لا يمكن الإلمام بما قدمه الكتّاب والأدباء في العراق، من قصص وروايات، منذ البدايات الأولى وحتى وقتنا الحاضر. فقد انعكس التاريخ العراقي، بكل مراحله السياسية والاجتماعية، على مضمون المنتج الإبداعي. النتاج وتفاعل التاريخ بالأدب والسياسة بالسيرة الذاتية للأدباء. وإذا كان الشعر متأصلاً في العراق، فإن القصة والرواية لا تزالان حديثتي العهد كما هو الحال في معظم البلدان العربية.
ربما يكون الأديب، عبد الحق فاضل (1911-1992)، المبادر الأول لكتابة قصة «مجنونان» في بغداد، في 13 مارس 1936، وصدرت مطبوعة في كتاب من مطبعة «أم الربيعين» في الموصل عام 1939، إلا أن أحداً لم يصنف هذه القصة، إن كانت قصة طويلة أو رواية.
وظل الأمر معلقاً دون الحاجة للتصنيف أمام مبادرة الريادة، إلا أن الدكتور علي جواد الطاهر قد قدم دراسة تحليلية لهذا الإنتاج الرائد واعتبره تطويلاً لقصة، وليس قصة طويلة، بل حاول الطاهر أن لا يخلط هذه القصة بالرواية. وذلك في معالجته ضمن «من حديث القصة والمسرحية» الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة ــ بغداد- 1987.
كان الإنتاج الروائي ضعيفاً ومتباعداً ومحدداً بفئة قليلة من الأدباء، ففي عام 1955 نشر شاكر جابر، روايته الأولى بعنوان (الأيام المضيئة)، والتي اعتبرها الدكتور داود سلوم رواية جديدة في إطار المقدمة التي كتبها، إلا أن الدكتور علي جواد الطاهر، لم يعترف بها كرواية على عادته، لأنه يمتلك بعده النقدي.
إذ كان يقارن هذه الروايات التي تشكل باكورة الإنتاج الروائي العراقي بما حققه الأدباء الغربيون في هذا المجال، أمثال سنتدال، وديستويفسكي، مع اعترافه الضمني بأنها جيدة وممتازة، إلا أنه يطبق عليها مفاهيم الرواية الأوروبية التي درسها وتشرب بها، وهو ناقد معروف بفلسفته النقدية وقياساته التي اعتمدت على عمق تجربته، وتأسسه العلمي الأكاديمي، وبالأبعاد الأوروبية التي قدر له أن يدرسها خلال دراساته العليا في أوروبا.
مرحلة الخمسينات
وفي عام 1957 كتب شاكر خصباك روايته الأولى «حياة قاسية»، وتزامن ذلك مع «الوجه الآخر» لفؤاد التكرلي. ويقول د. علي جواد الطاهر عن فترة الخمسينات، ورغم ما حققه الأدب العراقي من تطور نوعي، بتعدد الأصوات الروائية، وتعدد الروايات، يقول:
(وهكذا نشرف على ختام الخمسينات وليس لدينا مصطلح أو نية مصطلح، وإن ما كتبناه من قصص على أنه طويل، ليس في حقيقته من الرواية في شيء، وإن ما سميناه قصة طويلة «رواية»).
وتستمر الحياة الأدبية، وتنتشر العديد من المجاميع القصصية لعدد من كتاب القصة العراقية، إلا أن طالباً في كلية الآداب يصدر روايته الأولى بعنوان «المدينة تحتضن الرجال» عام 1960، ولتشكل الأعوام التي تلي ظهور اتجاهات جديدة عند كتاب القصة القصيرة في العراق بظهور أقلام جديدة تأثر بعضها بالواقعية، والواقعية الاشتراكية.
بينما تأثر آخرون بوجودية سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، وتوقفت بعض الأقلام القديمة إثر التحولات التي شهدتها المرحلة بتحول كُتاب القصة إلى روائيين، إذ فاجأ غائب طعمة فرمان ، والذي كان منفياً في موسكو بروايته الأولى (النخلة والجيران) عام 1966( )،.
وهي من الروايات المتطورة على مستوى التجربة العربية في وقتها، ما شكل ظهورها نقله نوعية في الرواية العراقية، وللمرة الأولى يعترف علي جواد الطاهر بالتطور النوعي الذي حققه غائب طعمة فرمان، الذي سرعان ما أصدر تجربته الثانية (خمسة أصوات) عام 1967( ).
السبعينات.. قفزة تطور نوعي
ثم نشر يوسف الصائغ، وهو شاعر أيضاً، روايتين: (اللعبة)، (المسافة)، في عام 1970-1974( )، ثم توالى نشر الروايات العراقية عبر دور نشر حكومية، أو خارج إطار الدور العراقية، فشهدت الساحة الأدبية العراقية عدداً كبيراً من الروايات لأسماء جديدة، أو أسماء ظلت تنشر نتاجها الروائي والإشارة التالية لعدد من هذه الإصدارات الروائية.
