تعارف المسرح العربي على مصطلح مسرح الطفل، وهو المسرح الذي يؤديه الكبار ويتوجه لجمهور الأطفال، وعادة ما يحمل هذا النوع من المسرح صفات خاصة، كونه يتوجه إلى جمهور الصغار، فيأخذ بضرورات كثيرة، منها النص المسرحي الذي يجب أن يتحلى برسائل تربوية وقيمية تنمي المعارف الفكرية والنفسية، وتربي الذائقة الجمالية لديه.
يؤكد نقاد المسرح على أهمية أن يكون العرض المسرحي الموجه من الكبار إلى الصغار شاملاً الاتكاءات المهمة: التربوي، التعليمي، تنمية الذائقة البصرية والجمالية، الجانب الخيالي الذي يساهم في فتح الرؤى والتعامل مع الخيال الجامح لدى الطفل، خلوه من العيوب والممارسات التي قد يتأثر بها جمهور الأطفال سلبا، أن تكون الحبكة الدرامية قائمة على عناصر واضحة، لا تحتمل الكثير من الترميز، ان يكون العرض في أفضل حالاته هو العرض التفاعلي الذي ينشئ حواراً فنياً متجاذباً بينه وبين صالة الجمهور. أن يعترف بمواصفات المراحل العمرية وبالتالي لابد من الوعي من الجانب النفسي للجمهور الذي يتم التوجه إليه.
تطور متتابع
ونجد أنه من هذا المنطلق، يواجه هذا النوع من المسرح بصرامة كبيرة في عملية التقييم والانتقاء. ويضغط النقاد على أصحاب مسرح الطفل، باتجاه أن يتقنوا من أعمالهم المسرحية الموجهة لجمهور الطفل، وان يتقنوا صناعته وصياغة أطروحاته. وقد تعددت المهرجانات المخصصة لجمهور الأطفال في الوطن العربي، ومنها الإمارات التي تبنت منذ ست سنوات تقريبا إقامة مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، تشرف عليه دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، وتشترك في إقامته عدة جهات، من بينها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وجمعية المسرحيين ومجموعة مسارح الشارقة، ومؤخرا دخل القطاع الخاص على الخط في مسألة الرعاية والدعم.
الدورة السادسة
وفي السادس عشر من شهر ديسمبر الماضي، كانت قاعتا معهد الشارقة للفنون المسرحية تغصان بالحضور من جمهور الأطفال وذويهم، وهم يتابعون مسرحيات الدورة السادسة من مهرجان الإمارات لمسرح الطفل الذي اشتركت فيه تسع فرق مسرحية أهلية. وحالة جمهور الأطفال في التفاعل مع العروض المقدمة كانت تشي بكثير من نجاح تلك العروض باعتماد مؤشر التفاعل والتلقي، فأغلب تلك العروض استطاعت أن تبني علاقتها بشكل مباشر مع جمهور الصالة، حيث توالت ظاهرة الازدحام على العروض، الأمر الذي يمكن القول عنده، إن العروض استطاعت اجتذاب جمهورها من الصغار والكبار طيلة أيام المهرجان، ولم يخسر أي عرض منها هذا الجمهور الغفير. لكن في اليوم الختامي الذي اعد لحفل تكريم الفائزين بجوائز المسابقة، حدثت المفاجأة التي أعلنتها لجنة التحكيم برئاسة الفنان الكويتي القدير منصور المنصور، حينما خلا تقرير التكريم من جائزتي النص والعرض المسرحي المتكامل، وجاء في التبرير إن لجنة التحكيم لم تجد في النصوص المسرحية المقدمة للطفل في الدورة السادسة، نصا مؤهلا، يرتقي إلى مستوى الطفل ويعالج قضاياه المختلفة، كما تم حجب الجائزة الكبرى، جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل، نتيجة غياب التكاملية في عرض مسرحي يستحق هذا المستوى.
