لا يمكن المرور على صور الفنان الإماراتي جاسم ربيع العوضي، بشكل عابر أو اعتيادي، ذلك كونه يترك على مساحات منجزه الإبداعي نوعا من الغموض، يبرره ويشرحه العوضي: «إنه يثير تساؤلات مختلفة لدى المشاهد». وهو يعتني في هذا الأساس، بحرفية وغنى صوره لتكون جديرة بإجراء حوار فكري مجدي مع المتلقي، مبتعدا بهذا عن نظرة ومفهوم أن الصور توثق فقط، حيث يؤمن بأنها يمكن، وفي الوقت ذاته، أن توثق وتطرح فكرة مهمة، شأنها في هذا شأن أي عمل فني آخر.
ما بين الفكر وإغراءات الضوء، الذي يتبدد على الوجوه والأمكنة، قدم العوضي صوره المتميزة، والتي جعلته واحدا من أشهر مصوري الإمارات، وأهلته للحصول على جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب في العام 2010 - مجال الفنون التشكيلية -«فرع التصوير الفوتوغرافي»، وهو ما يضعه -كما قال-: «أمام مسؤوليات جديدة». فكل ما يقدمه العوضي يترجم علاقة قديمة له بالكاميرا، يراها تتجدد باستمرار في كل صورة، فهو ينظر للعالم ويحاوره بواسطة عدسته، وهو ما جعل الزوايا الأربعة لصوره، على اختلاف موضوعاتها، مساحة ممزوجة بالجمال والفكر معا.
تبدد الضوء
ما هي الموضوعات التي تميل إلى تصويرها؟
لا يوجد شيء دائم ومحدد، فالأحاسيس تتبدل، وبالعموم أحاول أن أركز في صوري على الألوان والظلال بترجمة بصرية معينة، وأهتم بتصوير الوجوه والإضاءة التي تحيط بالوجه، وتؤثر بالتالي عليه باعتباره المركز، وهي إضاءة أسيطر عليها من حيث نوعيتها، وأيضا الارتفاع والنزول فيها. كما تشدني الإضاءة الطبيعية، في أول الصباح وآخر المساء، وهي التي تأتي من زوايا الأشكال التي من المعتاد أن نراها مع الظل، وتكون هذه الزوايا غريبة وسط النهار، وعندما تختفي الزاوية يسقط الظل تحت الإنسان، ما يثير الاعتقاد بأنه غير موجود، مع العلم أنه موجود في الحقيقة.
ماذا عن الأمكنة في رؤى إبداعك بمضمون الصورة الفوتوغرافية؟
تشدني الأمكنة غير المألوفة، مثل المناطق البسيطة، كالسهل والصخور. وكذلك أشكال أشجار معينة، لكني أعمل في المحصلة على تقديم صور تطرح فكرا وحوارا مع المشاهد.
إلى أي حد تستخدم البرامج والتقنيات الحديثة في صورك؟
حل «الفوتوشوب» الآن مكان الغرفة المظلمة في الأستوديو الكلاسيكي. أما مسألة القص واللصق في أماكن من الصورة فهي موجودة من السابق، إذ كان يوجد مونتاج وكولاج، ويمكن الآن التحكم بهذه الحالات عن طريق البرامج المتعددة. وبالنسبة لي أضيف تجويدا وتطويرا على ما كان عليه التصوير في السابق، من خلال تعديل الإضاءة واللون، ولكني لا أميل إلى تركيب الصور. إن ما يخدمني في هذا الصدد أنني أختار الموضوع والفكرة والمادة الصحيحة، والوقت المناسب، وهنا تحديدا أبادر لألتقط صوري. وهذا طبعا لا يحتاج إلى تركيب الصور على بعضها البعض.
ذاكرة الصور
ما اللقطات التي تعتبرها نادرة ومميزة في مسيرتك الفنية؟
أعمالي متراكبة، ومن اللقطات ما يرتبط بحياتي المهنية وعملي في المجال الأمني الجنائي كجزء من حياتي. فهي مشاهد ولقطات لا تنمحي من مخيلتي، حيث تحتل مكانا في ذاكرتي ملونة بانطباعات حزينة وإرادة إنصاف المعتدى عليه( رجلا كان أو امرأة)، إنها دائما أعطت المجني عليه- كما أردتها أن تفعل- القليل من حقوقه القديمة. وأكثر ما اعتبر أنها لقطات نادرة هي «البورتريهات»، واستحضر هنا قولا للمصور يوسف كارش: «أصور لأجل اقتناء الفرصة عندما يستبدل القناع بقناع آخر، أضغط على زر الكاميرا بين المرحلتين». كما أنني، باستمرار، أجد نفسي استمتع بالطبيعة المحلية، وقدمت لقطات مميزة في هذا السياق.
متى تشعر بأنك راض عن اللقطة التي صورتها؟
هذا فقط إذا شعرت أنني نجحت في ترجمة ما يعتمل في مخيلتي وعقلي، إلى حالة فكرية مجسدة في قالب الصورة الفوتوغرافية.
