تمتد تجربة الشاعر اللبناني اسكندر حبش إلى أوطان قصية ومناف معاشة وأزمان متباينة، وما بينها يبزغ فجر تجربة إبداعية بدأت بالشعر وطالت الترجمة والدراسة والرواية والصحافة، وصولاً إلى الرسم وأدب الرحلات، وكأن ذات المبدع تطفح بكثير لا يتسع له جنس إبداعي بعينه، ذات تتجول عطشى بين أروقة الابداع بكل أشكاله، لكنها لا تتيه عن نفسها أبداً، حتى عندما يتعلق الأمر بالترجمة، التي لا يقدم عليها صاحب ديوان (ذاكرة الطير)، إلا عندما يتماهى النص مع ذات يسكنها قلق لا متناه يمد جناحيه ليحلق صاحبه بعيداً.

 

« البيان » حاورت اسكندر حبش على هامش مهرجان الشعر العربي في الشارقة. .

 

لماذا يكتب اسكندر حبش؟

هو السؤال الأبدي الذي أجد له جواباً مختلفاً في كل مرة. غالباً ما أتساءل، لم بدأت بهذه المرحلة؟ ولم أنا مستمر فيها لغاية الآن؟ في البداية، كان زمن الحرب في لبنان وكنت أجد في الكتابة توازني بمواجهة المعارك التي كانت تغطي شوارع بيروت. لاحقا أقنعت نفسي بأني صاحب مشروع وعلي تحقيقه عبر الكتابة. لكن بالتأكيد سقط ذلك كله. في أي حال أكتب اليوم شعراً، ترجمة، صحافة...إلخ. لأني لا أجيد القيام بأي عمل آخر حتى إني نسيت الأسباب التي قادتني إلى ذلك كله.

 

الشاعر اسكندر حبش اسم لمع نجمه في قصيدة النثر وأنت تعتبر من كتابها المحترفين، هل تركت قصيدة النثر في الشعرية العربية ما تركته قصيدة التفعيلة؟

لا أحد يستطيع أن ينكر حضور القصيدة الكلاسيكية الموزونة في حياتنا الشعرية والثقافية، هو تراث بديع وكبير أفسح للشعر مكانة مرموقة في ثقافتنا، لكن لسؤال الذي أطرحه اليوم هو: هل هناك شعراء كبار يكتبون القصيدة الموزونة؟ انهم قلة قليلة جداً، النظم هو الطاغي والصورة الشعرية مكررة واللغة محطمة. استمعت مؤخراً إلى عدد من الشعراء العرب في مهرجان الشارقة للشعر العربي وهالني اللاشعر الذي كان حاضرا. ثمة أصوات قليلة لفتت انتباهي. أقول ذلك ولا أقصد بالتأكيد أن قصيدة النثر قد اكتسحت الساحة، لكن علينا الاعتراف أن الكثير من الشعر الجديد الذي ينتمي إلى هذه القصيدة، فتح آفاقاً أوسع وأرحب من القصيدة الكلاسيكية.

 

اللغة والشعر أو قوة اللغة في الصورة الشعرية، أيهما أسبق على الآخر؟

يذكرني السؤال بفكرة إغريقية قديمة، قال أجدادنا الإغريق، وأعتبرهم أجدادنا لأننا لم نخرج بعد من هذه اللحظة التاريخية. وفي أي حال، قالوا إن الشعر عربة يجرها جوادان، جواد العقل وجواد العاطفة، بيد أن الإضافة العربية على ذلك كانت أعمق، إذ حدد النقاد العرب القدامى، الأدب، بأربعة أركان: العاطفة والخيال والعقل والأسلوب. ربما لايزال يصح هذا القول لغاية الآن. أعتقد أن اللغة تولد الصورة، والعكس صحيح أيضاً. لا يمكن في الشعر ؟ باعتقادي - تفضيل أمر على آخر، وإلا انكسر الميزان.

