هل صحيح أن المسرح في الإمارات لم يقترب من وليام شكسبير على الرغم من مرور خمسين سنة تقريبا على انطلاقات بوادره وظواهره الأولى؟ هل يتجنب المسرحيون في الإمارات النصوص الشكسبيرية لصعوبتها من ناحية التنفيذ؟ أم لصعوبة الإبحار الأدائي في أقاصيها الشعرية والأدبية؟ هل انتفت جدوى مقولاتها في الوقت الراهن؟ أم ان خلودها في التاريخ المسرحي وشيوعها العالمي ما زال يضمن لها جمهور متدفق يصر على إبقاء الشعلة الشكسبيرية موقدة؟
في الشهر الاخير ، كان الباحث والمترجم زكريا احمد يتحدث في منتدى الاثنين الذي تنظمه دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة حول خلود أعمال مسرحية مثل ماكبث وعطيل والملك لير وحلم ليلة صيف والبخيل، واستمرار الشاعر الانجليزي الفذ وليام شكسبير على قائمة أهم كتاب المسرح في العالم.
واستمرار المفكرين والمنظرين والأدباء والنقاد في سبر واستبطان اغوار نصوصه ومونولوجاته، وجملته المغمسة بالدلالات الفريدة، حيث يبقى شكسبير صاحب الجملة المسرحية الفذة، والبناء الدرامي المحكم والشخصيات التي يعالج دواخلها كاشفا عن دراية فيلسوف وعالم نفس يتنقل بين فاصل الشر والخير يعجن المشاعر ويخلطها كما يرى فتخرج شخصية مكبث أو عطيل، أو ياغو وكأنها شخصيات ماثلة نراها أمامنا في الطريق، يسكننا شيء منها.
ويومها قال الباحث زكريا وهو يتأمل خلود النصوص الشكسبيرية ان تأثير شكسبير في المسرح العربي قوي وملحوظ في أغلب النتاجات المسرحية، رغم أن ما تم تقديمه حتى الآن هو مجرد ملامسات وإلهامات واقتباسات متناثرة من الإرث الشكسبيري الهائل الذي لم ينضب رغم مرور مئات السنين على الولادة المسرحية لأعماله المهمة مثل هاملت وعطيل وماكبث والملك لير وحلم ليلة صيف وروميو وجولييت والعاصفة، وغيرها من الأعمال التي طبعت بصمتها المتوهجة على خشبة وأدبيات المسرح في كل أنحاء المعمورة.
وتحدث عن الأسماء في المشهد العربي المسرحي القديم والمعاصر والتي قدمت إسهامات لامعة من المسرح الشكسبيري سواء من خلال الإخراج أو النقد والترجمة ومن هذه الأسماء ألفريد فرج الذي وصفه المحاضر بأنه كان مشدودا ومنصهرا تماما بروح شكسبير.
وهناك أيضا الشيخ سلامة حجازي وجورج أبيض وجواد الأسدي واحمد عبدالحليم، فيما يتعلق بالإخراج، وفي مجال النقد والترجمة والتأليف ذكر محمد عنان، وممدوح عدوان، وخليل مطران وجبرا إبراهيم جبرا ومحمد مصطفى بدوي وغيرهم.
وقال إن الترجمات الأولى لأعمال شكسبير وخصوصا على يد مطران وجورج أبيض غلب عليها البلاغة والأناقة السردية التي انتصرت للغة الشعرية الباذخة التي قدمها شكسبير وطغت على العناصر الدرامية في أعماله.
عروض عربية غير مكتملة
أصر الباحث زكريا احمد في بحثه حول أسرار بقاء وخلود الظاهرة الشكسبيرية، على أن العرب لم يقدموا مسرحيات مثل هاملت وعطيل وماكبث وغيرها، كما هي عليه ومن النصوص الأم، وان المقاربات التي تعاطى بواسطتها العرب مع النص الشكسبيري هضمت الكثير من فنياتها وادبياتها ومن فرجتها الحقيقية. وهذه الحقيقة التي أدلى بها الباحث زكريا احمد تواجه على الجانب الآخر من مسرحيين عرب وخليجيين وهنا أيضا في الإمارات بمقولات مفادها، ان النص الشكسبيري في بيئات مختلفة عن بيئته الأصلية لابد أن يستدعي تنفيذه أساليب تهيئة تذهب به إلى تلك الملامسات والمقاربات.
وان تقديم عرض مسرحي لماكبث أو عطيل سيستدعي العودة إلى مفردات الحقبة التاريخية وهذا سيكون ضربا من المستحيل. أما الرأي الآخر المساند فيشير إلى ان الكنوز المسرحية الشكسبيرية المتمثلة في تلك النصوص الخالدة، تحمل ما تحمل من المعالجات التي تصل لكل زمان، فهي تعبر عن النفس البشرية وما يعتريها في الحد الفاصل بين الشر والخير.