وليس بالضرورة أن تكون صورة متكاملة للمشهد الروائي والقصصي الواسع في عدديته ومكوناته وإنجازاته التي لا تجمعها إلا ببليوغرافيا متخصصة بذلك( )، ومن هؤلاء نذكر بعض النماذج كدلالة على تطور الأدب الروائي واتساع قاعدته، أمثال:
ثقب في الجدار الصدري لعبد الرزاق المطلبي
ضباب في الظهيرة لبرهان الخطيب
جواد السحب الداكنة لعبد الجليل المياح
رجلان على السلالم لمنير عبد الأمير
رجل فاته القطار لمحمد النقدي
عراة في المتاهة لمحمد عبد المجيد
مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة لفاضل العزاوي
وكل هذه النماذج وغيرها صدرت في أعوام السبعينات، وطبيعي لم أستطع لملمة كل ما صدر في هذه الفترة، إلا أنني قاربت بحدود الممكن لإعطاء صورة لديناميكية الكتابة الروائية التي استمرت تحاول أن تجد لها مكاناً بين الأجناس الأخرى.
ثم جاءت أعوام السبعينات من القرن الماضي لتشهد الرواية في العراق تطوراً ملحوظاً، من خلال تجربة خمسة من الروائيين الذين يمكن الإشارة إليهم بوضوح، وهم استمرار للتجربة السابقة، وبعضهم شكل حضوره السبعيني نقلة جيدة في محاولاته المجدية مع الرواية، ولعلنا نشير هنا إلى:
عبد الرحمن مجيد الربيعي، موفق خضر، فاضل العزاوي، برهان الخطيب، وغائب طعمة فرمان. إضافة إلى محاولات عدد من الكٌتاب، الذين، وإن أصدروا عدداً من الروايات، إلا أن تجربتهم لا ترتقي إلى تجربة الخمسة الذين أشرنا إليهم آنفاً، في حين ينفي د. علي جواد الطاهر، صفة الرواية من تجارب العديد من الكُتاب الذين ظهروا في هذه المرحلة:
(وإذا تظل السبعينات يبقى الأمر كما كان، ويستوي فيه القدماء والمحدثون، ويزداد عدد ما يصدر، وعلى غلافه كلمة رواية دون مسوغ لهذه الزينة. وهذا المجد لا يقوم على أسس المنطوق العلمي للمصطلح)( ).
كارثة الإبداع
ومع بداية عام 1980، بدأت بوادر، الكارثة الجماعية تحل على هذا البلد، مع بداية الاستعداد لدخول سلسلة الحروب التي عاشها العراق حتى الآن، ولتخرب هذه الحروب كل البنى الجميلة والرائعة التي زينت تاريخ العراق، وأفسدت حتى الذائقة النقدية والأدبية، فقد ساعدت الدولة على إفساد الذوق وتخريب الفكر وتكريس كل الوسائل للحرب،.
ولتمشية أفكار السلطة واتجاهاتها، فخصصت الجوائز المادية الكبيرة لأدب الحرب، خاصة فيما يتعلق برواية «قادسية صدام». وقد هرع كل من هبّ ودبّ للكتابة عن بطولات لم نرها إلا في سينما الكاوبوي الأميركية، أو الأفلام الحربية الأميركية مع البطل السوبر الذي لا يموت، ولا بد أن ينتصر،.
وقد أنتجت الحرب عشرات، وربما مئات الروايات. لكن لا أحد يستطيع أن يسمي واحدة من تلك الأوراق المجمعة، رواية، أو يصنف هذا الهذر المنضد على الورق بأدبٍ ما، ورغم الدخان والضبابية والخوف من السلطة، ظهرت أصوات بعضها جديدة وشابة، وبعضها استكملت مرحلة تطورها لتظهر العديد من روايات إنسانية مغايرة لتلك التي قرأناها مع «قادسية صدام».
وقد استكملت الأصوات الشابة، أمثال: بتول الخضيري، نضال القاضي، عامر بدر حسون، حنان حلاوي، هيفاء زنكنة، سميرة المانع، نجم والي، عالية محمود. إضافة إلى الأسماء التي ذكرناها في هذا السياق، والتي استطاعت أن تخرج من دائرة الحصار إلى فضاءات الحرية في المنافي، فامتلكت حريتها وقدمت صوتاً جديداً مغايراً تماماً لتجارب القادسية، أمثال:
شمران الياسري، عبد الستار ناصر، جمعة اللامي، غائب طعمة فرمان قبل رحيله، فاضل العزاوي، فاطمة الحساني، عبد الرحمن مجيد الربيعي، برهان الخطيب، فؤاد التكرلي، زهير الجزائري. إلا أن عدداً من الشعراء الذين كانوا يمتلكون تجربة رائدة ومتقدمة في الشعر العراقي وجدوا الفرصة والحرية لكتابة الرواية، وقدموا تجارب ذات قيمة نقدية عبر تجربة جريئة، أمثال: سركون بولص، فوزي كريم. وهذا في حين انتقل بعض أعلام القصة العراقية لكتابة الرواية تطوراً أو استكمالاً لتجاربهم، مثل:
محمد خضير، روهيبة شوكت، فائز الزبيدي، زهدي الداوودي، عبد الإله عبد القادر ، غانم الدباغ، آمال الزهادي، ديزي الأمير، مي مظفر، لطيفة الدليمي، بلقيس نعمة العزيز. وفي هذا الإطار لابد من ذكر المؤسسين للقص العراقي، أمثال: شاكر خصباك، إدمون صبري، عبد الملك نوري، وشيخ القصاصين العراقيين الذي ما زال يطرز سماء القص بالجديد: محمود عبد الوهاب. وأيضا عدد كبير ممن لا تحضرني أسماؤهم. وأود الإشارة هنا إلى أننا نحتاج إلى بحث منفصل لقراءة الإبداع القصصي.
