ظهر فن الرسم في البرازيل في أواخر القرن السادس عشر. وقد تأثر بالأسلوب الباروكي القادم من البرتغال. وظل يمثل حتى بداية القرن التاسع عشر، المدرسة الفنية المهيمنة على الفن البرازيلي بكل تياراته. وقد برز في تلك الآونة الرسامون ريكاردو دو بيلار وجوزيه جواكيم دا روشا، وأيضا جوزيه تيوفيلو دي جيسيوس، وجوزيه ايلوي، ومانيول دي جيسيوس بينتو، ومانويل دا دونها وغيرهم. وكان من بين هؤلاء الرسامين، مانويل دا كوستا أتايد، الذي اشتهر برسم الملائكة والقديسين في القرن الثامن عشر.
لم يستمر الاتجاه الباروكي في الهيمنة على فن الرسم في البرازيل، حيث إن التيارات الأخرى أحدثت قطيعة مع التقاليد الباروكية في الرسم، تلك هي المفروضة على الرسم البرازيلي من قبل البرتغاليين في عام 1808. وبعد الغزو الفرنسي للبرتغال، عاش الفن الباروكي في مناطق عديدة حتى نهاية القرن التاسع عشر. وفي عام 1816 قام الملك جون السادس بإنشاء «الأكاديمية الوطنية»، بناء على اقتراح مجموعة من الفنانين الفرنسيين الذي قادهم جواكيم ليبرتون، وقد عُرفت فيما بعد بـ«الإرسالية الفنية الفرنسية». وكانت تلك المجموعة والمدرسة في التوجهات الفنية المنتشرة آنذاك، تنتمي إلى مدرسة الـ«نيو كلاسيكية» أي الكلاسيكية الجديدة، التي توطدت دعائمها بفضل ما جاءت به من إبداعات وتيارات. وأصبح رواد تلك المدرسة المعلمين الأوائل في الفن البرازيلي. وخلال السبعين عاماً التي تلت، تحولت «المدرسة الملكية للعلوم والفنون والمهن» إلى «الأكاديمية الإمبراطورية للفنون الجميلة»، والتي حددت المعايير الفنية وأرست قيمها في الفن البرازيلي الحديث، وخاصة بتياراتها المتنوعة، مثل الكلاسيكية الجديدة والرومانسية والواقعية.
ولادة فنية وثقافية حداثية
شهد القرن العشرون في بداياته، صراعاً حاداً بين المدارس القديمة والاتجاهات الحديثة للفن في العالم اجمع، والبرازيل بشكل واضح. وأبرز تلك الصراعات المهرجان الذي أقيم في ساولو بولو في عام 1922 باسم «أسبوع الفن الحديث»، والذي لاقى النجاح والترحيب الواسعين، سواء من الجمهور أو النقاد. كما شكل قطيعة جذرية مع التقاليد الأكاديمية. وكان هذا المهرجان علامة بارزة أو حداً فاصلاً في تاريخ البرازيل الفني. وقد ضم المهرجان عروضا للوحات وقراءات القصائد الشعرية وإقامة الكونسيرتات الموسيقية. وأصبح الفنانون المشاركون في هذا المهرجان أو الأسبوع الفني، رواداً للفن الحديث للبرازيل، بل والآباء الشرعيين للحداثة. وقدم كل من أوسولد دي أندراد، وسيرجيو ميليه، ومينوتي ديل بيشيا، نظرياتهم في الفن والأدب، فيما قدم ماريو دي أندراد روايته الثورية «ماكويما» الصادرة عام 1928، والتي أحدثت ضجة في الأوساط الأدبية. وأسست للحداثة في الفن والأدب والموسيقى البرازيلية.
وقد استوحى الفنانون الذين ساهموا في هذا المهرجان الفني، من التيارات الأوروبية الحديثة مثل: التعبيرية، الكوبية، السريالية. إلا أن الفن البرازيلي الحديث لم يحصر نفسه في هذه الاتجاهات، بل أضاف إليها الفلكلور الوطني والحقائق البرازيلية والهوية الوطنية والوعي الاجتماعي. ولكن رواد الحداثة لم يتمكنوا من الاستمرار طويلاً في مجتمع يؤمن بالتقاليد القديمة ويلتزم بها، مهما انفتح الفنانون البرازيليون على ما تحقق خارج حدودها.
إن الفن البرازيلي هو عبارة عن مزيج وخليط من القيم الأكاديمية وأصول الحداثة، وهو ما أعطى نفساً جديداً إلى أجيال المستقبل، في البلاد. وقد انعكست الحداثة الراديكالية في الفن بالبرازيل في بدايات القرن العشرين. وبدأ الفن المعماري يتخذ أشكالاً جديدة، فيشكل قطيعة مع الماضي. والفن المعماري برمته تأثر بنظريات المهندس المعماري لي كوربوزييه. وظهر مهندسون معماريون، أمثال لوسيو كوستا وأوسكار نايم، أخذوا يطبقون نظريات المهندس المعماري الفرنسي المذكور. وبدأ المهندسون المعماريون البرازيليون يركزون أفكارهم على حياة المدينة ومظاهرها المعمارية والهندسية. وأهم الاتجاهات التي سادت الفن البرازيلي من عام 1874 وحتى 1960: الانطباعية، الرمزية، التوحشية، التكعيبية، التفوقية، الدادائية، التشكيلية الجديدة، الواقعية، التجريدية الهندسية، الفن الشعبي.
