تعود جذور المسرح العراقي إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. وذلك في تقديم القرابين للإله تموز، ومنذ ذلك التاريخ، والمسرح ينتج الأعمال تلو الأعمال. ولعل التراكم الكمي الحاصل في المسرح العراقي هو الذي أدى إلى تحوله نحو النوع. واستطاع أن يقدم تجربة حداثية في التأليف والإخراج، قلّ نظيرها.
للمسرح العراقي بعدان أساسيان..الأول تاريخي..الثاني حديث ومعاصر. وفي البعد الأول يمتد تاريخ المسرح في العراق إلى بداية القرن الأول الهجري، مع المناحة الأولى على قبر الحسين (رضي الله عنه)، بعد استشهاده على أرض كربلاء في العاشر من محرم عام 61 للهجرة، بعد أن بدأ العراقيون يشعرون بعقدة الذنب لاغتيال ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ثم تكرس الشعور الجماعي بعقدة الذنب، وبدأ هذا الشعور يحرك عدة ظواهر انتهت إلى مسرح «ديني» لإعادة قصة استشهاد الحسين سنوياً، للفترة من 1 ولغاية 10 محرم، والحكاية تعاد مسرحياً حتى يومنا هذا على مسارح مكشوفة في العراء أو في صحن مرقد الإمام الكاظم في بغداد، وكذلك البصرة وكربلاء.
إن هذا البعد التاريخي يدخلنا في جدل لا مجال لها في هذا المبحث الذي يلقي الضوء على جذور المسرح العراقي الممتدة عبر التاريخ حتى الألفية الثالثة قبل الميلاد، مروراً ببداية العام الهجري الأول.
ولادة المسرح العراقي
وأما البعد الثاني - أي الحديث والمعاصر - فإننا يمكن أن نعتمد عام 1893 بداية لولادة المسرح العراقي الحديث، مع وجود أول نص مسرحي بعنوان (لطيف وخوشابا)، لفتح الله السحار، والمطبوع في محافظة نينوى في شمال العراق بنفس هذا التاريخ، وقد استمر تقديم العروض المسرحية في محاولاته الجنينية خلال الأعوام المنبثقة من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد ساعدت الحملات التبشيرية والمدارس النظامية على نشر الوعي لحب المسرح وتقديم عروضه في الساحات المدرسية كعروض عامة.استمر الفريق في العمل المتواصل حتى عام 1929، وأصبح حقي الشبلي ورفاقه، نجوماً في مسرح أيام زمان على مستوى العراق، إلا أن محطة جديدة جاءت صدفة أيضاً بزيارة الفنانين فاطمة رشدي وعزيز عيد مع فرقتهما، لتقديم عروض مسرحية. والتقيا بحقي الشبلي وشاهدا عروضه المسرحية. وأُعجبت فاطمة رشدي بالشبلي، وكان لها معرفة عميقة وحضور لدى الملك فيصل الأول، لذا فقد طلبت من الملك مباشرة إصدار أمر ملكي لإيفاد حقي الشبلي إلى مصر للعمل والتدريب والاطلاع على مسارحها، فوافق الملك فيصل الأول إعجاباً بالشبلي. ونزولاً عند طلب النجمة الكبيرة فاطمة رشدي، أصدر أمراً ملكياً بذلك، ويغادر حقي الشبلي بغداد حالاً برفقة فاطمة رشدي، وعزيز عيد وفرقتهما، ويعيش بمصر عامين متتاليين، ويعمل على مسارح القاهرة والإسكندرية مع كبار ممثلي ذاك الزمان الجميل.
«فرقة حقي الشبلي التمثيلية»
وعاد حقي الشبلي نهاية عام 1930، وكون فرقة جديدة سماها «فرقة حقي الشبلي التمثيلية»، مؤلفة من عدد من الفنانين العراقيين، بالإضافة إلى بعض الفنانين العرب أمثال: محيي الدين محمد، بشارة واكيم، عبد الرحمن البدوي، نور الدين المصري، وغيرهم. وتستمر فرقة الشبلي في العمل المسرحي المتواصل حتى عام 1935، لتقرر وزارة المعارف بعدها إرساله إلى فرنسا لدراسة المسرح في باريس، وبذلك زامل الشبلي زكي طليمات وتعرف على المسرح العالمي من خلال المسرح الفرنسي، ومن ثم نجده يعود إلى بغداد عام 1940، حاملا أحلاماً ومشاريع كانت أقرب إلى ما حمله طليمات إلى مصر، وخاصة بتأسيس حقي الشبلي أول معهد متخصص لتدريس فن المسرح في بغداد، وأصبح هذا المعهد حاضنة ومصنفاً لعدد كبير من الفنانين العراقيين والعرب، ففي الدورة الأولى تخرج منه مجموعة من الفنانين أصبحوا أعلاماً في المسرح العراقي، ونقلوا المسرح العراقي والعربي إلى محطات من الإبداع سجلت لهم الريادة، وهؤلاء أمثال: إبراهيم جلال، جعفر السعدي، حامد الأطرقجي، جاسم العبودي، أسعد عبد الرزاق، حامد القاضي، طه سالم، خليل شوقي، سامي عبد الحميد، شكري العقيدي، بدري حسون فريد، كارلو هاريتون، عبد الصاحب حداد. ثم توالت الدورات حتى يومنا هذا بعدد كبير من المسرحيين المبدعين، منهم: الراحل قاسم محمد، يوسف العاني، عوني كروبي، جواد الأسدي، عادل كاظم، سعدون العبيدي، محسن العزاوي، قاسم حول، ناهدة الرماح، صلاح القصب.
