تحفل الساحة الثقافية الإماراتية بحيوية زخم المنتج الإبداعي وجودته، في الشعر والرواية والمسرح والتشكيل، وغيرها. لكن اللافت هو غياب المعادل الموضوعي المتمثل بقوة تأثير النقد وحضوره، وأيضا استمراء بعض المثقفين لاستمرار تراجع أهميته كموشور وعي وقياس يكفل تطوير مستوى مختلف التجارب، ويضمن رسوخ الركائز الضامنة لصحة الرؤى الإبداعية. فما مرد وأسباب تراجع دور النقد ؟ وماذا عن طبيعة الإفرازات الناتجة؟ وكيف هي الحلول الأنجع؟
ليس خافيا على أحد، ما تحفل به جلسات الكواليس، ضمن أية فعالية ثقافية وفكرية، راهنا، سواء في الإمارات أو في عموم الوطن العربي، من نقاشات وآراء صادرة عن نخب وشرائح فكرية متنوعة، تؤكد أن واقع عدم حضور النقد، وانتفاء فاعلية دوره، بات يمثل إشكالية كبيرة، انعكست مفاعيل تأثيرها، على مستوى المنتج الإبداعي. لتصبح الساحة- حسب رأي الكثيرين- مباحة ليلجها أي شخص، مهما كان مستوى منتجه الفكري والمعرفي، وذلك خلافا لما هو الحال في السابق.
حيث كان من يعتزم تأليف كتاب أو قصة أو رواية، يحسب ألف حساب للنقاد والدارسين، الأمر وفر وجود منتج إبداعي متصف بالجودة العالية، ومطابق لأدق تفاصيل واشتراطات الموضوعية والأسس السليمة في عملية الإبداع.
مفاهيم مغلوطة
«إن معظم ما يكتب في مجال النقد، حاليا، يجنح إلى المجاملة والمبالغة وليس إلى الموضوعية». هكذا يرى الشاعر والمترجم الإماراتي د. شهاب غانم، حقيقة التوصيف الفعلي لمضمون ما يسمى بالنقد في الساحة الفكرية الإماراتية والعربية عموما.
وهو يختار أن يبين خلفية هذا الواقع، انطلاقا من بنية تفكير وتوجه أدبي وفكري معين في مجتمعاتنا: « لم نتعود في مجتمعاتنا، وحتى الآن، على أن نتقبل النقد الذي يوضح نقاط الضعف في العمل الأدبي، ونجد أن كثيرين يرون أن هذا النوع من النقد لا يقلل من شأن إبداعهم فحسب، بل ويسيء إليهم شخصيا، ويعتبرون الناقد في هذه الحال، معتديا عليهم.
وذلك خاصة وأننا نعيش في مجتمعات صغيرة مغلقة لا تتحمل ذلك، وقد نجد أن النقد في هذا السياق، يصبح حديثا يلوكه بعض الناس، وتحديدا من أشباه المثقفين. وأيضا مجالا للتندر على صاحب الإبداع. ولكن لا شك انه مع ازدياد مستوى الثقافة، فإن هذه الصورة تتغير ببطء».
اشتراطات
وفي شأن مواصفات ومبادئ عملية النقد، إلى جانب طبيعة المؤهلات الواجب توفرها لدى الناقد، يقول د. شهاب غانم:« إن كتابة النقد تحتاج إلى معرفة منهجية، وإلى دراسة أكاديمية تنصب على مناهج ومدارس وأساليب الأدب والنقد، وكذلك معرفة جيدة باللغة والنحو.
وفي حال نقد الشعر الموزون، فهي تتطلب معرفة بالعروض أيضا، بالإضافة إلى قراءة واسعة لكتب النقد التراثية والحديثة والأجنبية. وجميع هذا لا يتأتى إلا لعدد ضئيل جدا ممن يتصدون للنقد لدينا، إذ نرى أن معظم ما يكتب عن الأعمال الإبداعية، من دواوين وقصص وروايات وكتب أخرى، هدفه أقرب إلى التعريف بالكتاب، أكثر من كونه نقدا حصيفا له. وبالعموم يمكن أن تكون أفضل الحلول الممكنة بالتركيز على الجوانب الإيجابية في الأعمال المنشورة، وفق أسلوب علمي منهجي، مع لمسات خفيفة تشير بلطف إلى الجوانب السلبية، يمكن أن تكون وسيلة أولى لتكريس ثقافة النقد في المجتمع».