 

هل الشعر طقس باطني يخص كاتبه فقط، أم أن هناك علاقة لما يكتب من شعر بآخر متلقٍ قد يحسب حسابه عند ممارسة هذا الطقس؟

هو طقس داخلي وخارجي في الوقت عينه. نكتب لأننا، أولاً، بحاجة لأن نكتب، أي لنعبر ببساطة. وبالتأكيد ثمة متلق ينتظر- ما إن ننشر- ما كتبناه، وإلا من الأفضل عدم النشر. لكن المفارقة التي علينا الانتباه لها ــ على الأقل في تجربتي- أني لا أعير المتلقي اهتماماً، أقصد لا أفكر بما يرغب فيه لكي أكتب له ما يريده. أكتب ما أريده أنا وإذا حدث أن أحب المتلقي ما أكتب، فذلك يسعدني. أنا لا أبحث عن مساومات ولا عن تنازلات. حيث تبدأ بجعل المتلقي الميزان، فسد الأمر كله. أكره كلمة الجماهير. هي كائنات بآلاف الرؤوس، وبضعف ذلك من الأرجل.

 

تردد دائماً أنك تسعى وراء لغة تنتقد اللغة الشعرية السائدة..

كتبت عن ذلك مراراً. هناك أمران يجب الانتباه لهما. تحدثت أولاً عن اللغة المنتصرة، أي تلك اللغة السائدة، المشتركة بين الجميع في الكتابة، وعنيت بذلك البلاغة المسيطرة على الشاعر من دون البحث عن أمر آخر. وأعود بذلك إلى ما قلته قبل قليل عن الأركان الأربعة عند النقاد العرب القدامى.

 على الشعر أن يوازي بين الجوانب كلها كي تستقيم القصيدة برأيي. ثانياً تحدثت عن اللغة الشعرية السائدة. وانتقدت بذلك قسماً كبيراً من شعر قصيدة النثر التي أوقعها البعض في نمطية واحدة. حين تقرأ قصيدة اليوم، لا تعرف إن كان من كتبها هو شاعر سوداني أم فلسطيني أم لبناني..إلخ. إذ يتجهون كلهم إلى كتابة متشابهة، تغرف من المعين نفسه. لا أحد يرغب في البحث أكثر، لا عن صورة جديدة ولا عن لغة مختلفة يمكن لها أن تكون لغته. أحب الشعراء الذين يملكون عالمهم الخاص، والمستقل، الذي لا يعني أبداً أنه يشبه عالمي أنا.

بصراحة، أعتقد أن هذا أفضل للشعر. مضى الزمن الذي كان فيه الشاعر يمثل فيه كل شيء، أي أجد أن الثقافة اليوم لا تقتصر فقط على الشعر، بل إنه يمثل جزءاً منها. شخصياً، وكما قلت، لا أحب الجماهير، التي لم تتوسع مداركها لتصل إلى فهم ما يكتب. وبالطبع تعرفون كلكم مقولة أبي تمام الشهيرة. ما أقصده في ذلك كله أنه لا وظيفة للشعر اليوم، إلا وظيفة الشعر نفسه. الكتابة للكتابة، لا لشيء آخر. لا أريد قصائد تغير التاريخ، بل أن «تغير» كاتبها قبل أي شيء آخر.

 

يعتقد بعض النقاد بأن هناك خصوصية حاضرة في شعر اسكندر حبش، تتعلق بالتذكر والماضي والحنين، هل يمكن اعتبار هذه الثيمة ركيزة أو منطلقاً لتجربة شعرية؟

لأقل إن الإنسان لا يحيا في الحاضر، بل يشكل ماضيه جزءا أساسيا من حياته، بانتظار المستقبل. كتبت جزءا من شعري عن ماضي أنا، وعن حياتي، هذا صحيح. أنا ولدت من هويات متنوعة. جداي وجدتاي أتوا من هجراتهم الخاصة ليقيموا في لبنان حيث ولدت. أنا لبناني باختياري، لكن ذلك لا يفرض أن أتناسى كل جذوري المختلفة التي شكلتني، هذا أولاً.

وثانياً، كل هذه الهويات التي نسيتني كانت هويات قاتلة (في ما لو استعدنا التوصيف المعرف لأمين معلوف)، أي هويات عرفت المذابح والقتل والتهجير. نشأت في عالم يغلفه الحنين، تغلفه الذاكرة المليئة بالحزن، ناهيك عن الحرب اللبنانية التي عشتها والتي فقدت فيها الكثير من الأصدقاء، الذين، إما ماتوا، أو رحلوا عن لبنان. فنحن أبناء حياتنا الخاصة، ولا يمكن للشعر إلا أن يكون ابناً لهذه الحياة. نكتب عن أنفسنا بالدرجة الأولى. لا أنكر إذا أن هذين القطبين حاضران بقوة، لكنهما لا يشكلان كل شعري.

