وسط متابعة العالم للتطورات المتتابعة في إطار ثورات شمال إفريقيا، تساءل الكثيرون عما إذا كانت هذه الظاهرة يمكن أن تنتقل إلى إفريقيا جنوب الصحراء، ومن هنا جاء الاهتمام الكبير بالكتاب الذين ينتمون إلى هذا الجزء من العالم والذين حاولوا إلقاء الضوء على الغليان الذي يجري تحت السطح هناك، وفي هذا الإطار استقطبت الكاتبة الإثيوبية مازا منغستي الاهتمام بروايتها الصادرة أخيراً بعنوان دال هو «تحت نظرة الأسد المحدقة».
أجرى موقع بازال الالكتروني الثقافي المتخصص مقابلة معها، شددت فيها على أنها ليست إلا واحدة من كتيبة بكاملها من الكتاب الأفارقة الشبان الذين يحاولون لفت أنظار العالم إلى خطورة نتائج الصراع الذي يدور في بلادهم، وقالت إن روايتها تبرز في المقام الأول الطابع الإنساني لضحايا الصراع الوحشي الدائر في إفريقيا، ولفتت الأنظار إلى أنه ما من شيء في عالمنا يحدث بمعزل عن غيره، وأشارت إلى أن الرواية لا تنطلق على وجه الدقة من رؤية نسوية للعالم، وإنما هي تبرز، ضمن جوانب أخرى عديدة، الصراع بين الأجيال في المجتمع الإثيوبي الذي يواجه العديد من التحديات، والصراعات بصورة متداخلة ومتزامنة، وفيما يلي نص الحوار:
لماذا اخترت لروايتك عنوان «تحت نظرة الأسد المحدقة»؟
لقد غيرت الأحداث التي وقعت عام 1974 حياة الملايين من الإثيوبيين بما في ذلك حياتي. وقد أحسست بأن ذلك يعد بمثابة قصة مهمة يتعين أن نرويها، لأنها قصة الكثيرين ممن عرفتهم، وجزء من تاريخي الشخصي أيضاً، وكانت لديّ ذكريات كثيرة عن الأيام الأولى للثورة، وفيما كبرت ونضجت بدأت في محاولة وضع هذه الذكريات في سياق تاريخي وسياسي، وجاء الكتاب ثمرة لهذه السنوات من البحث والتحقيق.
تبدأ أحداث الرواية، التي ينفطر لها القلب، في أديس أبابا عام 1974 قبيل الثورة الاثيوبية، وهي في جوهرها حكاية ملحمية، تدور حول أب وابنيه، حول ألوان الخيانة والولاء، حول عائلة تتفكك في أعقاب الثورة، فهل هذا هو الخط الرئيسي للرواية؟
تروي رواية «تحت نظرة الأسد المحدقة» قصة نضال عائلة في إطار محاولتها للتعامل مع المتغيرات العديدة التي جلبتها الثورة الآسيوية معها. ورأس العائلة، الذي يدعى دكتور هيلو، هو طبيب بارز في أديس أبابا، وله ابنان هما يوناس وداويت، ولكل منهما طريقة مختلفة في التعامل مع العنف والفوضى اللذين جلبتهما هذه المرحلة. ويجد هيلو نفسه عاجزا عن السيطرة على أبنه داويت، الذي ينخرط في العمل في صفوف جماعة مقاومة سرية تحاول التصدي للطغمة العسكرية الحاكمة التي تدعى باسم «الدرج».
والتي تسيطر على مقاليد الحكم في إثيوبيا. وفي غضون ذلك فإن ابنه الآخر يوناس يعلق الآمال على أن الصلاة ستساعد على التوصل إلى سبيل للتعامل مع ما يجري. ويجد هؤلاء الرجال الثلاثة أنفسهم وهم في غمار اتخاذ قرارات تبعدهم بعضهم عن البعض الآخر. وعلى الرغم من أن هيلو يحاول إبعاد داويت عن النشاط السياسي، إلا أن الأب نفسه هو الذي يتخذ قرارات تضع العائلة بكاملها في دائرة الخطر.
