مع توالي مسلسل الكوارث الذي واكب الزلازل وموجات المد الهائلة التي ضربت اليابان، وتسرب الاشعاعات من عدد من المفاعلات النووية في شمال شرق اليابان، تجدد اهتمام العالم بالروائي الياباني كينزابورو أوي الفائز بجائزة نوبل للأدب.

 

حيث بادرت مجلة «باريس ريفيو» حواراً معه أكد فيه على أن الطاقة النووية ستظل مرتبطة في الوجدان الياباني بالدمار، في روايته «الطفل المستبدل» التي ترجمت إلى الانجليزية أخيراً، وأعرب عن تقديره الكبير للمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، الذي قال إن أفكاره شكلت جزءا مهما من أعماله، وفيما يلي نص الحوار:

 

هل تشعر أن الكوارث التي حلت بالشعب الياباني أخيرا قد أثارت قدراً من التضامن العالمي مع اليابانيين على نحو يتوازى مع الطابع الهائل لهذه الكوارث؟

 

من المؤكد أن هذا التضامن قائم وموجود، لكن المرء لا يمكن إلا أن يتطلع للمزيد من صور وأشكال تجسيده، فالمآسي اليابانية أضخم وأعمق بكثير مما عكسته الانطباعات الأولى عن الخسائر البشرية والمادية التي ترتبت على الزلازل وموجات المد الهائلة وعمليات تسرب الاشعاعات من المفاعلات النووية في شمال شرقي اليابان.

 

وفي اعتقادي أن هذا التضامن أمر طبيعي، فاليابان كانت سباقة إلى التضامن مع كل شعوب العالم في مختلف الظروف، ولم تبخل بكل أشكال الدعم والمعونة، على الرغم من تعرضها لما يزيد على عقد كامل من الركود الاقتصادي.

 

هل تفرض هذه الكوارث الأخيرة نفسها عليك بحيث يمكن أن تعود في المستقبل إلى الكتابة عن تأثيرات الطاقة النووية على حياة البشر؟

أود أن أذكر القراء بأن أمرين في حياتي قد أثرا بقوة على كتاباتي، الأول حدث في عام ‬1963، عندما ولد ابني هيكاري مصاباً بإعاقة ذهنية حادة.

 

وهو ما انعكس في روايتي الصادرة في عام ‬1964 بعنوان «مسألة شخصية»، والثاني تمثل في زيارة قمت بها لهيروشيما للكتابة عن التأثيرات اللاحقة لقصف المدينة بالقنبلة الذرية، وقد انعكست هذه الزيارة في العديد من الأعمال، ومنها كتاب «مذكرات هيروشيما»، ورواية «الطوفان يصل روحي». ولست استبعد العودة إلى الكتابة عن تأثيرات الطاقة النووية في المستقبل القريب.

 

هل تعتقد أن الأدب قد تناول موضوع الكوارث النووية على مستوى يتوازى مع خطورة هذه الكوارث وعمق تأثيرها في حياة البشر ومستقبلهم؟

 

أعتقد أن هناك الكثير من الإسهامات الإبداعية التي قدمت في هذا الصدد، وقد ساهم الأدباء اليابانيون بجانب لا بأس به منها، ولكنني أعتقد أن هذا اللون من الإبداع الأدبي سيشهد المزيد من العطاء في المستقبل بما يعكس خطورة الكوارث النووية والبصمات السيئة التي تتركها على حياة البشر، ومن بينهم أبناء الشعب الياباني، الذين سبق لي القول إن الطاقة النووية ترتبط في وجدانهم بالدمار.

 

إذا انتقلنا إلى الحديث عن أحدث رواياتك التي ترجمت إلى اللغة الانجليزية، وهي رواية «الابن المستبدل»، فهل يمكن أن تعلق على ما قاله النقاد من أن هذه الرواية هي رحيل عبر متاهة من الذكريات والتأملات وأنها تعكس قدراً ليس باليسير من عناصر سيرتك الذاتية؟

 

أود أن أشير إلى أن هذه الرواية ليست إلا الجزء الأول من ثلاثية بكاملها يصعب الحكم عليها من خلال الجزء الأول وحده. وفي اعتقادي أن معظم الروايات الكبرى على امتداد العالم تحتوي على بعض العناصر، على الأقل، من السيرة الذاتية للمؤلف، وعلى سبيل المثال؛ في رواتي «هدية هامبولت» و«رافلشتاين» للروائي الأميركي سول بيلو يمكننا أن نرصد اثنين من أصدقاء المؤلف ضمن الشخصيات، هما الكاتب ديلمور شوارتز والاستاذ بجامعة شيكاغو آلان بلوم.