وان كثيرا من أعمال شكسبير حتى وان بدت تسجيلا لأحداث وحكايا تاريخية وقعت، إلا أنها في النهاية تتحدث عن تفاعلات الإنسان في ظروف وبيئات مختلفة، وان هذه التفاعلات والاعتمالات النفسية، قابلة أن تبقى، طالما أن القاسم المشترك مهما اختلف الزمان والمكان، هو الإنسان.
في المسرح الإماراتي لم يقترب المسرحيون من العمل على نصوص شكسبير، كما هي عليه، وانما ذهب قلة منهم إلى النهج الذي تعاطى معه العرب، قاربوا بعض الأعمال وهيئوها لبيئتهم، اقتبسوا واعدوا وعدلوا واخذوا ما يريدون من ذلك الغنى في الشخصيات والأحداث والاختبارات النفسية، والشعرية الفذة في النص الشكسبيري..
عطيل يتحول إلى علي
المسرحي الدكتور حبيب غلوم ينفي أن يكون المسرحيون العرب قد اغفلوا شكسبير وتنفيذ أعماله كاملة كما هي، مؤكدا على أن المعاهد الأكاديمية المنتشرة في أرجاء الوطن العربي تدرس التجربة الشكسبيرية لطلابها، وهناك عروض مسرحية قدمتها مجموعات شبابية من طلبة تلك المعاهد، ذهبت إلى تقمص العرض الشكسبيري بتاريخيته. ويؤكد أيضا على مقولة التيار الذي يأخذ بشمولية النصوص الشكسبيرية في معالجتها لقضايا إنسانية فردية وجماعية.
ومن انها أثرت في النصوص العربية المكتوبة بشكل مباشر، وتأثر العديد من المؤلفين المسرحيين العرب بالصياغات والتراكيب والبنائية الشكسبيرية في أعمالهم، وهناك مئات من النصوص المسرحية العربية، التي يشتم منها رائحة التناص والتأثر، فشخصية هاملت تواجدت في العديد من القصص المسرحية، وكذلك لير وكذلك عطيل وياغو وديدمونة وكثير من الشخصيات التي ابدعها الخيال الشكسبيري.
وعن تعاطي المسرح الإماراتي مع نصوص شكسبير.
وأشار د.غلوم إلى ان الكثير من النصوص المسرحية المحلية ترتكز بشكل أو بآخر على مناخات شكسبيرية، وهذا دليل على تأثير تلك اللغة المسرحية الخالدة في تلك النصوص، واضاف: ان مسرح رأس الخيمة كانت له تجربة في الاتكاء على نص هاملت في العام 1980 مع المخرج البحريني خليفة العريفي، فقد تم اعداد نص تحت عنوان (المهرجون) وباللهجة المحلية استدعيت فيه شخصية هاملت عبر شخصية (علي)، وشارك الدكتور حبيب غلوم في لعب هذه الشخصية بجانب الممثل عبدالله الاستاذ والممثلة سعاد جواد.
ويعطي غلوم مثلا آخر في مسرحية (المنديل) التي قام بإعدادها واخراجها عن مسرحية (عطيل) في العام 1990 وشارك فيها نخبة من ممثلي المسرح الإماراتي من بينهم: الفنانة سميرة احمد وناجي الحاي، جمال مطر، عمر غباش، محمد الدوسري وحسين بكار، وهذا الاخير لعب شخصية شكسبير التي تحضر على خشبة المسرح ويدور بينها وبين المخرج حوار فحواه، رغبة المخرج في استدعاء عطيل وجلبه إلى البيئة الإماراتية في ذلك الوقت.
وتجدر الاشارة إلى ان اغلب الأسماء التي شاركت في هذا العرض تعد اليوم من علامات المسرح الإماراتي وهي التي تقود مرحلته الحالية.
على الجانب الآخر يشير د. غلوم إلى أن مزية النصوص الشكسبيرية في انها تحمل معالجات لقضايا ومواضيع إنسانية ترتبط بالمجتمع الانجليزي في عصر شكسبير، وهي تحمل مواصفات المجتمع التقليدي المحافظ القريب جدا من بيئة ومناخات المجتمع الإماراتي، ولهذا فان الكثير من نصوص شكسبير تحمل وحتى اليوم معادلات موضوعية واجتماعية تصلح لأن يتم تقبلها في المجتمع الخليجي.
حلم ليلة مسرح
المسرحي إبراهيم سالم والذي عرف بتبنيه لمسرح يحمل ملامح العبث والتجريب، يحمل في مخيلته تصورا، يصل إلى مرتبة الأمل، بل والحاجة الماسة أيضا، حيث ينادي كثيرا بضرورة وأهمية أن تحضر الظاهرة الشكسبيرية في ملامح المسرح الإماراتي، ويؤكد سالم على أن أهمية تبني اعمال شكسبير تعود إلى اهميتها في ربط المسرحي بأصول اصيلة في الاداء والتقمص.
وثراء اللغة الشكسبيرية تكسب الممثل مساحات واسعة للاداء الصعب والمطلوب، كما ان هذه العروض توفر فرصة كبيرة للتعبير الجسدي في المعارك التي تتضمنها والمشهديات العالية التقنية، وكذلك الأزياء وأعمال الماكياج.