إن غياب هاتين الجائزتين عن منصة التكريم أشعل الحديث والجدل بين المشاركين في العروض المسرحية، وأيضا المراقبين، ومنهم النقاد، فهل كان الأمر كذلك؟ أم أن لجنة التحكيم أرادت أن تدفع بصرامة كبيرة باتجاه الكتابة للطفل، وتقديم عروض مسرحية تتكامل فيها العناصر بأسلوب يحمل من التقانة ما يؤهله لأن يكون العرض الفريد والنوعي؟ لم تشرح لجنة التحكيم كثيرا أسباب حجبها للجائزتين، رغم كونهما أهم الجوائز لأنهما ترتبطان بأمرين مهمين: أدب مسرح الطفل (المشمول في النص المسرحي)، صناعة الفرجة المسرحية المتكاملة التي تتداخل فيها جميع العناصر(من تمثيل وإضاءة وأزياء وحركة ومؤثرات صوتية وجميع عناصر السينوغرافيا ذات الدلالات والإشارات التي تناسب مخيلة الطفل، وتجعله في بيئة فرجوية تشحذ الخيال وتنمي الحس الجمالي لديه وتهيئ مناخا ساحرا للفرجة الموجهة إليه). ولم تشرح لجنة التحكيم كثيرا أسباب الحجب، لهذا كثر اللغط والجدل حول هذا القرار.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن تفسير استقبال جمهور الأطفال لتلك العروض التسعة، وهو إقبال ناجح في واقعيته، في مقابل قرار الحجب الذي برر بعجز في الكتابة التي تصل إلى الطفل، وعجز في صناعة فرجة مسرحية ذات تقانة تقنع الطفل على الدخول في مناخاتها، وبالتالي أن يحدث التأثير المطلوب بين تفاعل صالة الصغار(الأطفال) وبين قرار لجنة التحكيم (وهم مراقبون كبار)؟ وهل ظلمت الدورة السادسة من مهرجان الطفل هذا العام نصوصاً مسرحية محددة كانت تستحق الفوز؟ وهل أنها ظلمت أيضاً عروضاً مسرحية ربما حققت تكاملية في صناعة فرجتها؟
هذه الأسئلة تبقى حائرة، لأنه وكما جرت العادة في جميع المهرجانات العربية، يخصص اليوم الأخير من المهرجان لإعلان النتائج، وتكون لجنة التحكيم تعمل طيلة أيام المهرجان في انعزال تام عن تأثيرات الجمهور والنقاد والحوارات والنقاشات، حتى الندوات التطبيقية التي تقام يوميا بعد العروض لمناقشتها فنيا، فلجنة التحكيم تبقى تعمل في سرية تامة، وفي عزلتها، ثم تظهر في اليوم الأخير لتعلن قراراتها. ويحدث الفصل بين حالة المهرجان وحالة لجنة التحكيم من باب هذه الآلية للمحافظة على سرية اللجنة، والأغرب من هذا الأمر، هو ان أعضاء لجنة التحكيم يمتنعون عن مناقشة العروض وفنياتها مع أصحاب العروض، على اعتبار أن هذا قد يكشف تلك الأسرار، وهي آلية تبدو غريبة، ولكن درجت مهرجانات المسرح العربية على تكريسها.
ماذا كانت تلك العروض تقول للطفل؟
تسعة عروض مسرحية تنافست على جوائز مسابقة المهرجان، أولها العرض الذي قدمته فرقة المسرح الحديث بالشارقة، بعنوان (الحواس الخمس)، من تأليف الشاعر العراقي كريم العراقي، ومن إخراج مرعي الحليان. وقد حصل هذا العرض على ثلاث جوائز في الحفل الختامي، وهي: جائزة أفضل أزياء مسرحية، جائزة أفضل أداء تمثيلي نسائي ــ دور ثان، جائزة أفضل أغاني.
وعموما يتكئ العرض على حكاية بسيطة تقول إن الفلاح سالم يعيش مع حواسه الخمس: حاسة البصر، حاسة الشم، حاسة اللمس، حاسة السمع، وحاسة التذوق. ويرافقه في مزرعته الكلب (هوهو)، ويواجه هذا الفلاح صراعا مع قائد الجراد وجيشه، الذين أرادوا الهجوم على أشجار المزرعة، وتحدث المواجهات وينتصر الفلاح سالم نتيجة اتحاد حواسه وتماسكها، واعتماده أيضا على حاسته السادسة.
وثاني العروض كان لفرقة مسرح دبي الأهلي، بعنوان (أبطال المدينة)، من تأليف المؤلف الشاب طلال محمود، وإخراج بلال عبد الله.
ويعتمد العرض على حكاية عالم يستغل علمه في السيطرة على المدينة وطاحونتها، لكنه يواجه من قبل فئة خيرة من شباب المدينة الذين يقاومون طغيان وتجبر هذا الشرير سعيا لاستعادة طاحونتهم. ويتوجه العرض برسالة مباشرة إلى الطفل، حيث تحثه معها على أهمية الدفاع والتضحية عن الوطن، وأبعاد الشر والأشرار عنها.