 

وفي سيرة الحياة التي كتبها جورج بنتر عن الروائي الفرنسي مارسيل بروست يتم تحديد جميع الشخصيات الأصلية التي تقف وراء الشخصيات التي تبرز في رواية «البحث عن الزمن المفقود» والأمثلة في هذا الصدد عديدة بلا انتهاء.

 

وفيما يتعلق برواية «الابن المستبدل»، فإنني أترك الحكم في هذا الصدد للنقاد، الذين تحمس بعضهم للربط بيني وبين شخصية كوجينو تشوكو في الرواية وبين شقيق زوجتي المخرج جوزو إينامي، وبين شخصية جوزو هاناوا في الرواية أيضاً، وشددوا على أوجه الشبه بين الرواية والحياة الواقعية.هل تعمدت ايراد الكثير من التفاصيل في إطار المناقشات التي تدور حول الفن في رواية «الابن المستبدل»؟

 

مثل هذا التوجه لا علاقة له بقرار أتخذه من عدمه، وإنما له علاقة وثيقة بتحقيق تكامل الشخصيات، ففي أحد الشرائط التي يبعث بها جوزو إلى كوجينو يتساءل عما إذا كان هناك كتاب عظام على قيد الحياة، وإذا كان الأمر كذلك، عما إذا كان بين هؤلاء الكتاب مبدعون يابانيون. ويشعر كوجينو بالشك في هذا الصدد، وفي وقت لاحق يقر بأن نثره الأكثر نضجا يفتقر إلى البريق الذي تتمتع به أعماله الأولى.

 

هل تشعر بأنك في وضع تنافسي مع كتاب من نوعية هاروكي موراكامي وبنانا يوشيموتو؟

 

يكتب موراكامي بأسلوب ياباني واضح وبسيط، وتتم ترجمة أعماله إلى لغات أجنبية.. وقد أوجد لنفسه مكاناً في الساحة الأدبية الدولية بطريقة لم يتمكن يوكيو ميشيما ولم أتمكن أناض من تحقيقها.

 

وهذه هي حقاً المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك في الأدب الياباني، ولكنني عندما أتطلع إلى الوراء، لا أجد أنني وصلت إلى نطاق واسع وراسخ من القراء، حتى في اليابان. إنها ليست منافسة، ولكنني أود أن أرى المزيد من أعمالي وهي تترجم إلى الانجليزية والفرنسية والألمانية.

 

وباعتباري شخصاً قرأ الأدب طوال عمره فإنني آمل في التواصل مع أولئك الكتاب الذين أعتقد أنهم مهمون. واختياري الأول تمثل في المفكر الراحل إدوارد سعيد، وخاصة كتبه الأخيرة. وأنا أعتقد أن أفكاره شكلت جزءاً مهماً من أعمالي، وقد ساعدتني على إبداع تعبيرات جديدة باللغة اليابانية، أفكار جديدة باللغة اليابانية، وأنا أحبه بشدة أيضاً.

 

يهتم الكثير من الكتاب اهتماماً استحواذياً بالكتابة في عزلة، ولكن الرواة في كتبك، الذين هم كتاب، يكتبون ويقرأون بينما هم راقدون على أريكة في غرفة المعيشة. هل تعمل وسط عائلتك؟

 

لست بحاجة إلى العزلة لكي أكتب، فأنا عندما أكتب وأقرأ الروايات لا أحتاج إلى عزل نفسي أو الابتعاد عن عائلتي. وأنا عادة أعمل في غرفة معيشتي، بينما يستمع ابني هيكاري للموسيقى. وبمقدوري العمل في وجود هيكاري وزوجتي لأنني أقوم بالمراجعة مرات عدة.

