على الرغم من أن حركة القراءة هي «روح الكاتب والناشر معا»، وعليها يتوقف استمرار كليهما: الأول في الكتابة، والثاني في النشر؛ نجد أنهما يعملان معا كـ«طرفي مقص» يحاولان القبض على القارئ، ولكنهما لا يلتقيان حول حقوق كليهما لدى الآخر؛ مما وضع الروائي بين مطرقة القارئ وسندان الناشر، والمثير في الأمر أن عليه ـ الروائي ـ اختيارهما معا، أو التوقف عن الكتابة.
يؤكد عدد من الكتاب العرب والمصريين، في شان هذه القضية، أن الروائي يواجه إهمال الناشر التاجر الذي يكتفي في أغلب الوقت بلعب دور «التاجر الشاطر»، أو «التاجر النصاب»، كما يعاني الروائي بالطبع من إهمال قارئه الذي يكتفي بقراءة العمل الأدبي، ولا يتواصل مع كاتبه، أي لا يتابعه، ولا يقتفى أثره إن غاب، بل يتذكره فقط حين يقع بين يديه عمل آخر له، فيما تساءل بعضهم عن وقت ظهور مهنة «الوكيل الأدبي»، الذي يقوم بكل الأعباء الإدارية والمادية، بدلا من الكاتب.
ويوفر له الوقت والجهد للتفكير. ويخلق علاقة جيدة مبرمجة وممنهجة (منظمة) بين الكاتب والناشر من جهة، وبين الكاتب والقارئ من جهة أخرى؟ موضحين أن العلاقة المنظمة بين الناشر والأديب تضمن حقوقهم وتوفر بيئة صالحة لصدور العمل الأدبي.
«غامضة وغائمة»
«حالة غامضة غائمة، يعيشها الروائي طول الوقت بين قارئه وناشره». هكذا تعلق الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة، على هذه القضية، قائلة: «إن الروائي يواجه إهمالا من القارئ من جهة، ودور النشر من جهة أخرى». وتلفت خليفة إلى انه رغم أن الكاتب ما هو إلا فنان، ولكنه بقياسه مع غيره من الفنانين كالمغني أو الممثل، نجد أنه يتقاضى أقل أجر، ذلك نتيجة الاستغلال المبرمج الذي تقوم به دور النشر للكاتب، وتراجع مستوى القراءة لدى المتلقي.
وأضافت خليفة: «إن الأمر له بُعد آخر هو الأهم، حيث تعمل معظم الأنظمة العربية على إبعاد الطلبة عن الأدبيات أثناء مراحل دراساتهم الأساسية، وتقدم لهم ضمن المناهج الدراسية، مجموعة من الأدبيات الباهتة والتراثية».
وتلفت الأديبة خليفة النظر، إلى اختفاء متطلبات القراءة الأساسية مع دخول عنصر التكنولوجيا، وجعل أداء معظم العملية التعليمية من خلال الشاشة السحرية التي نطلق عليها «الكمبيوتر»، بدلا من المكتبات والكتب والروايات، كما كنا سابقا، بالإضافة إلى أن المكتبات المدرسية لا تحتوي إلا على ما ندر من روايات حديثة. وكل ما تحتويه هو بعض الروايات القديمة من العشرينيات، لطلاب يعيشون في عام 2011. وأيضا أسعار الكتب الباهظة من العوامل التي أضعفت القوة الشرائية عند القارئ، والتي أدت في النهاية إلى ضعف القراءة، وبالتالي سوء العلاقة بين القارئ والروائي أو الكاتب».
وعن أنواع القرَّاء، قالت سحر خليفة «إن المتلقيين أنواع، وأولهم هو القارئ العادي الذي يمثل نسبة ليست قليلة من جمهور الروائي، وأما المتلقي الثاني، فهو الصحافي الإعلامي، والذي من المفترض أن يروج للرواية أو لكتاب ما. وهذا في الغالب غير متخصص، وضعيف الثقافة الأدبية، غير مطلع على المدارس النقدية.
