيضاً. إلا أنه ورغم ذلك كله لم يكن أمر الحصول على كل الألفاظ ومعانيها بالسهل اليسير، حيث لم يسبق لأحد أن وضع معجماً بهذا الخصوص، اللهم إلا ما تعرض له الدكتور مانع سعيد العتيبة في كتابه (اقتصاديات أبوظبي قديماً وحديثاً)، حيث دون مجموعة قليلة من الألفاظ ومعانيها تختص بالغوص، وصناعة استخراج اللؤلؤ وتجارته).

بهذا الجهد انجز الباحث فالح حنظل مجهوداً كبيراً، ومرجعاً مهماً، ويتيح للباحثين الدخول الى مفاصل مهمة لجسد المحلية الإماراتية ويبين على هوامش معاني مفرداتها واشتقاقاتها شيئاً جيداً من التاريخ أثرت في العامية، إثر دخول مفردات اللهجات المجاورة والمسافرة إليها عبر الحدود.