كيف تبدأ كتابة رواياتك؟

 

لست أبدأ كتابة رواية بفكرة مسبقة عن الاتجاه الذي ستمضي فيه الشخصية. أو كيف سأبدع شخصية بعينها، فبالنسبة لي يعد هذا هو جوهر عملية التفصيل، ومن خلال المراجعة والتفصيل تبرز شخصيات ومواقف جديدة. وهذا مجال مختلف تماماً عن الحياة الفعلية، وفي هذا المجال تتطور الشخصيات، وتنمو القصة من تلقاء ذاتها.

 

غالباً ما يظهر هيكاري كشخصية في رواياتك. أليس كذلك؟

لقد عشت معه أكثر من نصف قرن، والكتابة عنه كانت أحد أعمدة التعبير الأدبي عندي. وأنا أكتب عنه لأوضح كيف أن الشخصية ذات الاحتياجات الخاصة تدرك ذاتها وكيفية الصعوبة التي يتسم بها ذلك.

 

وعندما كان صغيراً للغاية، شرع في التعبير عن نفسه، عن إنسانيته، من خلال الموسيقى، وعند منعطف معين كان بمقدوره التعبير عن مفاهيمه، مثل الحزن، من خلال الموسيقى. ودخل في مرحلة تحقيق الذات، وواصل السير على ذلك الدرب.

 

قلت ذات مرة إنك تكتب ما يقوله هيكاري حرفياً، ولكنك تصيغه بترتيب مختلف.

 

إنني أنسخ الكلمات التي يقولها هيكاري بالترتيب ذاته الذي يقولها به. وما أضيفه هو السياق والموقف وكيف يستجيب الآخرون له. ومن خلال هذه العملية فإن كلمات هيكاري تصبح مفهومة بشكل أكبر. وأنا لا أعيد أبداً تنظيم كلماته لجعلها قابلة للفهم.

 

ما الذي يعتقده الآخرون فيما يتعلق بالحقيقة القائلة إنك تكتب كثيراً عن هيكاري في رواياتك؟

لقد كتبت عن ابني أوتشان وعن ابنتي ناتسوميكو أيضاً، وناتسوميكو وحدها هي التي تقرأ ما أكتبه عن هيكاري. ويتعين عليَّ أن أكون حريصاً للغاية، وإلا فإنها ستقول لي إن هيكاري ما كان يمكن أن يقول ذلك.

 

لماذا قررت استخدام اسمائهم الحقيقية وبصفة خاصة اسم هيكاري الحقيقي؟

لم أستخدم اسمه في البداية، وإنما كنت أدعوه أيوركي في رواياتي، ولكن في الحياة الواقعية كنت أدعوه بو.

كيف كان رد فعل عائلتك على فوزك بجائزة نوبل في الأدب؟

 

لم يتغير تقييم عائلتي لي، فقد كنت جالساً عاكفاً على القراءة، وكان هيكاري يستمع إلى الموسيقى، وكان ابني، وهو طالب يدرس الكيمياء الحيوية في جامعة طوكيو، وابنتي الطالبة آنذاك بجامعة صوفيا، في المنطقة المخصصة لتناول الطعام، ولم يتوقعا أن أفوز بهذه الجائزة.

 

وجاء اتصال هاتفي في حوالي الساعة التاسعة مساء، فرد هيكاري على الهاتف، حيث كان ذلك من بين هواياته. وبمقدوره أن يقول: مرحباً، كيف حالك؟ وذلك بطلاقة باللغات الفرنسية، الألمانية، الروسية، الصينية والكورية. وهكذا قام بالرد على الهاتف، وقال بالإنجليزية: لا، ثم كررها مجدداً، ثم أسلمني سماعة الهاتف.

 

وكان المتصل هو عضو في لجنة جائزة نوبل التابعة للأكاديمية الملكية السويدية. وسألني: هل أنت كينزابورو أوي؟ وسألني عما إذا كان هيكاري قد رفض الجائزة باسمي، ثم قلت إنني آسف، وإنني أقبلها، ووضعت السماعة في موضعها، وعدت إلى مقعدي، وجلست، وأعلنت لعائلتي أنني فزت بالجائزة، فقالت زوجتي: هل هذا صحيح؟

 

هل هذا هو كل ما قالته؟

نعم، ولم يقل أبنائي شيئا، وإنما مضيا إلى غرفتيهما في هدوء، بينما واصل هيكاري الاستماع إلى الموسيقى، ولم أحدثه بعدها قط عن جائزة نوبل.