ويعتمد على سياسة:( تلك تعجبني وهذه لا تعجبني)». واستطردت: «أما النوع الثالث، فهو الناقد المتخصص والذي تراجع بنسبة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، وإن تواجد فإنه يركز على الأسماء اللامعة؛ لأنه يستمد اسما وشهرة من هذه الأسماء، وبالتالي لا نستفيد من الدراسات المتخصصة التي يقدمها إلا فيما ندر».
«الناشر النصاب»
وعلى صعيد الناشرين، قالت سحر خليفة: «لا أستطيع القول إنهم «ناشرون تجار»، فهناك ناشرون مدعومون حكوميا، ومن مؤسسات المجتمع المدني، وإن كان هذا النوع من دور النشر يكون ظالما للكاتب؛ لأنه يتقاضى منه أجرا زهيدا لا يساوي ما يتقاضاه صحافي، مقابل مقال متوسط وبمستوى فني ربما أقل من المتوسط.
وهناك أيضا «الناشر النصاب»، وهذا النوع يستولي على إنتاج الكتّاب الناشئين، حيث يطلب منهم أن يتحملوا تكاليف الطباعة والنشر، أو جزءًا منها، مقابل أن يحصل الكاتب على جزء من النسخ، وهذا كل شيء. ويتم الاتفاق بدون أي عقد أو اتفاق مسجل، أو تحديد لموعد انتهاء العقد الذي يمكن الكاتب بعد فترة محددة، من إعادة نشر الكتاب، من خلال دار نشر مختلفة أو التجديد معها مرة أخرى».
متلقي سلبي
ومن جانبها تطرقت د.شيرين أبو النجا، كاتبة مصرية، إلى واقع وجانب القارئ في هذه القضية: «جرت العادة على إلقاء اللوم على القارئ. واعتباره مسؤولا عن تراجع مستوى القراءة، وإلى آخر منظومة اللوم المعروفة، لكن السؤال هنا هو: (هل تكتسب الرواية القيمة الفنية الخاصة بها من خلال الرواج الاقتصادي الذي تحققه؟ وهل بالفعل هذه النوعية من الروايات هي ما تحقق احتياجات المتلقي؟».
وأوضحت أبو النجا، أنه بالنظر إلى الأعمال التي تحقق رواجا لدى القارئ والناشر، أو التي نطلق عليها «قمَُّّ َّمٌٌمْ «، هي تلك الأعمال التي تعتمد على اللغة السهلة والحبكة، بالإضافة إلى وجود شخصيات مثيرة مكتملة بحيث لا يتوجب على القارئ أن يبذل مجهودًا في الفهم. وتضيف: «..ولكن لابد أن نشير إلى أنه على الرغم من رواج هذه الأعمال، إلا أنها حولت القارئ إلى متلقٍ سلبي».
كتابات تعقيدية
يرى الروائي السوداني، أمير تاج السر، أن هناك نوعًا من الهوس بكتابة الرواية لدى الجيل الجديد. وأنه تحولت كتابة الرواية إلى موضة يمكن أن تمارسها ربات البيوت وهن يعملن في طهي الطعام، كما يمكن أن تعثر على خادمة داخل البيت تغلق حجرتها في الليل وتجلس على سريرها وتكتب رواية، حيث لم تعد حكرا على أشخاص معينين، كنا نعتبرهم مصابين بجرثومة الكتابة، ويحملون إرهاقها ولا يستطيعون منها فكاكا.
وأرجع تاج السر ذلك، إلى الفراغ القاتل والبطالة التي تواجه الأجيال الجديدة، بالإضافة إلى انتشار دور النشر بطريقة مرعبة، وبلا أي خلفية ثقافية، تجعل منها دورا لا تميز بين الغث والثمين، ولا يمكننا أن ننسى مسألة النشر الإلكتروني والمواقع التي تكتسي بثوب الثقافة وتنشر كل شيء، بلا رقابة ولا تدقيق.
وأضاف: «إنني أقصد هنا أن عدد الروايات والكتاب، أصبح لا حصر له، ما جعل المتلقي يقف في ذعر أمام هذا النزيف الطباعي، وأسهل ما يمكن أن يفعله هو أن يفر بلا رجعة، وما يزيد من عمق المشكلة، هو أن الكاتب الجيد لن يعثر على متلقين جيدين، ذلك ما داموا يشترون الكتب ويحاولون قراءتها فلا يستطيعون، ومن ثم فرار جديد لقراء الرواية، كما فر قراء الشعر من قبل.
