تجتاح إصدارات الرواية ساحة النشر في مصر على مستوييها، الحكومي الرسمي والخاص، حتى ليبدو الأمر كأنه ليس هناك سوى كتابة الرواية في مصر. فهل أن هذا الكم الكبير من النشر للأعمال الروائية يحمل معه كيفاً يضيف إلى مخزون ومسيرة الرواية المصرية، والتي كانت ولا تزال، تحتفظ لنفسها بمكانة رائدة عربيا (لا بد من البحث الجدي عن حقيقة مستواها الآن) ؟ إنه تساؤل نجده في محله، بل في منزلة ودرجة الضرورة والإلحاح، بتأثير وفعل ذاك الكم الكبير من الروايات الصادرة أخيرا عن دور نشر خاصة ورسمية معروفة يؤكد البعض أنها لا تمثل فعلياً، سوى مجرد خواطر وذكريات وحكايات سردية لا ترقى إلى مستوى العمل الروائي.

يشدد عدد من النقاد والمتعمقين في المجال، على أن منبع وسبب هذا الواقع في مضمون العمل الروائي بالساحة المصرية، هو الاستسهال في النشر، خاصة وأنه بات محققاً الآن لمن يدفع. وهذا ما دفع كل من هب ودب ليكتب وينشر ويصنف نفسه روائياً، ولهذا أثره السلبي، حيث أضر بشكل ما بالكثير من الأعمال الجيدة بل والمتميزة، خاصة وأن حالة النقد ليست صحية تسمح لها بالفرز.

كماً وليس كيفاً

يرى الناقد د.شاكر عبد الحميد، أن الرواية المصرية مزدهرة كماً وليس كيفاً. ويضيف: «هناك تدفق وفيضان في الروايات التي تنشر. فكل من يمسك في يديه قلما الآن في مصر، تجده يكتب الرواية، لكن الكثير من هذه الأعمال، هي تجارب أولى: بروفة لما سيليه من كتابات. هي بالفعل انطباعات لا علاقة لها بتكنيك الكتابة، وحقا نحن لسنا في زمن الرواية كما قال جابر عصفور، بل في زمن تزايد أو ارتفاع عدد المنشور من الروايات وهناك فرق، أين هي الأعمال الفذة التي شقت طريقاً جديداً للرواية العربية من بين هذه الروايات!». ويتابع عبد الحميد: تأخذ بعض الروايات شهرة وتترجم. فإذا قرأتها وجدت نفسك تتحسر على غياب القيم وانفلات المعايير، أين هو الروائي الفذ صاحب الخيال الجامح والإبداع المتجاوز للحدود، ذلك الذي يجترح العجائبي ويأتي بالمعجزات الإبداعية؟ دلني عليه من فضلك، أريد أن أقرأه، أريد أن أتحرر من هذا الملل الذي يكاد يقتلني والسأم الذي يوشك أن يسلمني إلى الجنون، أحب ما يكتبه إبراهيم عبد المجيد وسعيد الكفراوي وحمدي أبو جليل وغيرهم.

رواية متميزة

وبدوره، قال الروائي عزت القمحاوي: «حتى ولو أنني أشك في مقولة الازدهار الكمي، فأرى انه يمكننا بالطبع أن نعتبرها كذلك قياساً على الساحة المصرية نفسها،أو على الساحات العربية الأخرى، لكن بالقياس لبلد مثل فرنسا ينشر فيها بالمتوسط نحو سبعمئة رواية في العام، يكون ما تنشره مصر قليلاً، وهو لا يتجاوز المئة وخمسين رواية فيما أظن، إذ لا توجد إحصاءات دقيقة. وكما أن كل كم يمكن أن يعطي الفرصة لفرز نوع جيد، فإنه شهدت الرواية المصرية في الموسم الماضي، عددًا من التجارب التي تعد إضافة لمسيرة أصحابها، بقدر ما هي إضافة لمسيرة الرواية العربية. أذكر منها ما استوقفني، ومن دون أن أبذل مجهودا لتذكره حالاً: «دموع الإبل» لمحمد إبراهيم طه، «أيام مجاور» لسليمان فياض، «رقصة شرقية» لخالد البري، «بروكلين هايتس» لميرال الطحاوي. وهي تجارب من أجيال متنوعة. لكن المصادفة الجيدة هي أن جميعها روايات الأجيال، مثل: «ملحمة السراسوة» لأحمد صبري أبو الفتوح، (الطنطورية) لرضوى عاشور، وغيرها.

صدارة المشهد

وفي هذا الخصوص، أكدت الروائية ميرال الطحاوي، أن الرواية العربية عامة تشهد تطوراً كبيراً، وليست الرواية المصرية فقط، وتابعت: «قرأت في العام الماضي فقط، عدداً كبيراً من الروايات لحمدي الجزار وإبراهيم فرغلي ومنصورة عز الدين وعلاء خالد، وعلي بدر وسمر يزبك. ولكنني في كل مرة، كنت اشعر بأن النصوص الجديدة لها ذائقة خاصة، وأيضا لغة وعوالم متعددة، وأتصور أن مرد هذا المنافسة على الإبداع وهذا الكم الهائل من الجوائز، إضافة إلى طفرة هذا القارئ النوعي الذي أصبح يشتري ويساهم بالمشاركات وبــ «الفيس بوك» والمكتبات والقراءات. وكل هذه مساحات جديدة للإبداع، ولكن الرواية تحتل صدارة المشهد، كما قلت، وليس فقط في مصر، لكن أيضا في سوريا والسعودية والمغرب العربي والعراق. كما أن دور النشر المتنافسة، تشكل حركة حيوية وديناميكية، قد تصبح فارقة في مسيرة الكتابة نفسها.

