غابرييلا ماسترال، ميغيل أنخيل استورياس، بابلو نيرودا، غابرييل غارسيا ماركيز، أوكتافيو باز. وأخيراً ماريو فارغاس يوسا، الذي أصبح سادس أديب أميركي لاتيني يحصل على جائزة نوبل للآداب، ثلة من الأدباء فتحوا عيون العالم على قارتهم من خلال كتاباتهم الأدبية التي مازجت بين الخيال والواقع، لتؤسس لعالم جمالي جذره اللغة وفروعه مختلف مناحي الحياة والغوص في الشأن العام على متن جماليات الأدب.

في واقع الأمر، فإن حصول الكاتب البيروفي يوسا، أخيراً، على أعظم جائزة أدبية في العالم كانت منتظرة ومتوقعة في كل دورة من دوراتها منذ ‬27 عاماً خلت، عندما حاز عليها الكولومبي ماركيز، ومن ثم بدت مسألة حصوله عليها حتمية عندما فاز بها المكسيكي أوكتافيو باز. ولقد مضى على ذلك ‬20 عاماً، لكن شيئاً من تلك التوقعات لم يتحقق، حتى بدا وكأن العالم يقف أمام مجموعة من الأشخاص فاقدي البصر الذي اختاروا المصير عينه وللأبد بالنسبة لحالتي خوان رولفو وخورخي لويس بورخيس، اللذين يعتقد على نطاق واسع بأحقيتهما أكثر من غيرهما بهذه الجائزة العالمية، بمن فيهم الأدباء الذين فازوا بها بالفعل. لكن الصورة تبدلت في يومنا هذا وظهر قمر جديد وذلك الحظ السيئ قد تبدل، على الرغم من أنه، في حالة يوسا، لم يشكل حصوله على الجائزة فارقاً كبيراً، ذلك أن الأمر برمته بدا في عيون الأميركيين اللاتينيين وكأنه كان قد حصل عليها منذ سنوات طويلة.

هذه السطور تسعى إلى القيام بجولة أدبية شاملة عبر تجارب الأدباء الأميركيين اللاتينيين الستة، الذين منحتهم الأكاديمية السويدية جائزتها على مدار قرن مضى، وهي جولة لا شك أنها شائكة ومعقدة، لكنها تبقى مثيرة للاهتمام لأسباب عديدة تتعدى حدود الساحة الأدبية، فلطالما امتزجت مخرجات الأدب في هذه المنطقة من العالم بالشأن العام. ولطالما انغمس أدباؤها بهموم المجتمع ومصائر البلاد والعباد فيها، وهذا يعني أن جولة من هذا القبيل سوف تعني بالضرورة الوقوف على مشهد بانورامي شامل، مفضياً بالضرورة كذلك إلى نوع من القوس الضخم الذي تنضوي تحته سيرة تاريخ القارة بأكملها.

«وحشة»

البداية كانت عام ‬1945عندما حصلت غابرييلا ميسترال على جائزة نوبل للآداب، وحينها فقط بدأت بقية العالم بمعرفة المزيد قليلاً عن أحوال أميركا اللاتينية وظروف الحياة فيها. ففي قصائد الشاعر التشيلية يتلاقى العالمان: الأميركي والأوروبي. صحيح أنها أشعار مفروشة بكل ما هو أصيل وتقليدي، لكن يسمع من خلالها صدى الديانات والمعتقدات المجلوبة عبر أعالي البحار. ويعتبر «وحشة»، الذي يعود تاريخ صدوره إلى عام ‬1924، الديوان الأكثر رواجاً، فلقد راحت قصائده تتداول على كل لسان، وهذا ليس غريباً، ذلك أنه يمثل رائعة أستاذة هذه المدرسة الأدبية، التي تقوم على حوارية طبيعية ومباشرة وعاطفية ومرهفة الإحساس فيما يتعلق بالمشاعر والبيئة. الإلهام والألم قبالة الموت، حيث تعود روحها المتدينة للظهور في «تالا»، ‬1938، وتتثبت في «معصرة»، ‬1954، وتسمع في أشعارها نبضات حبها للطبيعة، في مشهد شعري يصور انفعالات ومشاعر ناسها وقارتها الأميركية اللاتينية التي لطالما راودها شعور بالخذلان، وبأنها متروكة لمصيرها ومهملة حتى من يد قدرها.

