الصدفة وحدها قادت الكاتب الإماراتي جمال سالم إلى المسرح، بعد أن كان لاعباً لكرة القدم في نادي الجزيرة الرياضي، النادي الذي توقف بعد أزمة حرب الخليج في بداية التسعينات، وهو ما أدى لجلوس سالم في البيت لفترة طويلة، إلى أن جاءت الفرصة التي غيرت ميوله بشكل جذري، قال عن تلك المرحلة: (ذات يوم كنت أتصفح الجريدة، فقرأت عن مسابقة تقيمها وزارة الإعلام والثقافة، في القصة، والمسرح، والشعر، فكتبت مسرحية وقدمتها للمسابقة، وحصلت على الجائزة الأولى).
بداية جمال سالم المشجعة قادته ليكتب المزيد، ثم تفرغ للكتابة المسرحية، و بعدها للكتابة التلفزيونية. لكنه تميز في المجالين، على مدار حوالي عشرين عاما، هو ما أهله الحصول على جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب، عن مجال الآداب فرع الكتابة الدرامية للعام 2010
(مسارات) التقت جمال سالم وكان هذا الحوار
الا تعتقد أنك اكتشفت موهبتك بالكتابة متأخرا، وبالصدفة أيضا، ألم تتلمس من قبل قدراتك الأدبية؟
هناك مقولة أميركية يستهدفون فيها الكتاب، وهي (إذا الشخص لم يكتب لغاية أربعين سنة فهو ليس بكاتب) وهذه المقولة ربما تصدق أو لا، لكن من لم يكتب لغاية بلوغه الأربعين، معنى هذا أنه لا يمتلك هاجس الكتابة، وجاءني الهاجس عندما كان عمري 22 سنة، ولعبت عملية الصدفة دوراً كبيراً بهذا، فإلى جانب شغفي بالقراءة ومتابعة التلفزيون، أسست نوعا من الثقافة، ووجدت طريقي السهل، خاصة وأن الوسط في ذلك الوقت كان يفتقر للكٌتاب، وكانت الأعمال متوقفة، وكنا كمتفرجين نتساءل لما لا يكون لدينا أعمال خاصة بنا، وعندما كتبت لم أكن أدري أني أساهم بهذه الجزئية، بل كتبت من منطلق التجربة، وليس الاحتراف.
بين الموهبة والاحتراف
هل تعتقد أن غياب التنافس قد ساهم في ظهور موهبتك بشكل كبير؟
طبعا في ذلك الوقت لم يكن هناك تنافس، وهو ما سهل على خوض هذه التجربة، فلو كنت في مجتمع كالمجتمع المصري مثلا، كان من الصعوبة أن أظهر من بين كُتاب معروفين.
لكنك ظهرت من خلال الجائزة التي حصلت عليها؟
الجائزة التي حصلت عليها السنة الماضية في مصر كانت لأفضل سيناريو، ومن بين ثلاث جوائز ذهبية وزعت حينها، جاء اسمي مع الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، ومحمد صفاء عامر، وهم من كتاب مصر الكبار، وكنت أنا الخليجي الوحيد، أقف بينهم وأستلم الجائزة الذهبية.
في عملك الأول الذي كتبته بالعامية حصلت على جائزة، وكذلك في عملك الثاني الذي كتبته باللغة العربية الفصحى بعنوان (بهلول والوجه الآخر) وكان هذا في بداية التسعينات فهل تعتقد أن الجوائز ساهمت في تشجيعك على الاستمرار بالكتابة؟
الجوائز دفعتني لكي أتعامل بمسؤولية مع الكتابة، والا لما نجح أول عمل قدمته، اتصلوا بي من فرقة مسرح الفجيرة وقالوا لي نريد أن نقدم المسرحية، وكان عنوانها (سكة طويلة). وشارك فيها أبطال مسرح الفجيرة في ذلك الوقت، وكان أهمهم صابر رجب، شقيق الفنان حسن رجب، ومنحني حضور المسرحية الكثير، خاصة وأنها نالت جائزة، وهو ما دفعني إلى تقديم عمل آخر في السنة التي تلتها، ولما قدمت عملا كوميديا، أعطيته للفنان أحمد الأنصاري في مسرح دبي، وقدمه وكان من أنجح الأعمال المسرحية في ذلك الوقت.