مثلا، في ديوان( أشكو الخريف)، أعدت قراءة أسطورة جلجامش على طريقتي، بمعنى حاولت أن أماثل بين شخصية انكيدو وبين الانسان المعاصر. وفي مجموعتي الجديدة التي تصدر قريبا، حاولت أن أذهب أكثر إلى مسائل ميتافيزيقية، وهي تجربة تختلف كثيرا عن كتاباتي السابقة. لا أعتبر أني توقفت عند تجربة معينة. كل كتاب يحمل هواجس مختلفة عن سابقه.

 

تمتد تجربة اسكندر حبش إلى أوطان بعيدة ومنافٍ معاشة، ما مدى تأثير تلك المنابت على تجربتك الابداعية؟

بالتأكيد هي هويات وأوطان أغنتني كثيراً. أن تكون عربياً لا يعني مطلقا بالنسبة إلي أن أسجن نفسي في إطار واحد. أن أكون عربياً معناه أن أغرف من جميع الثقافات التي تحيطني، أن أغرف من جميع هذه الديانات والثقافات وهذه الأفكار. فماذا أقول إذا عندما وجدت نفسي غارقا في كل هذه الحضارات والثقافات التي شكلتني.

 

ما الجديد في تجربتك الشعرية أو في الترجمة أو في ميدان الصحافة وأدب الرحلات؟

هناك مشاريع جديدة في الأفق. لم أعد أفعل شيئاً منذ سنوات سوى الكتابة والترجمة. هناك ديوان شعر جديد سيصدر هذا العام، كذلك كتاب جمعت فيه بعضاً من المقالات والدراسات عن شعراء أحبهم وكتبت عنهم. هناك أيضاً كتاب رحلات، جمعت فيه العديد من كتاباتي التي كنت نشرتها في الصحيفة حيث أعمل.

وهي تنطلق من أشياء ثقافية إذا جاز التعبير. وأحاول أن أروي فيها سيرة مدن زرتها، لكنها سيرة ذاتية، أي وفق نظرتي، ومن المفترض أن تصدر الترجمات التي قمت بها في السنوات الأخيرة وهي عدة، إذ إنني أتفرغ لترجمة الكتب لسنوات، ومن ثم أصدرها دفعة واحدة.

 

ماذا عن الرسم، سمعنا أنك غارق في تجربة تشكيلية جديدة؟

من أخبرك بذلك؟ بعض الأصدقاء. هذا صحيح.

إلى أين تريد أن تصل بالجناس التعبيرية التي خاض غمارها حتى الآن والتي يضاف إليها هذه التجربة الجديدة في الرسم، حيث يبدو أن عدداً من اللوحات قد أصبحت جاهزة للعرض، هل ذات اسكندر حبش تطفح بكثير يحتاج إلى كل تلك الجناس كي يبوح بما لديه؟

أولاً، لن أدعي أنني فنان تشكيلي، هي محاولة أحببت أن أخوض غمارها. عرضت بعض اللوحات على أصدقاء تشكيليين وجدوا أنها تجربة جيدة. شعرت بفرح حقيقي واستمريت بها. كلها تجارب لهذه الذات التي لا تريد أن تستقر، التي لا تعرف إلا القلق. لأقل هي محاولات باتجاه تنفيس هذا القلق.

واسمح لي أن أجيب عن هذا السؤال بطريقة أخرى. نعرف كلنا حياة الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، الذي كتب شعرا بأسماء عدة، لكنها لم تكن أسماء مستعارة، بمعنى أن الاسم المستعار هو مجرد اسم فقط، بينما النص يبقى ذاته. لقد كتب نصوصا مختلفة عن بعضها البعض، اعطى لكل حالة اسما خاصا بها. وربما أحببت أن اقلب هذه القاعدة. كتبت الشعر والصحافة والترجمة والدراسة والرواية، ومارست الرسم. لكني أبقيت على اسمي الخاص. انها وجوهي المتعددة، أو لأقل إنها أقنعتني المتنوعة، التي تحمل كلها اسما واحد غير مستعار.