نيرودا.. المبدع السباق

وفي عام ‬1967، حصل أميركي لاتيني آخر على الجائزة، وكانت هذه المرة من نصيب الغواتيمالي ميغيل أنخيل أستورياس، حين أظهر جانباً من المكان الذي تنحدر منه القارة، مثلما أظهر الأسباب الكامنة وراء تشكل طباعها على هذا النحو الفريد. فرواياته عشعشت في وجدان أهالي الأقطار غير المتحضرة، وهو الذي وصل تلك الذاكرة القديمة للمكان بالحاضر، وهو المؤسس الحقيقي لما كان في طريقه لأن يعرف بتيار الواقعية السحرية، الذي اشتهرت به هذه القارة، وذلك انطلاقاً من كتابه «رجال الذرة» الصادر عام ‬1949. ولا شك ان أدبه بالذات هو الذي عمم على مستوى العالم النظرة النقدية الذاتية للمبدعين الأميركيين اللاتينيين، فيما يتعلق بتاريخ القارة نفسه ومجتمعها.

لكن بابلو نيرودا، الذي حصل بدوره على جائزة نوبل عام ‬1971، هو الذي تمرد، وهو الذي غرس في أشعاره المشبعة، مفردات وصور الجغرافية السياسية والاجتماعية للقارة، بمجيئه وسطوع نجمه أصبحت السياسة والمطالبة فناً في أميركا اللاتينية، فلقد تناولت أشعاره، أولاً، مواطن الحب والكره، لاسيما في ديوانه الشهير «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» الصادر عام ‬1924. والذي أشعلت قصائده روح الشباب منذ ذلك الحين، فتلاصقوا محاولين فهم تلك المشاعر الأولى التي آمنوا بأنها مشاعر خالدة. لكن ديوان «مقاومة في الأرض» الصادر عامي ‬1933 و‬1935، هو الذي وضع الشاعر في قمة الخارطة الأدبية. ومن ثم تبعه «النشيد العام»، ‬1950، وكتب أخرى ينظر فيها إلى الشعب وينقل مشاعره وأحاسيسه، وما انطوت عليه من خزي وأمل وقنوط. إن أشعار نيرودا تنمي للحاضر وتستجيب للجانب الراهن والواقعي من ذلك الحاضر، والذي لا يزال ينبض بالحياة.

سحر «مئة عام من العزلة»

وبعد ‬11 عاماً، كافأت الأكاديمية السويدية، من خلال غابرييل غارسيا ماركيز، جيلاً لا يمكن أن يتكرر من الكتاب الأميركيين اللاتينيين الذين راحوا من داخل قارتهم ومن خارجها، فيعيدون بناء ذاكرة أميركا اللاتينية وفق معايير جماليــة صارمة تمكنت من تسليط أنظار العالم على أوضاع ما كان يعرف بجمهوريات الموز ومعاناة سكانها وتطلعاتهم وطريقة تفكيرهم. ومن خلال إصرار منقطع النظير، تمكن هؤلاء الكتاب من توسيع تخوم لغتهم وذهبوا إلى ما هو أبعد من نهاية الأفق المرئي لقارتهم، انطلاقاً من نقطة محددة، حيث تبرز أسماء، مثل: رولفو، كورتازار، أونيتي، فارغاس يوسا، فوينتيس، دونوسو، كابريرا إنفانتي. وعدد آخر. وهم جميعاً رسموا كل على طريقته شعاع تجربة بقعة من الأرض كانت ولا تزال مجهولة وقصية بالنسبة لبقية العالم. وكذلك هناك أساليب متنوعة ومتينة ومحكمة، وطريقة أصيلة في تناول الحياة والواقع وتسليط الضوء عليهما، وأيضاً في إدراك الأدب نفسه.

