يعتبر الدكتور فيصل سلطان من أبراز نقاد الفن التشكيلي في الوطن، وقدم العديد من الدراسات النقدية والتحليلية، إضافة إلى مشاركته في المؤتمرات والندوات المتخصصة والتي تعني بشأن الفن العربي والفن المعاصر، كما حاز على العديد من الجوائز والشهادات التقديرية من معارض وندوات ومؤتمرات عربية ودولية.
(مسارات) التقت بالناقد فيصل سلطان بهدف استطلاع رؤيته النقدية لهذه النهضة واستبصار مسارها وتلمس أبعادها. والدكتور فيصل سلطان اللبناني الجنسية، يعتبر من أبرز النقاد والمؤرخين لحركة الفن التشكيلي في العالم العربي. وما يتميز به سلطان عن أقرانه من النقاد أنه من الفنانين الذين شاركوا في أبرز الحركات الفنية التشكيلية من السبعينيات وحتى وقتنا الحاضر.
إلى متى يعود تاريخ الفن العربي؟
عمر الفن العربي حوالي مائة عام، وله وقعه في الفنون العالمية من ناحية نسيجه الحضاري وحواره مع الحضارات الأخرى. وقد اعترف الغرب لاحقاً بقيمة الفنون الشرقية والإسلامية خاصة بعدما كانوا يعتبرونها من (الفنون الصغرى)، ليدركوا أن فنون الزخارف الإسلامية قائمة على فكر فلسفي هندسي رياضي. وتجلت إبداعات هذا الفن وحضارته في الأندلس .
حيث كان مسجد قرطبة بمثابة جامعة استقطبت العلماء والمثقفين. وتجلت مهارة الفنانين في قرطبة بأن أدخلوا معميات للأشكال الهندسية، بهدف الحفاظ على سر المهنة الذي لم يسلموه إلا لأتباعهم ومريديهم. وبعد سقوط غرناطة وقرطبة، انتشر الصناع في أرجاء بلدان أوروبا وحملوا معهم أسرارهم التي طوروها إلى ما يسمى بالـ (غوامنيتو) أو (غرافيف) التي تمثلت في الطباعة على الجلود.
وفن (التشبيك) أو الزخرفة المشبكة التي سميت بالأسبانية (أتوريك) أي التوريق بالعربية. وقد أعيد الاعتبار للفنون الشرقية والإسلامية بعد المعرض العالمي الذي أقيم في باريس بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ضم المعارض الكولونيالية التي ألقت الضوء على فنون المستعمرات من شمال أفريقيا إلى سوريا فالهند، وكان لهذا المعرض تأثير كبير كما ذكرنا في تحويل بنية تحولات الفنون الغربية الحديثة.
ما هو العصر الذهبي لحركة الفن التشكيلي العربي الحديث
عاشت حركة الفن التشكيلي عصرها الذهبي في السبعينيات، وكانت بيروت آنذاك تستقطب كل التيارات والتوجهات الفنية بالوطن العربي، وكانت في الوقت نفسه بمثابة نافذة على الفنون العالمية. ونحن جيل الستينيات عشنا هذه المرحلة وتعلمنا على أيدي عدد من أعمدة الفن التشكيلي في لبنان مثل رفيق شرف، وعارف الريس، وشفيق عبود، وبول غارغوسيان. وكنا نتابع جميع الأنشطة الفنية التي شملت معارض العديد من أبرز الفنانين العرب كالعراقي ضياء العزاوي والسوري فاتح المدرس وغيرهم.
كان الفن العربي آنذاك في غاية الأهمية، وتمكن التشكيليون من تحقيق حلمهم بتأسيس الاتحاد العام للتشكيليين العرب والذي تأسس عام 1971 بعد هزيمة حرب 1967، وكان أول مقر له في دمشق برئاسة الفنان الفلسطيني اسماعيل شموط، ثم العراق عام 1974.
عاش الفنانون آنذاك يقظة فنية تمثلت بالعودة للجذور والتمسك بنسيج المناخات كاللون أو الشكل أو البيئة المحلية، ليس في الفن الواقعي فقط بل في مختلف تيارات الفن. في تلك المرحلة تعلمنا من أستاذنا شفيق عبود على سبيل المثال، كيف ننظر للطبيعة من خلال حركتها الداخلية، ليتحول المشهد إلى بقع لونية، وحركة وإيقاع له علاقة بنسيج الموسيقى والشعر. وتأسست العديد من الحركات الفنية الشبابية التي كانت تستلهم مفرداتها من التراث والبيئة بأشكال ورؤى معاصرة.