وأما ثالث العروض فقد قدمته فرقة مسرح أبوظبي، تحت عنوان (هيا نلعب)، من تأليف الكاتب صالح كرامة ومن إخراج ناجي وناس.
ويتناول أحلام الطفولة في زمن الحروب، من خلال فتاة وفتى اخوين، يعيشان بين ركام منزلهما الذي قصفته طائرة معادية، حيث يحلم الاثنان بالطيران، وباللعب وبتجاوز الموت.
وأما رابع العروض فجاء تحت عنوان (مدينة العسل) لفرقة مسرح الشارقة الوطني، من إعداد وإخراج السوري عدنان سلوم، والنص مأخوذ عن قصة الكاتب عزيز نيسين (العسل المبرطم). وهو يتناول مسألة العقاب الذي يتعرض له من يسرق حلال الناس. أو من يعتدي على حقوقهم، وقد حصل العرض على جوائز عدة، منها: جائزة أفضل ماكياج مسرحي للبحريني جعفر غلوم، وجائزة أفضل تمثيل رجالي دور أول للفنان حميد سمبيج، وحصلت الفنانة المخضرمة مريم سلطان على جائزة لجنة التحكيم التقديرية، كونها اكبر الممثلين سنا في المهرجان.
وجاء خامس عرض في المهرجان لمسرح زايد للطفولة، بعنوان (برودكاست من المريخ)، من إعداد حميد فارس، وإخراج مبارك ماشي الذي سبق وحصل على جائزة في الإخراج في الدورة الرابعة للمهرجان. ويتناول العرض قضية تلوث كوكب الأرض، حيث يستدعي المريخ جميع الكواكب في محاولة لإنقاذ كوكب الأرض من التلوث الذي تتعرض له. ويعد العرض الأضخم من ناحية الإنتاج والسينوغرافيا الممتلئة بكثير من المفردات الديكورية والأزياء، وقد اشترك في أداء شخوصه ممثلون شباب وأطفال. وحصل هذا العرض على جائزة أفضل مناظر مسرحية للمخرج مبارك ماشي.
وأما العرض السادس فكان لفرقة مسرح شمل، وهو من تأليف وإخراج أمل عيسى، بعنوان (جميلة). والعرض يقارب قصة ساندريلا، إلا أن أحداث القصة تجري في بيئة إماراتية، وفي مسرح واقعي.
وتعتبر المخرجة أمل عيسى هي المرأة الوحيدة التي لا زالت تعمل في حقل الإخراج المسرحي للأطفال. إلا أن العرض خرج خالي الوفاض وابتعد عن منصة التكريم.
كما قدمت جمعية دبا للثقافة والفنون والمسرح، مسرحية العرض السابع، بعنوان (الفلاح الطيب)، من إعداد وإخراج سمير خوالدة.
ويتناول العرض قصة الشيطان الذي يوسوس في عقل الإنسان، ويحوله إلى طريق الشر عبر فلاح طيب يسيطر عليه الشيطان ليحول سلوكه الخير إلى الشر، وقد اعتمد العرض على اللوحات الاستعراضية وكذلك الأداء، وحقق العرض عدة جوائز، منها: جائزة الإخراج للمخرج سمير خوالدة، وجائزة الأغاني لماهر الحلو، وجائزة أفضل إضاءة لعبد الله مسعود.
وجاء اليوم الأخير لتقدم فرقة مسرح دبي الشعبي، العرض الثامن، بعنوان (سلوم آلون). ويتناول حكاية صبي لا يعيش حياة مستقرة في ظل خلافات أبيه وأمه، لكنه يحقق تلك الحياة في أحلامه، ويستحضر العرض الشخصيتين الكرتونيتين توم وجيري، كما يحضر القمر في المشهد، والقطة وطائر الببغاء الحبيس في القفص، لكي يشاركوا في وضع حل لحياة هذا الصبي. وقد حصل العرض على جائزة لجنة تحكيم الأطفال، كما حصل خالد الحمادي على جائزة أفضل ممثل ــ دور ثان.
واختتمت مسابقة المهرجان بعرض لفرقة مسرح حتا بعنوان (الأمير المشغول)، من إعداد وإخراج عمر غباش، ويتناول قصة أمير يبحث عن السعادة، فيظن ذلك في الزواج، لكنه لا يحققها، وحين يرى فلاحا بسيطا سعيدا مع زوجته يدرك أن السعادة بين الناس.
وقد حصل العرض على جائزة أفضل تمثيل نسائي -دور أول، ذهبت للممثلة زينب عبد الله.