حالة لم تشهدها منذ عقود

يؤكد الروائي والباحث في علم الاجتماع السياسي د. عمار علي حسن، أن الرواية المصرية واصلت طريقها بنجاح في السنوات الأخيرة على مستوى الكم والكيف. وتابع: «دفعت المطابع إلى سوق القراءة، مئات الروايات، وأغلبها ينطوي على مضامين مهمة. وهو يأخذ أشكالا متنوعة. وكثير منها يحتفي بالجمال، على مستوى اللفظ والصورة، وكلها تضيف إلى نهر الإبداع المصري المتجدد. وأظن أن أهم خطوة قطعتها الرواية المصرية في العقد الأخيرة،

هي الخروج من نفق الغموض والاستغلاق على الأفهام. وكذا الاستسلام للتجارب الذاتية الضيقة ومخاصمة التيار العريض من الناس. ففي تسعينيات القرن المنصرم تم الترويج لموجة أسماها إدوارد الخراط «الحساسية الجديدة». وهي، وإن كان بعض ما أنتج في ركابها من الروايات قد جدد في الشكل وأنماط السرد، لم تؤد إلى تعزيز توزيع الرواية، في وقت كان توزيع الشعر يتراجع ويهبط بشكل مخيف». ويستطرد عمار علي حسن:» إن مثل هذه الموجة التي سادت في بلدان أخرى كثيرة، دفعت الناقد العالمي تزفيتيان تودورف، إلى أن يؤلف كتابه المهم «الأدب في خطر». وذلك لأنه وجد ـ كما وجد كثير من النقاد المصريين ـ أن الأدب يسير باتجاه التخلي عن دوره الاجتماعي. ويهرول نحو فلسفة «الفن للفن». ولكن مع إصرار الرعيل الأقدم سنا من الروائيين المصريين، لاسيما من يطلق عليهم جيل الستينات، على الاحتفاء بالاجتماعي إلى جانب الجمالي في الكتابة الرواية .

غياب النقد الموضوعي

يلفت الروائي حمدي البطران، إلى أن الرواية هي تجربة بشرية مهمة، وأن الروائي الجيد هو من كان في مقدوره أن يقدم لنا وصفا كاملا وتفصيليا لتلك التجربة البشرية البالغة التعقيد. ويشرح وجهة نظره في شان الموضوع المطروق: «تزدهر الساحة الثقافية بكم هائل من الروايات، بعضها لكتاب نضجت تجربتهم الروائية، وآخرين لا تزال تجربتهم تحتاج إلى مزيد من التأصيل. وهؤلاء هم الذين أغرقوا مكتباتنا بتلك الروايات التي لا تتحدث عن شيء، والتي ينقصها الكثير، سواء من حيث اللغة أو من جانب التحكم في الفكرة وعدم هروبها من الكاتب، وأيضا الصياغة والأسلوب». ويتابع حمدي البطران: مؤكد أن ظاهرة وجود أعداد كبيرة من الروايات ظاهرة طيبة وصحية، شرط أن تتم مواجهتها نقديا، ليجد القارئ تقييما موضوعيا لتلك الروايات، وهذا يضيف إلى المبدعين أعدادا إضافية تثري الحركة الثقافية، وتنميها. ولا بد من الإشارة إلى أن كثرة العدد لا تعد ظاهرة صحية تماما، فهي تنم عن نوع من التساهل في عملية النشر ذاتها، وقدرة الكتاب على تسويق أعمالهم إعلاميا. ومن الطبيعي أن يبحث الكاتب عن نشر ما يكتب، ولكن من غير الطبيعي أن ينشر قبل أن تنضج تجربته. والغريب في الأمر أن مشروع مكتبة الأسرة، وهو مشروع قومي عظيم، تسرب إليه الإهمال، وأصبح القائمون على الجانب الإبداعي فيه، أعني القصة والرواية والشعر، لا يقرؤون الأعمال التي تقدم إليهم، وأصبحنا نرى روايات دون المستوى كتبها مبتدئون لا يجيدون الكتابة.

تعارك مع الواقع المعاش

يرى الروائي والقاص المصري السيد نجم، أن أول ما يلفت الانتباه في مجمل الإنتاج الروائي المصري (وربما العربي الآن)، هو سمة التعارك مع الواقع المعاش. ويتابع:» ليس القصد هو الحديث عن القصص الواقعية، بل تلك هي حالات تتفاعل بين الذات، ولتكن ذات الروائي. ولذا أثيرت الأسئلة أحيانا حول بعض الروايات، وإن كانت سيرة ذاتية للروائي، أو رواية بالمعنى المعروف الفني. ومن يتابع اللائحة المعلنة للأعمال الروائية قبل الأخيرة، لاختيار الرواية المحتمل فوزها بجائزة البوكر العربية، يلمح إلى تلك الحقيقة. فأغلب الروايات المرشحة تناولت قضايا المرأة في بعضها، وقضايا «العقيدة والدين» في جانب آخر. وكذلك قضايا: فكرة الإرهاب، الغربة داخل الوطن وخارجه. وبقيت بالمجمل محاطة بالخلفيات السياسية والأفكار الأيديولوجية». ويشير السيد نجم إلى انه تغلبت على الرواية المصرية الآن، ظاهرة السرد الذاتي، والسرد الوصفي، كما اختفت سير الأبطال الروائية التقليدية، وباتت صور الجماعة في فرد أو الجماعة في حراك غير رشيد.. وربما بدت بعض الروايات للسبب نفسه، تحمل تفاصيل زائدة وقد تكون مملة. ومع ذلك كله.