ولا يغيب عن بالنا أن جميع الفنون المعاصرة العالمية في مطلع القرن العشرين، قامت بجوهرها على الفنون الشرقية الإسلامية، خاصة بعد اكتشاف مدرسة (الباوهاوس) والنظريات التي كتبها الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي (1866 - 1944)، ونظريات الفنان السويسري بول كلي (1879 - 1940) حول أثر الفنون الشرقية والإسلامية على تحولات فنونهم. ما هي المراحل التي مر بها الفن العربي بعد جيل الرواد نشأت مرحلة الحداثة بعد الحرب العالمية الثانية، وعودة الفنانين العرب الذي درسوا مختلف تيارات الفن في أوروبا.
والذين شاهدوا معرض بينالي باريس العالمي عام 1951، الذي استقطب تيار الحروفية (ليتريسم) الذي نادى بالعودة للحروفية كفن إشارة حيث استلهم منه مجموعة من الفنانين كإيزودو إيو، منطلقات للكتابات القديمة الهيروغلوفية والسومرية وغيرها، والتي كانت بمثابة ردة على الأزمات المرتبطة بالحرب العالمية الثانية.
والتي جعلت القنوات الثقافية والتشكيلية تسير باتجاهين: الأول نحو تعبيرية حادة، والثاني باتجاه التفاعل مع الحضارات القديمة التي كانت بنظرهم أكثر نقاء. كانت أوروبا تعيش بدايات ما يسمى بفنون التفتت، كموجات ما بعد الدادائية وما بعد السريالية وغيرها. وكان الفنانون العرب الذين درسوا في أوروبا قد اكتشفوا مظاهر بعض هذه المدارس، خاصة في أواخر 1940 .
حيث تعرفوا من خلال المعارض التي نظمت تكريما للفنان السويسري بول كلي (1879 ؟ 1940) بعد وفاته، على الفن التجريدي النابع من الشرق. وعليه عاد الفنانون العربي إلى البحث عن خصوصية هويتهم. وعاش الفنانون العرب في الخمسينيات فترة الثورات العربية التي انسحبت على الفن من خلال انقلابات على الواقعية والانطباعية وكل الثوابت المكرسة ما بين الحربين العالميتين. نتيجة لذلك اتجه عدد كبير من الفنانين العرب إلى الحروفية، وتعاملوا مع الحرف العربي بأشكال متعددة، حيث بات جزء من فن الإشارة والدلالة وفن الجدار.
ومثال عليها تجارب الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد الذي وصل بتجربته إلى جماعة البعد الواحد. وفي لبنان سعيد عقل، وفي سوريا جميل حموده. وقد وصلت الحروفية إلى منحاها الأخير مع وجيه نحلة، الذي قدم أعمالاً نوعية في الدمج ما بين الحركية وحركة الخط العربي.
ونشأت الاتجاهات المتعددة في الفن من خلال الاتحاد العام للتشكيليين العرب الذي انطلق من بغداد بمعرض السنتين، لتصل تلك المعارض غلى عواصم عربية أخرى كالرباط والكويت ومصر، علما أن أول بينالي عربي أقيم في الاسكندرية عام 1956، وكان قد استقطب فنون البحر المتوسط بهدف تطوير النظرة الجمالية لفنون المتوسط، ومن خلال هذا البينالي وما تلاه دخل الفنان العربي إلى العالمية عبر النقاد والخبراء الأجانب الذين تمت دعوتهم لتلك المناسبات بهدف تقديم رؤيتهم النقدية.
وهكذا بدأ الفن العربي يسافر إلى الخارج بشكل فردي وجماعي، خاصة بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئاسة الفنان اسماعيل شموط للاتحاد العام للتشكيليين العرب. شملت ظاهرة الفن العربي آنذاك التجريد الغنائي، والرقش العربي، والرقش الإسلامي، وفن العلامة كما سماه الفنانون التونسيون. ولعب بنيالي الكويت دوراً أساسيا في الانتقال إلى مرحلة ما بعد جيل الرواد، حيث بات هناك تجمع نوعي لفناني الخليج إلى جانب تأسيس قنوات أخرى بعد ضرب بيروت وغياب دورها الثقافي والفني والاقتصادي.
كيف توصف المراحل الانتقالية للفن في الماضي القريب؟
بدأ في منتصف السبعينيات ظهور ما يسمى بالعولمة، ومن مظاهرها حالة التفتت. في تلك المراحل دخل الفنان العربي ببعض الموجات الفنية الحديثة وانتمائه لها عبر مشاركاته في البيناليات ذات المنظومة الدولية. ولم يعد يعني الفنان العربي لا من قريب أو بعيد المكان والبيئة، بل الانتشار العالمي والشهرة في الغرب التي تحقق لها بالتالي النجاح العربي.