هي إذن رواية تدور حول المدى الذي يذهب إليه البشر في غمار محاولتهم الوصول إلى الحرية والثمن الإنساني الذي يدفع لقاء الثورة الوطنية. هل يمكنك إلقاء الضوء على هذا الجانب؟
في رواية «تحت نظرة الأسد المحدقة» تواجه كل شخصية من شخصياتي خيارات تجعلها تتساءل عما هو خطأ، ذلك أن الاضطراب والعنف قد جعلا الخير يختلط بالشر. ويجد هيلو ويوناس وداويت وكذلك سارة زوجة يوناس وميكي صديق طفولة داويت أنفسهم يتخذون قرارات ما كان يمكن لهم أن يتخذوها أبداً في أزمنة السلم. وهم يشاهدون الثمن الباهظ للثورة، ويقرررون التحرك، غير أن النتائج لا تفضي على الدوام إلى حياة أفضل.
هل كان تأليف هذه الرواية بمثابة تجربة محررة بالنسبة لك؟
لم تكن كذلك على نحو مثير للدهشة، وقد ظننت أن هناك مسافة كافية تفصلني عن الماضي بما يسمح لي بتأليف هذه الرواية، ولكنني في غمار عملية تأليفها اكتشفت كم أن الأمر كله لايزال مؤلماً بالنسبة لي. وقد ناضلت على الصعيد الانفعالي عبر العديد من اللحظات في الكتاب، وعبر العديد من أجزائه، ولم أستطع مراجعته أو اعادة قراءته لوقت طويل بعد كتابة مسودته الأولى.
هل كان الكتاب في ذهنك بمثابة التغيير الذي تريدين رؤيته في أثيوبيا وفي إفريقيا وفي العالم؟
لقد أردت تأليف كتاب يبرز الجوانب الإنسانية في ضحايا الصراع الذي جرد الناس من إنسانيتهم، وأردت الارتباط بالناس الذين يوضحون لنا أن هناك أسبابا تاريخية واجتماعية وسياسية للصراع والعنف. وكان قصدي، في أحد جوانبه، أن أوضح أن الأثيوبيين والأفارقة الآخرين ليسوا مؤهلين مسبقاً للعنف، وأن هناك الكثيرين الذين بذلوا قصارى جهودهم لمقاومة ذلك العنف. ولم أكن أتصور أن يكون ذلك أي نوع من التغيير، وكنت أحاول ببساطة أن أروي قصة مهمة، وتقوم على هذه المثل العليا أيضاً.
كيف واتتك فكرة تأليف رواية عن تاريخ لم يكشف أحد النقاب عنه؟
هناك عدة أسباب، ربما كان أهمها متمثلاً في الحقيقة القائلة إن الثورة في إثيوبيا أحدثت تأثيراً في حياة الكثير من الناس الذين عرفتهم، بما في ذلك حياتي وحياة عائلتي. وأعتقد أن من الطبيعي أن يتوقف المرء عند لحظة معينة في الحياة، ويتساءل: «كيف وصلت إلى هنا؟ ما هي الأحداث التي وصلت بي إلى هذه اللحظات في حياتي؟». وغالباً ما تساءلت عن هذه الأمور خلال سنوات نضجي في الولايات المتحدة، وتجاذبت أطراف الحديث مع أصدقاء أثيوبيين، واستمعت إلى قصص تجاربهم في غمار محاولتهم التوافق مع الحياة في أميركا.
ماذا عن الشخصيات، التفاعل، الأشكال، الناس وأهمية العلاقات المتداخلة في الرواية؟
حتى في حياتنا، فإنه مامن حدث يقع بمعزل عن غيره. فالأشخاص المختلفون والمواقف المختلفة تتقاطع، وتجبرنا على اتخاذ قرارات وتغيير بؤرة اهتمامنا، وقد أردت أن يقوم هذا الكتاب على أساس هذه الفكرة، وأردت أن أسرد هذه الرواية من أكثر من منظور، حيث أدت الثورة إلى تمزق العائلات، ووجد الأخوة والأخوات أنفسهم منتمين إلى جوانب مختلفة، ووجد الآباء والأبناء أنفسهم يتصادمون. وقد أردت أن أنقل ذلك في الكتاب، وأن أترك للأصوات المختلفة مجالها الخاص الذي تتشارك فيه أفكارها.