وتابع: «إن القارئ العربي يريد أن يتخفف من أعبائه باحتضان كتاب مسلٍ قبل النوم، أو كتاب عن الترف السياسي المنهوك، ولا يريد عبارة مثل «لا يعرف أحد بالتحديد، متى بدأت عقارب الإغاثة تتلوى في رمال توجار». وهي افتتاحية لرواية اسمها «نار الزغاريدس».
ويشير إلى أن القارئ لا يريد مثل هذه المصطلحات، إنما يريد الدخول إلى حارة غاصة بالبشر ومتنوعة يعرف سكانها جيدا، أو يعيش في الريف؛ ليستعيد بعض الذكريات في أثناء قراءة الكتاب، وإن كانت بين شخوص الرواية، علاقات من أي نوع، فهو يريد علاقات واضحة ومكشوفة، بلا أغطية تستدعي إزالتها للتعرف عليها.
ووصف تاج السر، كتابات جيله، بأنها اتسمت بتلك المسائل التعقيدية؛ لذلك كان من الصعب أن يخرج من ذلك الجيل كاتب ذو شعبية جارفة، مثل شعبية نجيب محفوظ والطيب صالح،لافتا إلى أن هذا النوع من الكتابات سيأخذ زمنا طويلا، قبل أن يعرفه الناس بطريقة صحيحة.
الكرة الروائية
يختلف الكاتب المصري الشاب، طارق إمام، مع تاج السر، في هذا الشأن، موضحا أن الساحة الثقافية الموجودة الآن في مصر، تؤكد الدور المتعاظم للقارئ، على عكس ما يعتقده الكثيرون من تراجع القراءة، إذ نجد الالتحام بين الروائي ومتلقيه، أمرا واقعا، وهناك مسافات أذيبت لأسباب جديدة، ومنها:الطفرة التكنولوجية وسهولة التواصل بين المنتج والمستهلك، وهو ما قلص أيضا من الصورة «النخبوية» للكاتب المنفصل أو المعزول أو المتعالي، سواء كان قرارا أو خيارا جماليا، أو خارجا عن إرادة الكاتب.
هذا بالإضافة إلى غياب الدور النقدي للرواية العربية، كوسيط فعال بين المنتج والمتلقي؛ ما جعل الكرة الروائية لو جاز التعبير في ملعب القارئ وحده.ويشير إمام إلى أن هذا الالتحام بين الروائي وقارئه، حتى لو كانت خريطته لا تزال غائمة، سينتج تحولا في وعي القارئ؛ لأن دخول عنصر التلقي كعنصر جوهري، من شأنه أن يمنح الروائي أسئلة جديدة، مثل:
هل يريد أن يكون في فئة الأكثر مبيعا؟ أم يريد أن يلوذ بهامش مختلف من القراء؟ أي: ما هو موقع الكاتب داخل السوق؟ إنه سؤال جوهري وهو قائم في الغرب طوال الوقت لدى أكبر الكتاب وأشدهم ثقلا بالمنطق الروائي.
إشكالية خطيرة
يتفق الكاتب المصري محمود الغيطاني، مع هذا الرأي: «إن الأساس في أي عمل إبداعي هو المتلقي، الذي يعتبر الركن الأساسي لأي عمل روائي». ويؤكد الغيطاني أن هناك تدنيا في مستوى الوعي الثقافي لدى المتلقي للرسالة الإبداعية، وهي تعتبر إشكالية خطيرة قاتلة لفكرة الحرية الإبداعية». ويضيف: «إن متلقي الرواية يربط كل ما يقرؤه من أحداث بكاتبها. ويلصقها بالمؤلف.
وكأنه يكتب سيرته الذاتية، ولعل شيوع هذه الطريقة في التلقي في الآونة الأخيرة، أدى إلى أن العديد من الروائيين باتوا يخشون التحرر من قيودهم وأعبائهم، أثناء الكتابة، حتى لا يتم التصاق ما يكتبونه بهم؛ ما أدى إلى زيادة التضييق في مساحة الحرية المتاحة لبعض الكتاب.