لكن الأكاديمية عندما اتخذت قرارها في حالة مؤلف «مئة عام من العزلة» كانت ميالة بوضوح إلى السحر الأدبي لذلك الكاتب الكاريبي الذي جعل من شعبه وشعوب أميركا اللاتينية كافة، شعوباً كونية في كتبه، على غرار: «ليس للكولونيـــل من يكاتبـــه»، «قصة موت معلن». وغيرهــا من الأعمال الأدبية التي تفوح منها رائحة الميثولوجيا والأساطير والخرافات الشعبية والمعتقدات الدينية وحكايات تروى عن الحكام والضباط، حيث تمكن ماركيز من تسخير كل ذلك في خدمة إبداع يسكن أرضاً جديدة، يتعايش فيها الخيال مع الحدس والبديهة والواقع، وحيث الزمان والمكان يبدوان ظاهرة واحدة متلازمة.

وهكذا إلى أن جاء دور أوكتافيو باز عام ‬1990، ووصلت إليه جائزة نوبل. والمعروف عن هذا الشاعر المكسيكي أنه حاول فهم، مثلما حاول إفهامنا، أصل ما هو أميركي لاتيني. ففي نهاية أربعينات القرن الماضي كان قد أصبح شاعراً مكسيكياً مؤسساً ومثيراً للاهتمام، ومنذ تلك اللحظة أصبحت كل محاولاته الأدبيــــة تسير على درب الاستكشـــاف وإعادة الاستكشاف، أما سيرته الأدبية، فإنها تشير إلى أنه كان مـــن أبرز رمـــوز تيار الحداثة الجديدة وتيـــار الواقعيـــة وحركات أخرى. ولكن كل ذلك جاء على أرضيـــة مشتركة جمعــــت بينها جميعــاً، ووحدتها في بوتقة تجربة أدبية واحدة يحركها مايسترو واحد، وتسعى إلى حل لغز الإنسان المعاصر وتوجيه الذات الإنسانية إلى الدرب الذي يجب إتباعـــه للوصول على أصل ذلك الإنسان. إن الوحدة والعزلة والفـــراغ والوجوديــــة كانت تشكـــل جزءاً من مفـــردات تجربتـــه الإبداعية والحياتيــــة في آن.

كاتب يقيس نبض الزمن

وأما في يومنا هذا، ومع بزوغ فجر أدبي جديد، فإن تلك الطرق الأربعة في النظر إلى العالم انطلاقاً من أميركا اللاتينية، تتلاقى في أعمال ماريو فارغاس يوسا، التي تقوم على واقع ينظر إليه مؤلف «حفلة التيس» بكثير من الإلمام بتفاصيله وأبعاده الكلية، ويسعى في الوقت نفسه، إلى مزيد من فهم ذلك الواقع واستيعابه والتعلم منه. كما تقوم على نثر شعري يروي ويحلل ما الذي يفعله الحل. إنه كاتب كان يقيس على الدوام نبض زمانه، وأراد، كما لو كان مصلحاً للساعات، معرفة وظيفة كل قطعة في صيرورة مرور ذلك الوقت. لكن ثمة عنصراً أساسياً آخر يميز يوسا كذلك، ويتمثل في النقد أو التحليل الأدبي، حيث تبرز مقارباته الناجحة والحماسية من الكتب التي تثير اهتمامه وتؤثر فيه، وكذلك حبه للأدب وحماسه المعدي.

إن هذا القــوس، قوس الأميركيين اللاتينيين الحائزين على جوائز نوبل، يقود إلى جملة قالها ماريو فارغاس يوسا نفسه: «ليس بوسع أميركا اللاتينية التخلي عن ذلك التنوع الذي يجعل منها نموذجاً أصلياً للعالم».