الفيلم العراقي المصري الأول
واستكمل حقي الشبلي الجهود في تأسيس المسرح العراقي المعاصر، في أفق الدراما المعاصرة. فقد كان حلمه تأسيس سينما عراقية بعد تأسيس مسرح حديث متطور وأكاديمي، لذا فقد بذل جهوداً كبيرة لتحقيق أول فيلم مصري عراقي مشترك بعنوان «القاهرة بغداد» في عام 1947، وذلك بعد أن فشلت جهوده مع شركة «فوكس للقرن العشرين» الأميركية لهذا الغرض، ولقد ظل حقي الشبلي يحلم بفن مسرحي ؟ سينمائي عراقي حتى وفاته في يونيو 1985.
ثلاثة عقود ذهبية
وإذا ما تركنا فترة التأسيس الحديثة التي انتهت مع تأسيس معهد الفنون الجميلة في بغداد، في نهاية الأربعينات، نرى أن فترة الخمسينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي، شهد خلالها( ثلاثة عقود زمنية) العراق تطوراً مذهلاً في المسرح على مستوى الكتابة والعروض، ففي هذه الفترة ظهرت عشرات الفرق المسرحية التي قدمت مئات المسرحيات على مستوى القطر، وليس تحديداً في بغداد، كما توسع معهد الفنون الجميلة وتأسست معاهد متخصصة للمسرح في كل من الموصل ونينوى والبصرة». ثم أنشئت جامعتا بغداد والبصرة، أكاديميات متخصصة في فن الدراما المسرحية والنقد المسرحي، وأضف إلى ذلك عشرات البعثات لدراسة فن المسرح والدراما في الجامعات الأجنبية في أميركا وبريطانيا وأوروبا عموماً، والاتحاد السوفييتي بوجه خاص.
وفي العودة إلى أعوام الخمسينات وحتى نهاية السبعينات، وكما أسلفنا في فترة نهوض مسرحي شامل، فقد ظهرت عشرات الفرق المسرحية في بغداد وفي المحافظات الرئيسية خاصة البصرة ونينوى، ونشطت الكتابة للمسرح نصوصاً ونقداً وتحليلات، إذ ظهر عشرات الكُتاب الذين طرزوا المسرح العراقي بكتاباتهم المتنوعة في المدارس المختلفة، بل إن هؤلاء الكتاب كانوا جزءاً من حركة النهضة المسرحية العربية التي شملت مصر وسوريا والعراق والمغرب وتونس، وأقطاراً عربية أخرى، وقد برز كتّاب على مستوى عال جداً، أمثال:محيي الدين زنكنة، عادل كاظم، يوسف العاني، الراحل قاسم محمد(1934 م. - 2009 م)، صباح الزيدي، جواد الأسدي، شاكر السماوي، مهدي السماوي، نور الدين فارس. وغيرهم.
جهود الراحل قاسم حداد
والراحل قاسم محمد(1934 م. - 2009 م)، الذي اشتغل على إعادة خلق التراث مجدداً بأطر مسرحية متطورة، قدم العديد من المسرحيات كتابة وإخراجاً وتمثيلاً، أبرزها: بغداد الأزل، رسالة الطير، المقامات البغدادية، حكاية من أزقة العالم الثالث، النخلة والجيران». وكذلك مسرحيات عديدة أخرى، إضافة إلى ما قدمه من مسرحيات متطورة ومتكاملة في مسرح الطفل عبر منهجية واضحة. ولقد نجح قاسم محمد في تثبيت واستكمال منهجه المسرحي كونه كان متكاملاً ما بين كاتب واعٍ ومخرج مبدع صاحب رؤى واضحة،ويقول عنه الدكتور أسامة أبو طالب: (وفي النهاية يأتي ولع قاسم محمد بالترتيب الرياضي الهندسي في فضائه المسرحي ؟ صوتاً وصورة ؟ حيث يستطيع أن يفجر الحركة الواحدة فيتركها تتفاقم في حركات اللاعب المدهش، صانعاً بذلك جمالية التمسرح كلعب، ورافعاً به اللعب إلى مرتبة الأداء كشعيرة). ولم تتحدد جهود قاسم محمد بالقطر العراقي، إنما كان مخرجاً عربياً يستضاف في مصر والجزائر والمغرب وتونس والإمارات، لإقامة ورش مسرحية أو دورات أو حتى عروض مسرحية.
