علي عمر الرميص من رواد فن الحروفيات العرب، الذين أخذوا على عاتقهم مهمة الإرتقاء بالفن الإسلامي إلى مصاف الفنون العالمية، وليمتد نشاطه إلى تعريف المجتمع الغربي بجوهر الحضارة والثقافة الإسلامية، وليصبح أحد الوجوه الثقافية المعروفة في بريطانيا، ولدى العديد من المؤسسات الثقافية والحضارية.

تميز الفنان الليبي علي عمر الرميص المقيم في بريطانيا عن الفنانين من الرواد في فن الحروفيات، برسالته التي تجمع بين الإرتقاء بالفن الإسلامي المعاصر ودوره الناشط في التعريف بالثقافة الإسلامية وتراثها في الغرب، وفي الوقت نفسه البحث في شأن هوية المسلمين المقيمين في الغرب. كما ترجم رسالته الحياتية تلك من خلال نشاطه سواء على صعيد الفن والكتابة في المطبوعات العربية والأجنبية والمشاركة في المؤتمرات والندوات التي تبحث في مد جسور التواصل بين الثقافات المتنوعة سواء في الشرق أو الغرب.

ولد الرميص في ليبيا عام ‬1945، وسافر إلى بريطانيا لدراسة الفن وحصل على دبلوم في التصميم عام ‬1970، وبعد عودته إلى وطنه رسم وكتب بنشاط عن الفنون البصرية في المطبوعات الفنية. وفي عام ‬1974 تم التعاقد معه من قبل القائمين على تنظيم (مهرجان عالم الإسلام)، كمستشار للفنون البصرية لرئيس المهرجان. واحتفى المهرجان الذي أقيم عام ‬1976 بالحضارة والفنون الإسلامية والذي شارك فيه عدد كبير من البلدان الإسلامية. تابع بعد ذلك نشاطه في الكتابة والسفر للإشراف على العديد من المشاريع والمطبوعات، ليستقر عام ‬1981 في انجلترا مع عائلته التي تضم زوجته وسبعة أبناء.

وبهدف التعرف على رسالة الرميص كفنان ومفكر وكاتب، التقت «مسارات» به لدى زيارته دبي لافتتاح معرضه في فن الحروفيات في غاليري ميم بمنطقة القوز في دبي. والانطباع الأول الذي يتركه عند لقائه، هو التواضع الشديد وحسن الإصغاء والشغف الكبير بالثقافة الإسلامية والانفتاح على الحضارات الأخرى.

رسالة في الحروفيات

قال الرميص لدى سؤاله عن اختياره فن الحروفيات نهجاً له، (في البداية لا أوافق على هذا المصطلح وأدعو أهل الاختصاص لإيجاد اسم يتوافق وهذا الفن، فكلمة حروفيات ترتبط باللغة وتوصيل المعلومة ولا صلة لها بالمعنى الجمالي والتشكيلي)، وتابع (بدأت علاقتي الفنية مع الحرف منذ عام ‬1968 أي قبل‬40 عاماً. وتتمحور فكرتي الأساسية في رغبتي أن يكون للعرب المسلمين المعاصرين طريقة فنية مستقلة عن المدارس الفنية الغربية. وأعتمد في تشكيل لوحتي على الفكر، وبالتالي علوم الرياضيات فالإنسان لم يصل إلى القمر إلا من خلال العلوم. وعلاقتي مع الحروف تعتمد هذا النسق من خلال مساحة سطح اللوحة والدخول في الأبعاد عبر تراكب الألوان وشفافيتها، والتجربة والاكتشاف الذي يتطلب الكثير من الصبر، مع اعتماد كافة وسائل الفن الحديثة).

وأجاب عن أسباب اختياره فن الحروفيات تحديدا، (درست مختلف تيارات الفن، ووجدت أن الفنانين الذين رسموا الطبيعة إنما يمسخونها فهي دوماً دون القيمة الحقيقية لها. كما دفعني حبي ودراستي للحضارة الإسلامية إلى فهم الفارق بين التشخيص والفن الإسلامي التجريدي الذي سبقنا الغرب به بسنوات وسنوات. والفن الإسلامي المعاصر هو سعي لإضافة فن مختلف للإنسانية بما يحمله من جماليات على صعيد التشكيل والفكر. هذا الفن الذي يعرف الغرب باللغة العربية ويفتح الباب للتساؤل والرغبة في معرفة المزيد عن هذه الحضارة التي أسيء لها خاصة في العقد الأخير).