كوميديا محلية
كيف تقيم المسرحية المكتوبة حين تنتقل من تصور على الورق، إلى شكل فني آخر على المسرح؛ فكيف تقيم عملك حينها؟
- نتغاضى في بعض الأعمال الكوميدية، عن التغيير الحاصل في بعض الأوقات، خاصة عندما تتطور المسرحية مع مرور زمن طويل على العرض، لكن العمل النخبوي يجب الالتزام فيه، بما يعمق وجهة نظر الكاتب، لأن الكاتب في النهاية، يعني فيه كل ما كتبه.
أي من مسرحياتك تعتبرها نخبوية؟
قدمت ما يعادل 70٪ من أعمالي للجمهور، ورغم أني قدمت عملين كوميديين مع الفنان ناجي الحاي، وهما (فراش الوزير، ومسرحية شمبريش) والحاي من أنصار الأعمال النخبوية، لكني عندما قدمت هذين العملين، وجدت فيهما ما يحقق المراد من الفكرة مع الكوميديا، لكن وللأسف هذا لا يحقق لي الجوائز، فالعمل الوحيد الذي أحب أن أدخل فيه كنخبة حصلت فيه على جائزة. ولهذا أرى أني ضحيت من أجل الكوميديا في سبيل إسعاد الجمهور.
ما فلسفتك في الكوميديا وهل تعتبرها كوميديا سوداء؟
فلسفتي في الكوميديا طبقتها في مسلسل (حاير طاير) كانت واضحة جدا، وكما يقولون (شر البلية ما يضحك) لكن هذه ليست ببلية، بل هي ألما، فلم تصادفنا قضية اجتماعية أو قضية تخص مؤسسات الدولة أو المسؤولين أو غيرها، إلا وكنا نأخذها بالجدية والسوداوية التي كنا نقدمها بقالب كوميدي، وهو ما كان يضحك المسؤول والمجتمع والطفل في أن معا.
هل تعتبر أن (حاير طاير) هو مشروعك الحقيقي؟
بالنسبة لي لا أعتبره كذلك، كونه متشبعاً بالخصوصية الإماراتية، عكس الأعمال التي لامست الهم الخليجي أو العربي، مثل (بنات آدم، والدريشة، وجمرة لظى) أما خصوصية (حاير طاير) فأعتبرها مشروعاً مصغراً، من نظام الأجزاء الذي أتاح لي نوعاً من الاستمرارية والترسيخ لاسمي؟
لكن المجتمع الإماراتي بحاجة إلى (حاير طاير) باعتبار أن هناك أعمالا شبيهة قد قدمت وتحمل خصوصية البلد التي تعرض فيها مثل (بقعة ضوء، ومرايا)؟
أو (طاش ما طاش) لكن في بلداننـــا العربية، ما زالت الرقابة تتدخل في كل كلمة تقــال، فإذا شـــذ الكاتـــب عن هذه القاعدة يمنع، وقد يٌرفض العمل من قبل التلفزيون الممول من الجهات الحكومية، فلذلك يختار الكاتب أخف الأضرار وهو الاستمرارية، مع طرحه لأمـــور سطحية، فالوضع العام للمجتمعات ضمن هذه الحدود، وبالمقابل الكاتب الأجنبي يكتب ما يشاء فلهذا السبب يفاجئنا إبداعهم بأفكار جنونية، قد تكون عندي لكني لا أقدر أن أكتبها أو أبوح بها، وعندمـــا نتحايـــل نـــدور في حلقـــة مفرغة، والدليل الأميركيين يعيدون أفكارهم القديمة لأن الناس تستهلك الكثير من الأفكار ولهذا يقول المشاهد حين يراها بأنها لا تحمل الجديد، وهذا صحيح فحياتنا من كثرة التطور التكنولوجي، جعلتنا نرى تجارب الآخرين بكبسة زر.
ما إيجابيات وسلبيات هذا الانفتاح؟
الإيجابيات للجمهور والسلبيات للكٌتاب، والمهتمين في هذا المجال، فلو قدم أحدهم فكرة في الستينيات، تبدو جديدة ولم يٌسمع بها من قبل، وتسنى للبعض أن يقتبسها وينسبها لنفسه، من الذي كان يرى الأفلام الأميركية في ذلك الوقت؟ بينما اختلفت الأمور الآن؛ وبالنسبة لي أجد من الصعوبة أن أقنع الناس، لهذا السبب يمكن القول ان ميزة الطرح في الفكرة جديدة، التي لم تمر على الناس، مثل مسرحية (بهلول والوجه الآخر).