شغفت بالتصوير منذ الصغر، لكن متى تحديدا وجدت أنك انطلقت في مسيرة البداية الحقيقية في المجال؟
بدأت بشكل جدي في المرحلة الثانوية، وكنت أجد أن التصوير هو حالة امتداد البصر وإنجازه الفاعل في القدرة على التوثيق. أنا مؤمن بأن المصور يقوم بدور ركيزي إزاء الأحداث والمواقف، فالكل يرى ويفكر، لكن المصور هو من يُثبت ويسجل المشهد بشفافية تامة بواسطة الكاميرا، وبذا يصبح المشهد المرئي على سطح آخر، وهو الفيلم. وهذا في حين أنه لو حاول الإنسان تثبيت تلك المجريات في العقل، لا شك في انه ستخونه ذاكرته، ويتأكد من هذا عندما يشاهد الصور ليعرف أنه هناك العديد من التفاصيل قد غابت عنه. إن هذه الفكرة كانت ولا تزال تمثل هاجسي الأول في التصوير، وذلك طبعا إلى جانب اهتمامي بتوصيل العديد من الأفكار عبر الصور.
حصلت على جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب للعام 2010عن فرع قسم التصوير. ما المسؤولية التي ترى انك تحملتها أكثر مع نيلك تلك الجائزة؟
تعتبر المسؤولية عامة أكثر منها فردية، وأرى اليوم أني أتحمل مسؤولية المصورين الذين أعمل من خلالهم، واعتذر للمصورين في القول إني قد أكون رمزا أمثلهم في المحافل الدولية، وأدافع عن مبدأ التصوير، على مستوى الدولة، وخارجها. كما أمنح الفرصة للمصورين الشباب أن يقدموا أفكارهم عندما تمنح لهم المساحة المطلوبة، وذلك في إبداء الرأي والاستماع إلى الآراء التي لدي.
وعلى الصعيد الشخصي فقد بدأت أفكر في أرشفة تاريخي في التصوير، منذ مرحلة دراستي الثانوية وإلى الآن، ويشغل بالي كثيرا كيف سأستطيع أرشفة هذا المنجز طوال مرحلة عملي، وأيضا أين سيتم هذا؟ ومن هم أصحاب الأعمال من بعدي. هل هم أولادي مثلا؟ وهل هم قادرون على الحفاظ على هذا المخزون؟ كل هذه التفاصيل تشغل بالي.
ما مشروعاتك المستقبلية؟
لدي ثلاثة مشروعات أعمل عليهم، واحد منهم «مفاهيمي»، وسأعلن عن تفاصيل جميع تلك المشروعات في الوقت المناسب.
قضايا
شغلت سابقا مهمة رئيس رابطة الإمارات للتصوير. إلى أي مدى ساهمت الجمعية في تطوير مواهب الشباب؟
بداية تركت الرابطة لأني أريد أن أكون متفرغا للجميع، من دون منصب محدد، وكانت المعلومة بالنسبة للمنتسبين للجمعية قد وصلت إلى مرحلة معينة، ومن هنا يمكن أن يكون هناك مساحة لمعادلة ثالثة لتطوير تجربة الموهوبين، وهي المعاهد والكليات المتخصصة في مجال التصوير، والتي من الممكن أن تخرج المهتمين على أساس علمي، ووفق منهج صحيح، على أن تكون معتمدة من قبل الجهات المعنية، وتكون شبيهة بتلك الصالونات الفنية التي كانت منتشرة في العالم العربي، إذ كان الفنانون يتبادلون من خلالها الخبرات والأفكار، فإن وجدت لدينا المعاهد المتخصصة بالتصوير الضوئي، ستسهم في إيجاد تجمعات فنية حيوية.
هناك نسخ كثيرة من الصورة الواحدة. فكيف إذن يمكن الحفاظ على فرديتها وقيمتها؟
يوجد دوما فلسفة معينة وراء القيمة الشرائية للعمل الفني. لا شك أن اقتناء أي عمل من قبل متذوقي الفن( تشكيل ؟ صور فوتوغرافية) ليس هو بمعناه الاستحواذ والتملك الكامل للعمل ولحقوقه وأبعاده، فهناك تبقى القضايا الأدبية والقانونية التي هي تستمر ملكا لمبدع العمل، وعلى مقتني العمل أن يحترم المصور الذي أبدع العمل، ولا بد أن يكون هناك عقد قانوني ما بين الفنان/ المصور والمقتني، يحمي المقتني والفنان معا. وأذكر أنه قبل فترة، وخلال مزاد في أوروبا، بيعت أعمال تصويرية في مزاد علني بثلاثة ملايين دولار، وبيعت ثلاث نسخ من العمل نفسه، ما يدل على أهمية الملكية الفكرية. فإن لم يتوفر وجود قانون يحمي المصور والمقتني، لا شك في انه ستضيع الحقوق بينهما.
هل لديك مقتنيات لمصورين آخرين؟
هناك صور تبادلتها مع بعض المصورين، إضافة إلى مجموعة من الصور النادرة التي حصلت عليها عندما كنت في أوروبا.
ما صفات المصور الناجح؟
أبرز واهم الأمور هي قناعته بعمله وحبه له، وكذلك الاستمرارية فيه ونضوج أفكاره، وهذه العوامل هي التي تنتج عن ممارسته الجدية المعمقة للتصوير، وأيضا طريقه طرحه للعمل، فالصور دوما هي التي تحدد مدى نجاحه في إيصال أفكاره.
من هم المصورون الذين تشدك أعمالهم؟
جميع من قدموا أعمالا في إطار العديد من المدارس الفكرية، مثل المصور الفرنسي هنري كارتييه بريسون الذي صور خلال فترات الحروب، وريتشارد أبيدون الذي يعتبر من أغلى مصوري العالم والذي كانت صوره عبارة عن تقارير تصويرية، ويوسف كارش الذي صور العديد من الشخصيات الشهيرة، مثل رؤساء الدول، والعديد من الفنانين، وهو قال عن هذا إنه يصيد الصور لرفع القناع.