«مديح أو تجريح»
تتساءل القاصة والروائية الإماراتية أسماء الزرعوني ــ نائب رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، في سياق تناولها لهيكلية هذه الإشكالية، حول الأسباب الخفية، المؤدية لتحول النقد في الساحة الفكرية الإماراتية والعربية عامة، إلى منوال: إما مديح أو تجريح. وذلك بناء على مزاجية واعتبارات من يكتب النقد.
وتشدد الزرعوني على أن حالة عدم وجود نقد فاعل ومتخصص ينبني على قواعد ومرتكزات علمية، أنتجت تدهور مستوى الإبداع الثقافي إلى درجة كبيرة. وتضيف:« لا جدال في أن النقد الموضوعي الجيد، يعد المرآة والمعيار السليمين اللذين يمكِنا المبدع من تجويد أعماله، وتحسين أدواته.
نحن ككتاب بحاجة ماسة لتوفر نقاد يتابعون منتجنا، لان في ذلك جدوى مستمرة، تعيننا على متابعة التطوير في الرؤى والصياغات والأفكار». ولا تتردد الزرعوني في تحميل المسؤولية للجهات الرسمية، إزاء واقع تراجع وغياب النقد:« لا استطيع الجزم بشكل تام حول السبب الفعلي المباشر لتلاشي حضور النقد في الساحة الإبداعية، لكن المسؤولية الرئيسية برأيي تتحملها المؤسسات والجهات المعنية بتأهيل وتوفير نقاد أكاديميين متخصصين، من خلال دراسات جامعية أو دورات تدريبية. فأين جامعاتنا وأجهزتها من هذه المهمة العلمية؟
ماذا بادرت في هذا الاتجاه؟ إنها، ومع الأسف، نتيجة طبيعية لضعف الاهتمام العلمي الأكاديمي لدينا بالقطاع والمجالات الأدبية. وأنا هنا لا أريد أن أبدو وكأنني اعفي بقية الجهات الرسمية والمدنية، من تحمل أعباء محددة، في هذا الخصوص، فلا بد من أن تبادر جميعها للمساهمة بشكل من الإشكال، كأن توفر حوافز مادية وتشجيعية مخصصة للنقد والنقاد، ومن هذه الجهات التي أشير إليها، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، فنحن، بلا شك، مقصرون في هذا الصدد».
اتجاهات.. وحقيقة
يحدد الناقد عزت عمر، مجموعة من العوامل المفصلية الجوهرية، التي تعتبر قاعدة النقد العلمي السليم، نافيا أن يكون النقد في حالة من التراجع، في الإمارات، والعالم العربي عموما. وهو يقول في هذا الصدد:
لن يختلف اثنان حول أهمية النقد ودوره المهم في تنمية الذائقة العامة وفي تكريس القيم الديمقراطية والحضارية، ولكن مع ذلك سيختلف هذان الاثنان إن حصرناهما ما بين مبدع (كاتب نصوص) وناقد، حيث إن المبدع (في الإمارات والوطن العربي عموما)، ما زال يتشكّى من النقد والنقّاد حتّى كاد الأمر يتحوّل إلى ظاهرة عامة أشبه بالموضة التي تغذيها الصحافة باستمرار، فغالباً ما يتساءل البعض عن غياب النقد.
بينما البعض الآخر يذمّ حضوره الكثيف، ليأتي ثالث فيعتبر النقد الذي يكتب في الصحافة نقدا انطباعياً لا منهجياً نظراً لأن كاتبه يبسّط أسلوبه كي يصل إلى قارئ الصحيفة. وهذه المسألة بدورها قد تثير النخبويين الذين يتطلعون إلى كثافة نظرية ترافق التحليل». ويضيف عمر:
« كما أن بعض الكتاب يظنّ أن قراءة الناقد مضللة وغير صحيحة طالما أنها لم تستخلص آراءه؛ تلك الآراء التي قد لا يتوقّف الناقد عندها، أو إنه سيمر بها مرور العابر، مركّزاً على جوانب فنية يراها أكثر أهمية، وقد غابت عن عين كاتبها، وكلّ ذلك بلا شكّ سوف يعبّر عن تلك البلبلة والاضطراب اللذين يسودان المشهد الأدبي في الموقف من النقد..