إشكالية المسرح
كيف تتعامل مع أفكارك وهل تتبعها من أجل البحث عن التميز؟
أقول دائماً، إذا أردت أن تكون في الصدارة فيجب أن تتميز، أما إن أردت أن تكون إنساناً عادياً لتبقى كما أنت، وأحياناً قد تعجبني (ثيمة) في فيلم أجنبي، فأخذ الثيمة، وأطورها في قالب تصلح فيه لمجتمعاتنا، فالتقليد ليس خطأ إن كان فيه إجادة وهناك فرق بين التقليد والنسخ، فالأفكار انتشرت في العالم، وليس بعيب أن ترى كل ثقافات الشعوب، وتأخذ منها ما يصلح لمجتمعك، وتؤطره بشكل صحيح وتقدمه، لأننا كخليجيين نحتاج إلى التجديد،، ولهذا يجب العودة إلى الإطار نفسه أكتب في الاجتماعي، وقضاياه مختلفة، وهو ما يؤدي إلى التكرار. وهذا مؤلم، خاصة وأننا نفتقد للحالات والطبقات الموجودة في دول أخرى، كما تعرضت للوم عندما قدمت عائلة إماراتية فقيرة، وسألوني هل تقدم واقعا مع العلم أن أفكاري مما يكتب في الصحف، وعندما قرأت أن السقف وقع على أسرة إماراتية، حولتها لقصة.
لماذا تركت المسرح واتجهت للدراما؟
الجواب ذو شجون، هل تعلمين أنه لا يوجد مسرح في أبوظبي، وهل تعلمين أن مسرح العين شبه متوقف، رغم مطالبات سلطان النيادي، التي لم تستجب وهو ما أدى لاعتزاله، أما المسارح الأخرى فتعطي وتنتج من سنوات، والدعم المقدم من قبل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالكاد يغطي مصاريف المسرح في أبوظبي، فالمسرح مكلف ويحتاج إلى ثقافة ونخبة.
الا تتوقع أن يكون هناك عودة أخرى للمسرح؟
العودة مرهونة بانتعاشة حقيقية، فالجهود موجودة في إمارة الشارقة فقط، ما عدا عن ذلك، أقول عندما أحلل المجتمع أحلل المجتمع الفني، وعندنا مشكلة فيه؛ ففي التسعينيات كانت الهواية والرغبة والوقت والجهد والمال في سبيل إنشاء مسرح وثقافة فنية، ولكن الحياة تغيرت، ومن حق الفنان أن يتغير، فالفنان يقول تركت بيتي وأسرتي، والفرص الأخرى من أجل هذا المجال، لكن عندما يعيده هذا المجال إلى الوراء، سيتراجع ويقول الزمن تغير، وأي واحد يقول لن أتحرك بدون أجر، والكثيرون تركوا المجال الفني في سبيل التركيز على الوظيفة، وهناك من اعتزل المجال، بسبب الظروف، والاستنزاف للطاقة بدون مجهود كبير، ومن الصعب أن نطلب شيئا من هذا الجيل إن لم تكن الظروف مهيأة.
ما الذي يمكن أن تقوله للنهوض بالمسرح؟
المسرح نتاج جهود متراكمة عبر السنين يمكن أنت تزرع ولا تستفيد، ولكن عندما تؤسس ويأتي جيل ويرى النتائج مطمئنة سيستمر، نحن مقبلون بعد عشر سنوات على حالة فنية إما أن تكون في هبوط أو صعود، وما يهمني أننا في زمن صعب يجب أن نحافظ فيه على المجموعة التي لدينا وخوفي بعد عشرين سنة سنفتقد للمواهب المسرحية الموجودة فهؤلاء نتاج جميل أتمنى أن لا نخسره، أنت سألتني (لماذا تغيبت عن المسرح) جوابي أنه لا يوجد سوى بعض الأصدقاء يسألون هذا السؤال، هذا الزمن هو زمن نهايــات التميز، وأرجو أن يظهر جيل جديد بنفس الحماس والصبر، الذي يستطيع أن يتحمل ما تحمله الذين جاءوا قبلنا.
سيرة ذاتية
؟ تخرج جمال سالم من كلية الإعلام جامعة الإمارات عام 8791.
؟ حصل على العديد من الجوائز المحلية والعربية منها جائزة تيمور للإبداع المسرحي في مصر في العام 1995.
؟ من أعماله المسرحية شمبريش، فراش الوزير، سجون خمس نجوم، ساهر الليل وغيرها.
؟ من أعماله التلفزيونية حاير طاير، عمى ألوان، بنات آدم، عجيب غريب، وغيرها.
؟ شارك كعضو تحكيم في العديد من المهرجانات منها مهرجان الشرق الأوسط السينمائي عام 2007، مهرجان الشارقة المسرحي 2008، ومهرجان المسرح الخليجي في قطر عام 2010.