انسحب هذا التفتت على المجتمعات العربية وثقافتها، ونشأ نتيجتها تيارات وتجاهات متعددة. وخلال هذا التفتت استطاعت قنوات من كبرى الشركات الفنية التغلغل في المجتمع العربي لتصبح هي بوصلة الفنان، والسبب في ذلك يعود لغياب شرعية الاتحاد العام للتشكليين العربي الذي بات معطلا ليجمع أعضاء وهميين لكونهم غير فاعلين، وكذلك غياب دور جامعة الدول العربية التي تفتقر إلى التمويل. كما تعيش أوروبا هذا التفتت، الذي يهدد فنها كما يهدد لغتها في ظل هيمنة التجارة الأميركية التي ضربت مقومات الفن، مما يشكل خطورة على جدوى قيم الفن.
كيف تقيم حركة الفن العربي خلال العقدين الأخيرين؟
هناك خليط لا أعتبره سلبياً بالكامل، فقد مر الفن العربي بالعديد من المراحل من أيام الفنان اللبناني داوود القرم (1852 - 1931)، وصولاً الجيل الجديد من الفنانين الشباب والفنون البصرية الحديثة التي تعتمد على الفن المفاهيمي الذي ينطلق من الحلقات الضائعة في المجتمعات، ومواقف الإنسان وهوامشه الداخلية. ونحن لا نستطيع أن نقف أمام أي تظاهرة فنية إلا ونباركها على أنها تظاهرة تؤدي في المحصلة دوراً ثقافيا، ولكن أعود إلى القول بأننا نظراً لكوننا نعيش عصر تفتت التجارب والقيم الإنسانية والتشكيلية، فإن العديد من الفنانين الرواد يغيبوا من قبل صالات العرض الفنية لصالح إبراز تلامذتهم وإن كانوا نصف فاشلين، مع تسويق أعمالهم لييصبحوا أكبر من أساتذتهم، وهذا برأي نوع من التزوير في الحركة الفنية وتفتيت للذاكرة الفنية والثقافية.
هل تعني بأن الذاكرة الفنية والثقافية في خطر؟
بعض الصالات الفنية تحاول الإدعاء بجمعها للذاكرة الفنية والتعريف بها، لكنها في الحقيقة تهيمن على الذاكرة وتوجهها كما تريد. وأكبر مثال على ذلك أين هي مكانة الفن العراقي اليوم؟ الفن الذي ندين له بأشياء كثيرة والذي يعتبر من أهم الأحداث الثقافية والفنية التي عشناها.
أول ما تم تدميره في بغداد المتاحف، حيث تمت سرقة اللوحات أو تزويرها أو تسويقها كمحاولة لتفتيت وتزوير تاريخ وذاكرة الفن العراقي. ولو لم يكتب هذا الفن ويؤرخ له لغاب عن الذاكرة العربية. وما يحدث حاليا في بلدان الخليج له بعض الجوانب الإيجابية بامتياز، وجوانب أخرى تحمل علامات استفهام والتي يمكن تجنبها من خلال التحلي بالواعي للظواهر الفنية وتحليلها وإيجاد دلالاتها وأبعادها.
إلى أين تتجه فنون ما بعد الحداثة خاصة بعد الأزمة الاقتصادية؟
إن العودة من الفنون المفاهيمية الحديثة إلى اللوحة كقيمة، لا يعني أن الفن عاد إلى مصداقيته. العودة إلى اللوحة يعني العودة إلى بورصة الفن التي يهيمن عليها الغرب عبر شركات تجارية. ما يدعو إلى التساؤل في ظل انتعاش الحركة الفنية غياب وجود المتاحف الفنية المعاصرة التي توثق ذاكرة الفن العربي، مقابل وجود ستة متاحف للفن في إسرائيل.
وأنا أتساءل من سيكتب تاريخ الفن العربي في الماضي القريب والمعاصر بعد غياب جيلنا من نقاد الفن؟ هذه أزمة خطيرة يعيشها العالم العربي. من الذي سيجمع ذاكرته، في ظل غياب الاهتمام بالنقد والتنظير حول الفن وأهمية النتاج الفني. بات الفن العربي الراهن مجرد سلعة تجارية بعيداً عن التوجه الثقافي، ما يكتب عن المعارض لا يتجاوز المفهوم السطحي الخبري سواء في الكتيبات الخاصة بصالات العرض أو التغطيات الإعلامية. والإضاءة التي تبشر بالأمل هو افتتاح متحف قطر للفن العربي المعاصر الذي سيساهم في حفظ وذاكرة جزء من الحركة الفنية العربية.