إن النقد الأدبي اليوم، مثله مثل الفنون الأخرى، يؤسّس مصطلحاته ويمضي شاقاً طريقه نحو التواصل مع قارئ افتراضي قادر على التجاوب مع أطروحاته، بل إننا نرى أنه بات يكتفي بذاته كفكر، وإن كان اتّخذ من النصّ المنقود ذريعة للتواصل مع هذا القارئ الافتراضي، بمعنى أنه يتّجه بدوره نحو النخبوية نظراً لارتقائه المستمر، وبذلك فإن منشئ النصّ الذي لم يتأسّس وعيه النقدي على نحو جيد سيشعر بأن ثمة مسافة تفصل بينه وبين هذا النقد، وبالتالي فإنه سوف يطالب على الدوام بالخلاصة الموجزة التي تعني في النهاية: الذم أو المديح، والنقد الحديث ليس كذلك أبداً».
نافذة نقدية
وعن مدارس النقد السائدة ومعرفة المبدعين بها، وطبيعة الحلول الممكنة لجعل النقد يأخذ دوره الحيوي، يقول عزت عمر:
«النقد الأدبي العربي اليوم ينتمي إلى مدارس واتجاهات مختلفة، ومما يبدو أنه استوعب هذه الاتجاهات والمذاهب، على الأقل بعناية الكثير ممن يمارسونه في المشهد الأدبي، ومن ذلك مثلاً ارتبطت مناهج التحليل النقدي باللسانيات والبنيوية وبمدارس التحليل النفسي، والحداثة وما بعدها على صعيد الفكر، ومن هنا فإن من يجهل كل ذلك من بين كتاب اليوم يمكن أن نعدّه أمّياً نقدياً.
وبالتالي فإنه إن علّق بالإيجاب أو السلب فإنما لا يقدّم شيئاً، وهذا بدوره يقودني لسؤال الأخوة الإعلاميين في الحقل الثقافي حول ضرورة التعاقد مع نقّاد متمكّنين لتأدية دورهم وفق خطّة منظّمة تغطي جوانب الإبداع المختلفة، حيث إنني لا أرى ذلك متحققاً وفق خطّة مسبقة.
وإنما كل شيء متروك لاجتهادات النقاد التي قد تركّز على بضعة رموز إبداعية دون غيرها، الأمر الذي يفتح المجال لاحتجاج الآخرين والادعاء أن النقد غير موجود أو انه لا يرافـــق السيرورة الإبداعيـــة العامــــة، وهي دعــــوى ليست موضوعيــــة نظراً لأن الأدب في الإمارات على سبيل المثال درس بما فيه الكفاية ومن قبل نقاد كبار، بل إن عـــدداً مهماً من أطروحات الماجستير والدكتوراه أعدّت عنه كما أعلم.
وسائل الإعلام سبب رئيسي
يعتقد القاص الإماراتي إبراهيم مبارك، أن العامل الأساس في تواتر ورسوخ واقع غياب النقد الفاعل، هو إغفال وإهمال وسائل الإعلام، حيث يتبدى جليا حرصها المتعمد على الابتعاد عن أية مقالات نقدية تشرح وتحلل مختلف أنواع المنتج الفكري. وهناك- حسب مبارك- عامل آخر هام، وهو غياب التواصل واللقاءات المستمرة بين المثقفين والأدباء، حيث لم يعد من مجال للنقاش الفكري الحميمي، ولا أفق لتبادل الآراء بشكل مباشر، حول أي من الإبداعات. ويتابع مبارك:
« حتى ولو توفر الناقد الموضوعي، وأيضا الأكاديمي المتخصص، فمن أين له ان يحظى بمنبر إعلامي يمكن أن يسمح بعرض وجهة نظره العلمية؟ إن هذا الواقع هو حالة فكرية عربية عامة، تنطبق على الإمارات بشكل واسع. ويجب أن ندرك أيضا أن الإبداعات الجديدة تقبع بمنأى عن النقاد والمتخصصين، فلا يمكن أن نحكم بالمطلـــق بعدم وجـــود نقاد مؤهلين لدين.
فإذا كان لا يوجد نقاد إماراتيون، فهناك نقاد عرب يقيمون في الإمارات، لكن الخلل، وكما أسلفت، هو في عدم توفر المنبر الإعلامي الذي يسمح لهم بإبداء رأيهم العلمي الصريح، وهذا طبعا إضافة إلى كون الإبداعات الجديدة لا تأخذ حقها في الرواج والنشر والتعريف بها من قبل وسائل الإعلام. هذا برأيي هو السبب الرئيسي لتواتر وتراكم واقع تدهور وغياب النقد».
