أحد أبرز شعراء ستينات القرن العشرين في مصر والوطن العربي، ذو تجربة شعرية طويلة واكبت مختلف التحولات التي عرفتها القصيدة العربية، هذا هو الشاعر والناقد المصري محمد إبراهيم أبوسنة، الذي رصع مشواره الشعري بنحو 13 ديواناً، بدأها بـ«قلبي وغازلة الثوب الأزرق»، ومن ثم اختتمها حديثاً بديوان «تعالي إلى نزهة في الربيع»، بالإضافة إلى عدد من المسرحيات، وقد حصدت مؤلفاته العديد من الجوائز ومنها جائزة محمد حسن فقي عن ديوانه «ورد الفصول الأخيرة»، وجائزة جامعة شتيرن بألمانيا.. وفي هذا الحوار يغوص معنا أبوسنة في تجربة شعرية لا شواطئ لها.. وهذا نص الحوار..
باعتبارك واحداً ممن لديهم تجربة طويلة مع الشعر.. كيف تنظر إلى هذه التجربة الآن؟
منذ إصدار ديواني الأول «قلبي وغازلة الثوب الأزرق» عام 1965، وأنا أشعر بأن الشعر هو أجمل مغريات هذه الحياة، لذلك لم أسلك إلا الدرب الذي يؤدي إلى تجويد تجربتي الشعرية، وكنت شديد القلق بالنسبة لتطوير هذه التجربة، وعدم تكرار هذه التجربة في قصائد ودواوين مختلفة، ومن هذا المنطلق، ورغم نشأتي الأزهرية، فإن المؤثرات التراثية لم تكن واضحة في دواويني؛ لأنني حاولت أن أكافح التراث الذي امتلأ به وجداني حتى لا تمتصني اصداء عصور قديمة، فكان يمكن ان أكون شاعراً أزهرياً تقليدياً ككل الشعراء الأزهريين لو استسلمت لجاذبية المناطق الشعرية الأولى مثل العصر الأموي، أو العباسي، أو عصر الإحياء، لكني أردت أن أخرج إلى النور لأكون واحداً من شعراء الستينات في مدرسة الشعر الحديث، بمعنى أنني أردت أن أكون ابناً لعصري، معتمداً على التجديد والتطوير في أشعاري.
لكن هناك بعض الحركات الشعرية الجديدة التي تحدث ضجيجاً دون أن تركز على فكرة التطور والتجديد؟
شهدت حركة الشعر الحديث انقلابات جذرية؛ لأنها تناولت الجذور الايقاعية والبنيوية للجملة والصورة الشعرية، وكانت مناطحة قوية بين «المدرسة الجديدة» مدرسة الشعر الحديث، و«المدرسة الكلاسيكية»، وما تلاها من مدارس الشعر العربي الحديث مثل «الرومانسية، الديوان، المهجر، أبولّو»، وكان هناك جيلان لحركة الشعر الحديث، هما جيل «الروّاد»، أو ما يعرف بجيل الخمسينات، الذي ضم أسماء «أحمد عبد المعطي حجازي، صلاح عبد الصبور»، ثم جاء الجيل الذي أنتمي إليه وهو جيل «الستينات»، الذي كان يمثل مرحلة تطور وتحول في الحركة الشعرية، وبذلك تولد الصراع بين المدارس الشعرية، أو لنقل الأجيال الشعرية، ثم انتقل بعد ذلك ــــ حسب الثقافة ــــ إلى صراع بين الشعراء أنفسهم، حتى تغير المشهد الشعري بعد نكسة 1967، وهو التحول الذي أفرز في السبعينات مدرسة شعرية جديدة وقف وراءها شعراء السبعينات.
حالة فوضى
صف لنا الخريطة الثقافية بعد النكسة، وهل فقد الجمهور آنذاك الثقة في الشعراء؟
شهدت تلك الفترة حالة من الفوضى والفراغ الثقافي بعد احتجاب عدد من المجلات، وفي هذا الوقت ظهر شعراء السبعينات الذين تعاملوا مع الأجيال السابقة لهم على أنهم جزءٌ من المنظومة التي سقطت أو انهزمت.. وتصور هؤلاء أن «الستينيين» قد ذهبوا إلى العدم بعد هذه الهزيمة، وأن المسؤولية مسؤوليتهم، وكانت النتيجة أن مرت حركة الشعر آنذاك بأزمات إبداعية ونقدية أدت إلى انصراف الشباب عن التواصل معها.