كما قال فيما يتعلق باستخدامه للحرف والقصيدة في أعماله، (لا أستخدم أحرف الأبجدية من باب إعادة النظر في قضية الخط، الذي له قواعده وطرقه، بل من خلال الشكل الجمالي لتكوين الحرف. وأعتمد في مساري الفني على تطوير أسلوبي الفني الذي بدأته بدافع رغبة التفرد بعيداً عن مفهوم التقليد أو التكرار، من خلال البحث عن مفهوم متطور لجماليات التشكيلي العربي المعاصر، وقدمت أول معرض لي في لندن عام ‬1969).

(تعاملي مع اللوحة أشبه بعمل المخرج على خشبة المسرح فلكل حرف أو ممثل دور، ولكل نص أو مجموعة موضوع يحمل رسالة إنسانية، وفيما بينهم يشكلون وحدة العمل).

مناهج

أكد الرميص أنه لا اختلاف في منهجية هذا الفن وقال، (مع احترامي وتقديري لجميع الفنانين الذين دخلوا منهج الحروفية، أقول أن نجاح الفنان في هذا الإطار يعتمد على عنصر رئيسي يتمثل في النية الصادقة لرسالة هذا الفن التي تتجلى في الإضافة سواء على صعيد التعريف بثقافة حضارتنا أو إغناء عالم الفن بأسلوب جديد عليها).

حروفية شرق آسيا

قال لدى سؤاله عن أوجه شبه تجربة فن الحروف مع شرق آسيا، (تختلف تجربة اليابان والصين وكوريا بشكل كبير عن منهج الحروفية العربي، وذلك ابتداء من قاعدة الحروف، إذ أن الحروف العربية لغة صوتية أي أن صوت الحرف يطابق شكله كحرف (الألف) الذي يتشكل صوته صعودا، وربط حرف بحرف وحروف يشكل مجموعة أصوات. بينما تعتمد لغاتهم على الصورة وعدد كبير من الحروف مقابل ‬28 حرفاً في اللغة العربية).

وأضاف، (كما تتميز اللغة العربية على الأوروبية بعدم تكرار الحروف، التي تستعيض عنها بالشدة، والشدة تحمل العديد من المعاني، ولوحتي (الشدة) أول عمل لي اقتناه المتحف البريطاني عام ‬1986.

المفكر والكاتب

لدى سؤاله عن الرميص المفكر قال، (جميع البشر مفكرون، إلا أن خصوصية المفكر تكمن في تركيزه على موضوع أو فكرة محددة ورصد طاقته وجهوده لها، عبر البحث والقراءة المعمقة، ومحاولة إيجاد الحلول المعاصر ومناقشتها وتحويلها من كلام نظري إلى فعل ونشاط اجتماعي. وأنا اخترت منذ البداية الحضارة الإسلامية العربية. وكوني مفكر لا يعني أن أجلس على المنصة وأنظِّر، أو أشارك في المؤتمرات والندوات واستقطاب الانظار. بل التركيز على العمل الحقيقي الذي يبرهن على نفسه من خلال الأفعال، مثل قضية الهوية للعرب المقيمين في الغرب، خاصة في إطار الضغوط التي يواجهونها في السنوات الأخيرة. فمن خلال مركز التراث الثقافي الإسلامي الذي تأسس عام ‬2001، نساهم في مساعدة المسلمين في لندن في التغلب على الصعوبات التي يواجهونها على الصعيد الفردي والمجتمع، من تأهيل الكوادر بالكفاءات التي تساعدهم في الحصول على فرص عمل فضل، إلى الارتقاء بوعيهم الفكري وثقافتهم والتغلب على الجهل الذي يولد التعصب والتعنت والذي يرى العالم من خلال اللونين الأبيض والأسود فقط. والدعوة للانفتاح والتمسك بالمبادىء الجوهرية للإسلام وضرورة التعليم، ومعالجة أنواع المفاهيم الخاطئة لدى العرب والغربيين).