هناك المزيد من النساء يكتبن اليوم في مختلف أرجاء العالم. هل روايتك تسرد من منظور نسوي؟
لست واثقة من ذلك، فقد كتبت هذه الرواية انطلاقاً من العديد من الأصوات، بما في ذلك شخصيات ذكورية. ولست أدري ما إذا كان كوني مؤلفة قد أضفى على الكتاب منظوراً نسوياً، وأعتقد أن منظوري خاص بي، ولكنني لا أعتقد أنه تأثر بالنوع في المقام الأول.
الكلمات تبدع عالماً عبر الصور. كيف تريدين أن يقرأ الناس روايتك وأن يتذكروها؟
أكثر ما أريد للناس أن يتذكروه هو أن هذه الرواية تدور في المقام الأول حول عائلة، حول قوة مجموعة من الناس أقبلوا معاً باسم الحب.
تتضمن ليلة مظلمة وعاصفة أيضاً صراعا بين الأجيال. كيف ينطبق ذلك على حالتك؟
إذا كان المقصود هو التساؤل عما إذا كنت أتحدث عن الصراع بين الأجيال في كتابي، فإن الإجابة هي نعم، وهو أمر يتجلى في التوتر بين هيلو وبين الإبن الأصغر دوايت، ويبرز في الجدل بين داويت وأخيه الأكبر يوناس.
كيف تصنفين نفسك بين الكتاب الجدد على امتداد القارة الإفريقية؟
أنا لست إلا واحدة من كتيبة بكاملها من الكتاب والمبدعين الأفارقة الشباب، الذين يكتبون باللغة الانجليزية، وهذه الكتيبة يتصدرها الكتاب النيجيريون كريس أبانا، شيمامندا نجوزي أديتشي، وهيلون هابيلا، ويوديم أكبان، وأوزودينما إيوالا، وكذلك أمنياتا فورنا من سيراليون. والموضوع الرئيسي الذي نكتب عنه جميعاً هو الحروب الأهلية في القارة الإفريقية في مرحلة ما بعد الكولونيالية، ونحن لا نخشى من تصوير العنف الوحشي الذي يندلع في بلادنا، ولا نتردد في إيضاح كيف أن معذبي الأرض الذي تحدث عنهم المناضل المارتنيكي فرانز فانون قد تحولوا إلى قائمين بالتعذيب.
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي نبذلها في أعمالنا، إلا أن هناك من النقاد من لايزالون يرون أنه يتعين علينا أن نحقق الاقتدار في التعامل مع الأرضية المظلمة التي ننطلق منها بحيث نصل إلى ما حققه كتاب من نوعية الروائي الصومالي نور الدين فرح الذي ينتمي إلى جيل أكبر سناً في الروايات التي انجزها عن صراعات بلاده.
تمتعت أثيوبيا بوضع فريد في المشهد الإفريقي في تلك المرحلة، فكيف قمت بتوظيف هذا النسيج ما بعد الكولونيالي في إنجاز روايتك؟
لقد قدمت تصويراً دقيقاً للوضع الرهيب للأيام الأخيرة من حكم هيلاسلاسي، وهذا التصوير كان ينبغي أن يمضي جنباً إلى جنب مع الحساسية الشديدة للقراءة الملتوية لجاذبية هيلاسلاسي المغناطيسية والمصير الذي انتهى إليه بعد حكم استمر سته عقود، ومن المؤكد أن من الصعوبة بمكان سرد قصة هيلاسلاسي وأيضاً قصة الطغمة العسكرية التي أطاحت به في عمل روائي واحد، ولكن هذا هو بالفعل ما قمت به.