ولا أريد أن أحمل الشعراء وحدهم مسؤولية هذا؛ لأن أجهزة الإعلام أيضاً كانت لها مواقف متسببة في هذا الانقطاع، إضافة إلى أن كتابات «السبعينيين»، وما بعدها، كانت تتطلع إلى التخلص من القضايا الكبرى، والاهتمام بشعرية الواقع، وبنوع من الذاتية أدت إلى غموض الكتابة، بذلك اكتملت مجموعة عناصر أدت في النهاية إلى عدم التواصل بين القراء والشعراء، ووقع الكثير من الشعراء في حفرة النسيان بعد أن تجاهلهن النقد والقراء على السواء.
لكن على العكس مما تقول كان هناك اهتمام نقدي بأعمالك.. كيف تفسر ذلك؟
كلامك صحيح على مستوى النقد فقط، أما الإعلام فلم يكن لي نصيب فيه، وهناك فارق بين الاثنين الآن، الاهتمام النقدي هو الأبقى والأهم للشاعر، لذلك سعدت بعدد من الكتب النقدية المهمة التي صدرت عني خلال الفترة الفائتة، ومنها «محمد إبراهيم أبوسنة.. الخطى والأثر» للدكتور عبد الحكم العلامي، كتاب «تجديد الخطاب النقدي» للدكتور محمد نجيب التلاوي، الذي قدّم فيه دراسة تطبيقية لديوان «رماد الأسئلة الخضراء»، من خلال أربعة مناهج نقدية مختلفة، وما كتبه فاروق شوشة تحت عنوان «محمد إبراهيم أبوسنة.. سبعون عاماً من الإبداع» أو د. مصطفى عبد الغني، الذي تناول عنصر المكان في أشعاره. أو د. عبد العاطي كيوان، الذي تناول ظاهرة التناص الأسطوري في شعر أبوسنة، وغيرها من الكتب والدراسات التي صدرت منذ أعوام، بالإضافة إلى المجلد الذي صدر عني في المجلس الأعلى للثقافة في الاحتفالية التي أقيمت بالمجلس بمناسبة بلوغي السبعين.
دفاعاً عن الشعر
على ذكر النقد.. لماذا اتجهت في فترة من حياتك، وبالتحديد بعد نكسة 67 إلى الكتابة النقدية؟
خلال تلك الفترة بدأ كبار النقاد يكتبون عن المسرح أكثر من كتاباتهم عن الشعر، وكانت هناك حالة من الفوضى أتبعها هجوم حاد من شعراء السبعينيين على جيلي، لذلك وجدت أن واجبي يفرض عليّ المساهمة النقدية بأن أكتب عن جيلي دفاعاً عن الشعر نفسه أمام الشعراء الجدد الذين يصولون ويجولون ويطرحون بياناتهم بكثير من الصخب والعنف والإدانة والإنكار لنا، فضلاً عن ذلك فقد وهبني رؤية متوازنة لا أتطرف فيها، ولا أنحاز إلا للحقيقة، ورغم ذلك انعكس ابتعاد كبار النقاد وعدم مواكبتهم لحرية الإبداع سلباً على الشعر، حيث تحول اهتمام الجمهور والإعلام من الشعر إلى الرواية، بل ظهر نقاد وباحثون يناصبون العداء للشعر والشعراء.
أخيراً.. هل أنت راضٍ عن الحركة النقدية؟
لا يمكن أن أطلق الحكم، فهناك نقاد لهم جهد مشكور مثل د. صلاح فضل، د. محمد عبدالمطلب، الذي قدم خلال الـ20 عاماً الفائتة عدداً كبيراً من الدراسات، وهناك د. يوسف نوفل، د. أحمد درويش اللذان درسا أجيالاً شعرية مختلفة، لكن المشكلة أنه لا توجد لدينا منابر حقيقية مؤثرة في الواقع الثقافي.
من شعر أبو سنة:
شفتاك فاكهتان من عسل ونار
وكواكب بعثت من الزمن القديم
من السديم
ترف في أفق النُضار
وحشيتان كموجتين من السُّعار
تُلقى به دهراً من القلب الوجيع
إلى مرافىء الانتحار
تُلقى به دهراً من الامل المثلج في الضلُوع
وفي خليج الذكريات
شفتاك طالعتان في نهر الربيع
موجاً من الورد المرفرف
في صفاء الذاكرة
يهب البراري الاخضرار
غرب النهار في أفق عينيك
المسافة
فين قلبي والنجوم
قصرت وطال الشوق
مات الانتظار
حُلمٌ يُطلُّ من الليالي المظلمات
إلى السفوح الهابطات
فلعلّ صوت الأغنيات
يأتي إلى القلب اليتيم
ظمأ إلى الماء المضيّع
في الصخور