حلول
لا تجد الشاعرة الإماراتية، الهنوف محمد، في توصيفها لمضمون وحال النقد في الساحة الإبداعية الإماراتية، انسب من تعبير: « انطباعات شخصية ثقافية وفكرية عامة، لا علاقة لها بوجهة النقد العلمي المتخصص».
وتشرح الهنوف وجهة نظرها حول الحلول المبدئية الممكنة: « لا مفر من أن تعنى وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، بتلافي هذا النقص والخلل، من خلال حلول سريعة في بادئ الأمر، تتمثل بإقامة دورات علمية متخصصة بالنقد، وأيضا توفير فرص ابتعاث للدراسة والتخصص في المجال. كما أننا نحتاج إلى إدراك مبدعينا لأهميـــة تسلحهم بالوعي الكامل حول فائدة النقد العلمي الموضوعــــي، وضرورة وجوده بقوة.
وبهذا فقط يمكن أن نتخلص من حالة اللبس والخلط والخطأ في تعاطينا مع دور وهدف النقد. فبهذا سنستطيع أن نفصل موضوعة وتوجه النقد في التعاطي مع المنتج، عن أية اعتبارات أخرى تنظر لشخصية المبدع أو الناقد، أو لأية علاقات أو ارتباطات شخصية».
أرضية وضرورات
يشير الشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم، إلى انه اختبر دور وأهمية النقد كمبدع، من خلال الاستخلاصات والتحليلات لعينة من نتاجاته الإبداعية، من قبل الناقد إبراهيم السعافين. ولكنه، يشدد في الوقت نفسه، على انه لا يمكن أن نبحث في أسباب غياب النقد، وعدم قوة حضوره وتأثيره، دون أن نعنى أولا، وقبل أي شيء، بالنظر إليه كمهنة وتخصص مستقل، له متطلبات محددة، ويحتاج كمجال، جملة شروط ومتطلبات، ليكون معها أي ناقد، قادرا على العيش باستقلالية، ومتوفرا له التفرغ، وكذلك بمقدوره أن يحلل ويتناول أي منتج إبداعي بحرية علمية دون أية قيود. ويضيف الشاعر إبراهيم :
«عندما ينظر إلى مجال النقد وفق هذه الاعتبارات، لتركز حينها الجهات الرسمية المعنية، على معالجتها وتامين التخصص العلمي الأكاديمي في مجال النقد، ومن ثم توفير سبل دعم مادي كاف للناقد، عندها فقط نستطيع، أو يسمح لنا بان نتساءل عن سبب غياب النقد، والذي لا يمكن أن يستقيم زخم الإبداع في ظل غيابه، كونه يشكل محور القياس الموضوعي بالنسبة للمبدع، ويكفل تطوير التجارب. وارى انه يمكن أن يكون الحل، بأدنى الحدود، في تضافر جهود مختلف الجهات المعنية، لإعداد جيل جديد ناشئ من النقاد المتخصصين في :
الشعر، الأدب، التشكيل. وذلك عبر مساقات تعليمية تدريبية منهجية تنظمها جهات معنية. وهنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة أن تعنى إحدى الجهات، بتغطية وإصلاح النقص الحــادث والمترســـخ كحلقــــة مفقودة في هذا الصدد، حيث نجد بان المنتج الإبداعي الجديد يبقى مجهولا بالنسبة للنقاد. إذا لا مفر من تحمل جهة ما لمسؤوليـــة إيصـــال المنتـــج للنقاد أولا».