حظيت روايتك باهتمام كبير قلما تخطى به رواية أولى، فكيف كان تأثير هذا الاهتمام الاستثنائي عليك؟
تأثرت كثيراً بالاهتمام الذي أبدته المجلات المتخصصة في عروض الكتب بالرواية فور صدورها، وتوقفت كثيراً بصفة خاصة أمام القراءة التي قامت بها مطبوعة «لايبراري جورنال» في الرواية، وتوقفت طويلا عند قول المجلة في معرض تحليلها للرواية:
«على الرغم من أن الصور التي تقدمها عن الوحشية في هذه الرواية هي صور تفصيلية وممتدة، إلا أنها في الوقت نفسه صور واقعية وأسيرة، الأمر الذي يؤهل مؤلفتها للانضمام إلى الجمع المحدود من مبدعي الرواية في إثيوبيا، وفي مقدمتهم ابراهام فرجيزي مؤلف رواية «قطع الحجر» وكاميلا جين مؤلفة كتاب «عذوبة في البطن» وهو تقييم أتمنى أن يوافق عليه عشاق الرواية التاريخية، على الأقل في إطار تقاليدها الاثيوبية.
إذا كانت تلك هي رؤية المجلات المتخصصة لروايتك، فكيف نظر إليها الروائيون والنقاد المعنيون بالأدب الإثيوبي؟
هناك قراءات أعتز بها أشد الاعتزاز لروايتي من جانب كتاب تهمني آراؤهم، وفي مقدمتهم كريس أباني مؤلف كتابي «جريس» و«عذراء اللهب» الذي كتب عن روايتي يقول: «بكلمات تترك بصمة خفيفة ورفيقة على الصفحة، وبخيال متعاطف يؤثر في كل شيء يلمسه، تقدم الروائية الإثيوبية مازا منجستي قصة مهمة من جزء من إفريقيا التف بالصمت طويلاً في جمهورية الأدب العالمية». وأعتز أيضاً بقراءة يوويم أكبان، مؤلف مجموعة «قل إنك واحد منهم»، الذي قال إنني من أبناء العائلة التي تتحدث عنها هذه الرواية، ووصفني بأنني كاتبة موهوبة وجريئة وممتلئة بعناصر الجدة، والتميز وانه يتطلع إلى قراءة كتابي المقبل.
يرى بعض النقاد أن أحد جوانب الاهتمام الكبير بروايتك الأولى يرجع إلى أنه قد مضى وقت طويل على صدور عمل روائي مميز من المنطقة. فما هو تقييمك لهذه الرؤية وما مدى دقتها في اعتقادك؟.
لست أريد طرح رؤيتي الخاصة في هذا الصدد، ويكفي أن أشير إلى ما كتبه داجوبيرتو جيلب، مؤلف كتابي «سحر الدم» و«الزهور» عن روايتي، حيث ذهب إلى القول: «إن الأدب القادم من مناطق الهامش غالباً ما يكون ضعيف الإضاءة بحيث لا يفسح المجال أمامنا للرؤية، ولكن الروائية الإثيوبية مازا منجستي تمضي بنا في رحلة الصيد السياسية المظلمة هذه، بالاستعانة بالرؤية الليلية التي يتمتع بها أسد. وهي رواية وحشية ورقيقة في آن، وتتمتع بقدر مدهش من الجرأة والاقتدار، وتعكس إنجازاً يتجاوز بكثير ما هو مألوف بالنسبة لنا في الكتاب الأول الذي يتقدم به مؤلف جديد».
وأياً كان ما يقوله الكتاب والنقاد فيما يتعلق بروايتي، فإنني أعتقد أنها، في نهاية المطاف، عمل على جانب كبير من القدرة على إثارة اهتمام القارئ، وهي تشكل ارتياداً لآفاق تكاد تكون مجهولة تماماً بالنسبة للكثيرين، وربما كان هذا هو السر في اهتمام الكثير من دور النشر على امتداد العالم بشراء حقوقها الفكرية تمهيداً لترجمتها، وإصدارها بلغات أخرى عديدة غير اللغة الإنجليزية.