ونذهب مع حلم سالم الذي يتخيل انه من الضرورة بمكان، ان تتبنى فرقة تخصيص نشاطها للعروض المسرحية العالمية، اعمال لبرانديلو وشكسبير وابسن وتشيخوف وغيرها من الأسماء المضيئة في سماء المسرح العالمي.
ويقول: أتمنى أن توجد فرقة تخترق السائد وتكسر الروتين وتلغي التشابه في التوجه السائد الآن لدى فرقنا المسرحية التي صارت تنتج اعمالا مسرحية متشابهة وعلى خط واحد وضمن اسلوب واحد.. ان هذه الفرقة يجب ان تولد في واقع المسرح المحلي، لأنها ستفتح على مناخ وطقوس مسرحية مغايرة ومختلفة، ثم ان الساحة تحتاج إلى اطلالة من نوع خاص على أعمال هؤلاء العمالقة الكبار في العالم، أرى أن هذه الفرقة ستحتاج إلى دعم كبير، يمول سواء عبر المؤسسات الرسمية، أو الخاصة، لأن تنفيذ تلك الأعمال سيتطلب توفر امكانات كبيرة، خصوصا اذا ما تخيلنا عملا شكسبيريا، فمثل هذا العمل سيتطلب شهورا للتدريب، وسيتطلب أزياء من نوع خاص وتفاصيل فرجوية وادائية.
ويؤكد سالم: أن الوقت قد أزف لكي يرقى مسرحنا إلى مثل هذه النوعية الضخمة من الأعمال المسرحية، وان نفتح نافذة نطل بها على الآخر ونساهم من خلالها في انجاز المشهد العالمي للمسرح. كما ينفي سالم ان تكون هناك تجارب شكسبيرية خالصة قام بها المسرح المحلي في الإمارات، ويتفق كثير مع مقولة الباحث زكريا احمد في ان العرب لم يتعاطوا مع التفاصيل الشكبيرية بدقة متناهية.
والتي تتطلب العودة إلى العصر الشكسبيري وتفاصيله البيئية، وإنما اغلب ما قدم هو مقاربات، ومحاولات إعداد وتطويع لتلك النصوص عبر رؤى ادعت التجديد، والخروج من قيد النص الشكسبيري الذي يراه المسرحيون العرب، انه قيد ثقيل ومهلك ومكلف وصعب. بالرغم من انهم لا يعترفون بضعفهم أمام تلك الصعوبة.
الأديب المر وشكسبير
في مناسبات عديدة وعبر لقاءاته المتكررة مع المسرحيين جماعات وأفرادا يلوح الأديب محمد المر بأهمية الاهتمام بالأدب المسرحي الشكسبيري، وفي لقاءات على هامش فعاليات مسرحية وتظاهرات ثقافية كان الأديب المر لا يخفي ولا يقاوم رغبته الجامحة في أن يتبنى المسرحيون الإماراتيون أعمال شكسبير وتطويعها للمسرح المحلي.
وأحيانا كان يرفع صوته منبها إلى اهمية الولوج إلى هذا العالم الفذ في تلك النصوص المسرحية. وكثيرا ما حمل هداياه من نصوص هذا المسرحي العالمي إلى بعض المخرجين والمؤلفين والممثلين، وفي الآونة الأخيرة، سعى المر وبجهود فردية إلى توزيع مجموعة أعمال شكسبير المصورة على اقراص (دي. في. دي) إلى بعضهم كنوع من الترغيب والاغراء والاستفزاز المدروس.
روميو وجولييت بالمحلية
ومن الذين تأثروا بهذه الدعوة المخرج الشاب سالم باليوحة الذي قدم قبل ثلاث سنوات من الآن مسرحية بعنوان (القصيدة الأخيرة) مع فرقة مسرح الشباب للفنون بدبي أعدها المسرحي عبدالله صالح عن مسرحية شكسبير (روميو وجولييت).
وكانت رغبة باليوحة هي الذهاب إلى مناخات النص الشكسبيري باعتباره نصا مكتملا على الشباب الذين يلجون بوابة المسرح ان يتكئوا عليه، لأهمية ذلك في بداية الطريق، وخصوصا الممثلين الذين يجب ان يعوا مسائل التقمص والأداء والبحث عن دواخل الشخصيات التي يقومون بأدائها..
وانشأ المخرج باليوحة مكان أحداث روميو وجولييت، أو القصيدة الاخيرة في باحة حي يعطي ملمحا من الحي الإماراتي الارستقراطي في فترة الاربعينات والتي كانت عمارته من البيوت الطينية، واعتمد على جوقة، وعلى اكسسوارات فوانيس الانارة والبنادق، وحقق مشهد اللقاء بين روميو وجولييت الشهير عبر النافذة، لينفذه من فوق سطح المنزل الذي يمثل الشرفة الحقيقية في البيت الإماراتي، الخليجي. ووصف في مشاهد الغزل العذري قصائد من الشعر الشعبي المعروفة لدى الجمهور.