تهيئة مناخ مناسب
يختلف قليلا توصيف الناقد والأستاذ الجامعي، د. سمر روحي الفيصل، لماهية هذه الإشكالية الإبداعية، حيث إنه لا يرى أن النقد قد غاب تماما عن ساحة الإبداع، إذ ما زال هناك بعض النقاد الموضوعيين الملتزمين برؤى فاعلة وجوهرية ينأون معها عن أية اعتبارات أو قضايا هامشية، تؤثر على قيمة ودور ومسؤولية العمل النقدي. ولكن المكمن الجوهري للإشكالية في هذا السياق- من وجهة نظر د. الفيصل- هو انه فعلا بات عدد هؤلاء النقاد يتراجع بشكل كبير. ويضيف:
«يجب أن نراعي ونحن نتناول هذه القضية، أن النقد علم متكامل وقائم بذاته، وبذا فان من يتكفل بمهامه يحتاج إلى مجموعة عوامل وشروط تسنده وتسدد خطاه في السير وفق منهج مثالي، ومن أبرزها توفير مجال للتفرغ المهني وأيضا قاعدة الدعم المادي. وكذلك علينا أن نهتم بتهيئة المناخ الحيوي لانتعاش دور ومساقات النقد في الواقع الإبداعي، عبر عدة أعمال تشترك فيها مختلف الجهات الحكومية والمدنية المعنية.
إضافة إلى وسائل الإعلام. كما انه لا يمكن أبدا أن نحيي قوة النقد في ظل تمسك مبدعينا بتشجيع ذلك الناقد الذي يمتدح أعمالهم فقط، بينما هم يحاربون الآخر الذي يمكن انه يتناول إبداعاتهم بشكل موضوعي. فهذا ما نجد أن المبدعين يقعون فيه دوما».
سلطة المجاملة
ويعتقد روحي الفيصل، أن هناك جذرا عميقا لتضاعف الإشكالية، وهو طبيعة علاقة الناقد والمبدع، حيث يقول: أنا فعليا أرى أن العلاقة ليست صحيحة وايجابية الآن بين الجانبين:
الناقد والمبدع. ذلك لان البيئة الإبداعية العربية عامة، ومنها الإماراتية، في الوقت الحالي، لا تشجع النقد، بل تخنقه وتنحو باتجاه إخفاء الصوت العلمي التحليلي الفكري المعمق. خلافا لما كانت تعيشه الحالة الإبداعية العربية سابقا، إذ برز في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، نقاد عرب أفذاذ أغنوا حركة الإبداع وجودوه واحكموا مساره.
والأمر المحزن أن النقد في واقعنا الرهن بات يستعمل لغة وأدوات العامة، وأصبح يتجه إلى التعميم بدلا من التخصص، فاخذ يخبط بتسطيح رؤاه، وطفق يحلل مختلف الإبداعات (القصة القصيرة مثلا) على أساس تناولها وكأنها ظواهر عامة، دون ان يعنى بتشريح السلبيات والايجابيات.
بل يميل إنه دوما للايجابيات فقط، حفظا للعلاقة بين المبدع والناقد.وأنا أجد أن في مقدمة أسباب ذلك في الإمارات، هجر المبدعين الإماراتيين المبرزين الذين قدموا نتاجات نوعية، هجرهم لساحة الإبداع، وتحولهم إلى الأعمال والتجارة. وهو ما شكل فراغا ملئ بأشكال وألوان مختلفة.
تؤكد الأديبة والإعلامية الإماراتية نجيبة الرفاعي،أن النقد كتخصص إبداعي في الساحة الثقافية المحلية. «تلون بالعلاقات الشخصية. وهو أمسى مرتهنا يتخبط في محور دائرة التكتلات والشللية». وتتابع : «لا نبالغ أبدا في القول إنه بات حضور وتوفر الناقد المؤهل والحيادي الموضوعي، نادرا أو قليلا. لا شك أن الساحة ملاى بمن يقدمون أنفسهم كنقاد، وهو ما يروج لهم بالحقيقة. ولكن الواقع أن نسبة محدودة من هؤلاء، يمكن أن نثق في كونها تمثل النقاد المتزنين والمنهجيين». وتحكي الرفاعي عن الاستنتاجات والضرورات التي تراها في هذا المجال، انطلاقا من تجربتها الشخصية مع النقد والنقاد:
«للأسف نحن نعاني من نقطة جوهرية تتجسد في ابتعاد العنصر المواطن عن مجال النقد. وهذا يخلف فعليا، آثارا عديدة، وذلك كون النقاد الذين يتناولون أعمالنا، هم من الأشقاء العرب المقيمين في الإمارات، وهم يدرسون منتجنا بناء على مدارس وأفكار نقدية نهلوها وتعلموها في بلدانهم. والمفارقة والخلاف هنا برأيي، أن منتجنا هو ابن بيئتنا، ولا يمكن أن يعي كنهه بعمق، سوى ناقد إماراتي، يدرك أبعاد جميع الكلمات والتوصيفات والمواقف».