يوسف العاني
وإذا كان قاسم محمد نموذجاً طرحناه، فإن لزملائه مناهج أخرى كانت بمجموعها تشكل منهجية لمسار المسرح العراقي عبر ثلاثين عاماً من العطاء الغني، فبالرجوع إلى تجربة يوسف العاني نجده يعمل على مشروعه في المسرحية الشعبية الطليعية ليجمع بين المستوى العالي للبناء الدرامي، والتعايش مع المستويات المختلفة للمتلقي، كل حسب فهمه ومستوى ثقافته وقيمته الاجتماعية والطبقية، فأنتج عدداً كبيراً من المسرحيات بهذا المنهج منها،:الخرابة، المفتاح، نفوس، حبة حرمل، ثومر بيك، راس الشليلة، حرم صاحب المعالي. وأيضا عدد آخر من مسرحيات شعبية طليعية - إن صح التعبير- إضافة إلى دوره الأساس في السينما العراقية ورؤاه الأساسية في الدراما. ويقول عنه د. علي جواد الطاهر: (تجربة يوسف العاني مرحلة حاسمة في تاريخ هذا الفن في كثير من الوجوه. وهو «أي يوسف العاني»، حدث مهم في بابه، وقد يكون أهم ما فيه انصرافه الكلي وانسجامه التام مع مرونة وتواضع وسعة أفق وتضحية وقدرة على التطور، وذكاء ودهاء). وهناك تجارب أخرى ومناهج مخرجين في إطار مدارس أكاديمية وطروحات ورؤى تجعل من تجاربهم مناهج، أمثال: سامي عبد الحميد، إبراهيم جلال، سعدون العبيدي، صلاح القصب، جواد الأسدي، عوني كرومي، بدري حسون فريد. وغيرهم ممن نستطيع أن نؤشر منهجيتهم التي عملوا على تحقيقها في إطار حلمهم الذي شكل حلمنا جميعاً في المسرح العراقي، مما دفعنا ونحن في مطلع شبابنا في نهاية الستينات لتحدي أساتذتنا. وحينما لم نجد منفذاً أمامنا في تحديهم فقد وجدنا أن المسرح العراقي قد تأخر في طرحه للمسرح الغنائي، وأن الفترة الزمنية بين سيد درويش وتجربته بعيدة، وأن الرحابنة قد أغلقوا فضاء المسرح الغنائي العربي في الستينيات، ولكن فضاء المسرحية الغنائية العراقية ظل ساكناً حتى عام 1968 حينما فكرنا مع مجموعة من الشباب لتقديم أول أوبريت غنائي راقص في المسرح العراقي، ونجحنا بذلك في الرابع عشر من يوليو 1969، عندما عرضنا على قاعة مسرح «الخلد» في بغداد أول أوبريت عراقي بعنوان «بيادر خير»، ثم عام 1970 «أوبريت المطرقة»، وعام 1971 المسرحية الغنائية «العروسة بهية» التي كتبها عبد الإله عبد القادر.
وفي هذه الفترة أيضاً تأسست المؤسسة العامة للسينما والمسرح، والتي استطاعت أن تنشط المسرح العراقي بشكل مؤسس ومدروس ومنهجي، وبمسؤولية تاريخية ودعم مالي، فاستطاعت أن تنشط المسرح القومي في إطار منهجها العام، وأن لا يقتصر المسرح القومي على العاصمة فقط، بل أسست مسارح للدولة بالاسم نفسه في كل من البصرة والموصل وإربيل، والسليمانية والناصرية والديوانية والعمارة.
إن كل المنجز في ثقافة العراق عبر مئة عام من الألم والمخاض والولادة والعطاء، انهار مع بداية عام 1980، بتحول العراق إلى بلد حربي عسكري، حيث أخذت تعمل السلطة على تخريب كل الإنجازات، وتغير كل الأضواء، وتسلط كل الأجهزة لخدمة فكر الحرب وبطولات المقاتلين على الجبهات، وتخريب الذائقة الفنية عند الإنسان العراقي بتنشيط مسارح الفنون الهابطة والسطحية.