ومن الطبيعي أن يتأثر الفن البرازيلي بالتيارات الأوروبية، مثل: التعبيرية والسريالية والتكعيبية والتجريدية التي لم تظهر إلا في عام 1950. وما بين 1950 و1970، ظهرت حركات وتيارات بارزة، مثل: «الحركة السريالية»، «التجريدية الغنائية»، «الكلاسيكية الجديدة»،«التعبيرية الجديدة»، «البوب آرت»، «الواقعية الجديدة». وهي أعطت الفن البرازيلي شحنة قوية.
الحداثة في الفن البرازيلي
لا مفر، ونحن نتناول موضوعة تطور وارتقاء الفن في البرازيل، من أن نتطرق إلى حيثيات وجوهر قضية مهمة يلخصها السؤال التالي:
ما الذي يميّز الفن البرازيلي عن الفنون العالمية الأخرى؟ وما هي أهم سماته؟
لا شك في أن أهم ما يميّز الفن البرازيلي هو انتشاره على رقعة واسعة، حيث غطى البلد بكامله، بل واستخدم الفنانون فيه ومعه، جميع الوسائل للتعبير عن ذواتهم، وخاصة في الفترات الصعبة. ولم يرسم الفنانون على اللوحات فقط، بل أخذوا يرسمون على الجدران أو حتى على مصاريف المياه، فمهمتهم كانت تتجلى في تحويل القبح إلى جمال. ولم يكن من السهل تنفيذ ذلك إلا من خلال امتلاك مخيلة عميقة قادرة على الغور في أعماق المجتمع. وأدى هذا الارتباط بين الفن والمجتمع إلى ظهور التأثيرات الشعبية الواضحة على الفن البرازيلي، سواء في طريقة الرسم أو استخدام الألوان البراقة والساطعة التي تعكس روحية البرازيل القادرة على التشابك مع عناصر الحياة. وما الفن البرازيلي إلا نتاج خليط متنوع من الأعراق والأجناس والجذور التي تعايشت بسلام وأمان في هذا المكان من العالم.
والخاصية الأخرى التي تميز بها الفن البرازيلي، عدم رفضه أية تأثيرات عالمية قادمة، سواء جاءت من الشرق أو من الغرب دون تمييز بينها أو النظر إليها نظرة مسبقة. وهذه الفكرة تتجلى بوضوح في المعرض الأخير الذي أقيم في مؤسسة العويس الثقافية في دبي، تحت عنوان «الفن البرازيلي بين حضارات الشرق والغرب». ويمكن أن نتتبع تلك الاهتمامات من خلال أبرز الفنانين الذين ساهموا فيه، وأهم ما جاءوا به من أفكار فنية، وذلك مثل: ألدمير مارتينس، والذي لا يقتصر رسمه على المكان التقليدي للرسم الذي هو اللوحة، بل يذهب إلى الرسم على علب السجائر وأوراق الرسائل والبطاقات ولوحات الكتان والجوت. فهو رسام تجريبي يتميز بتقديم الألوان في رسومه، ولعل قوله يجسد ذلك: «إن الجميل ليس ما هو جميل، ولكن هو ما يُفرح». ولو استعرضنا لوحاته نراها تتميز بالموضوعات الجميلة والمفرحة: أشجار النخيل، القطط، الزهور وعناصر الطبيعة الأخرى.
وهناك أيضا الفنانة أنيتا مالفاتي، حيث تميزت هذه الفنانة باستحضار الذات في عالم اللوحة. وقد تأثرت بالاتجاه التعبيري الألماني. وهي ترسم الطبيعة الميتة، وتنقل تجربتها في برلين ونيويورك وباريس إلى البرازيل، ما أدى إلى تطور الفن البرازيلي المحلي.
وكذلك تتسم لوحات الفنان أنطونيو بوتيرو، بانها ترصد الكرنفالات والنيران العالية وولادة الطفل وطقوس الناس، فهو فنان بدائي ينغمس في رسم أساطير بلده، بصورة ساخرة ولاذعة.
وأما كانديدو بورتيناري، فهو فنان ينقل الناس على اختلاف أطوارهم إلى لوحاته. ولم يغفل في لوحاته الطابع الاجتماعي، وهكذا تحوّل الإنسان إلى موضوع أساسي في أعماله، مؤكداً على أن العاطفة هي هدف لوحاته، والتقنية عبارة عن وسيلة ليس إلا. وبالنسبة لفرادة تجربة إمليانو دي كفلكانتي، فهي معنونة بالجرأة الجمالية، وارتبطت لوحاته بتفاصيل الحياة اليومية البرازيلية. وقد تأثر كثيراً بالتكعيبية ومدرسة باريس. وأخذ رسم المرأة السمراء مساحة كبيرة في لوحاته.
كما اهتم روبين فالنتين بتحويل الثقافة البرازيلية إلى أشكال هندسية في لوحاته، واستحضر قوة أفريقيا المتأصلة في البرازيل، من خلال بحثه عن الجذور. وتبرز لدى سيرجيو تيليس، صيغ تميز في ألوان هذا الفنان، مجسدة بالتكثيف اللوني والحركات المعبرة عن الحياة اليومية. وهو من أوائل الفنانين البرازيليين الذي اكتشفوا علاقة الضوء والرسم، عبر البحث عن مغامرة المفاجأة.
كما نتلمس ونتتبع مسيرة تمكن الفنانة تارسيلا دو أمرال، من استيعاب التيارات الأوروبية في الفن وتحويلها إلى المضمون البرازيلي. وهي تعتمد على ذاكرتها الطفولية في استحضار عوالمها في رسم المناظر القروية والحضرية والنباتات والحيوانات، إضافة إلى الوجوه الفولكلورية.
