يُخلص الأديب الإماراتي ناصر الظاهري لكتابة القصة، وإن كان يلجأ أحيانا إلى الإبداع في مجال الرواية، فذلك فقط من منطلق شعوره بأن مساحات القصة لا تكفي لأبطاله، ولهذا فهو يحررهم عبر أحداث روايته، بلا تكلف، وفي سلاسة ميزت كتابته على اختلاف صنوفها. وتبقى رؤى العطاء في القصة، وفي والرواية التي تعتبر سجلا لذاكرة المكان والناس، من سمات التعددية الفريدة التي تميز الظاهري، والذي يطل أيضا على آلاف الناس كل صباح عبر «العمود الثامن»، في الزاوية اليسرى من الصفحة الأخيرة لجريدة «الاتحاد»، وهذا طبعا إلى جانب اهتمامات أخرى يكشف عنها الظاهري في هذا الحوار.

 

كتبت الرواية بعد القصة من خلال تجربتك، فمتى تكتب القصة عادة، ومتى تلجأ إلى كتابة الرواية؟

أكتب القصة دائماً، لكن في الرواية أكتب ببطء، وأشعر في الأساس أنني كاتب قصة، ومخلص لهذا الأمر، لكن الرواية تريد وقتها وتريد التفرغ، وتريد النضج، وهكذا ألجأ للرواية حين أرى مشهدها مكتملاً، وأرى أن الأحداث التي أتناولها لا يكفيها قص في بضع صفحات، وإنما سرد من نوع مختلف، فكثير من القصص التي نشرتها كان متاحا أن تكون مشروع روايات، لكنني دفعت بها غير آسف، لأنها كانت مكتملة كقصص.

 

تمايز عوالم الإبداع

ما الفرق بين كتابة القصة والرواية؟

كاتب القصة، في رأيي، يومي ومراقب عن كثب، ومعجون بتفاصيل الناس. وأما كاتب الرواية فهو يشبه «المخزنجي» الذي يجمع كل شيء، لكنه لا يجمعه عن عبث، فيخزن الأشياء ليعيد ترتيبها وترتيب نفسه. أنا أعود لكتابة الرواية حين ألحظ وعياً في الداخل أكتمل نحو موضوع معين، أو نحو أمور في الحياة مصبوغة بفلسفة خاصة. أعود لكتابة الرواية حين يكون عليّ أن أسجل ذاكرة ناس ومكان محددين، وكذا توثيق العلاقة الجدلية بينهما. كما أن هناك أبطالا هم في الأساس ولدوا ليكونوا أبطالاً روائيين، وبذا لا يمكنك أن تسجنهم في قصة قصيرة، لأنهم سيظلون يقرعون ذاكرتك كونك خنت شخصياتهم وخنت النص السردي. وأما القصة وكتابتها فهي نوع من الفرح ونوع من المتعة التطهرية ونوع من سعادة الإخلاص، وفعل الخير. لا أدري، أنا أشعر أن لبعض الأشياء طعما جميلا في الحلق، تلك هي كتابة القصة.

كثيرون اعتقدوا أن الرواية هي حكاية ناصر الظاهري، فما ردك على من يحجم الرواية بشخصية الكاتب فقط، وأين ترى بالفعل أن شخصيتك ظهرت في الرواية؟

هذه مشكلة أزلية، فالقراء عادة ما ينصبون الكاتب هو بطلهم، لأنهم يرون، من خلال حروفه، أنه يتنقل بهم ويصاحبهم ويتلذذ بالأكل معهم، كما يجدوا وصفه وتعليقه الذي يعرفونه عنه، فلا يشكون أبداً أن بطل هذه الرواية غير الكاتب، وهي نقطة في صالح الكاتب من جهة، ونقطة ضده من جهة أخرى. فالنقطة التي له هي أنه كان صادقاً وشفافاً في نقله وبوحه، فنجح لدرجة أنه تماهى مع بطله وأحداث روايته. والنقطة التي ضده هي الربط بين أحداث ومكنونات السرد الروائي، وبين حياة الكاتب وتفاصيلها، لذا هم يلبسون حياة الكاتب أشياء ليست فيها ولا يدري هو عنها، والغريب أن كل رواية لا يتوانى بعض القراء في أن يجعل من الكاتب بطلها، حتى ولو كان هذا البطل مختلفاً عن بطل الرواية السابقة.

إن حياة الكاتب، مثل حياة الآخرين، لابد وأن تجدها من خلال السرد، لأن ميزة أبطال وشخصيات الرواية هي أنها مكونة من حياة شخصيات متعددة، وتراكيب وعقد متعددة، فليس هناك بطل غير ممزوج بعدة شخصيات، ومكون من تفاصيل لحياة متعددة لأكثر من شخص، لذا سهل أن نصطاد الكاتب من خلال سرده، لأنه يكتب عن نوع الحياة التي يحبها، وتعنّ على باله التفاصيل التي يعشقها، لكن رغم كل ذلك أعتقد أن الكاتب الذي يستطيع أن يقنعك أنه هو في الرواية، وأن كل هذه التفاصيل التي ذكرها هي تجارب معاشة، فالنصيحة هنا أن يقرأ له الإنسان، لأنه قادر على أن يدخل لنفوسنا المتعة، وقادر على أن يبصرنا بطرق كثيرة للعيش والمعرفة.

 

تنوع

هل تعمل الآن على مشروع روائي جديد، وإذا كان ذلك فما هي طبيعته، ومتى سيكون جاهزا للإصدار؟

بالتأكيد أعمل على أكثر من مشروع في المنجز الإبداعي والثقافي، منها ما هو مكتمل وسأدفع به للمطابع مع دورة فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب، ومنها ما هو سيكون في وقته لأنه مرتبط بزمن محدد، وهناك مشاريع شبه مكتملة أو في طور الانتهاء، ومشاريع مركونة أو مؤجلة أرجع إليها بين الحين والآخر، لأنها لابد وأن تأخذ وقتها ومداها الطويل للإنجاز الذي ترضى عنه النفس، ومن ضمن تلك الأعمال: مجموعة قصصية، طباعة أعمدة «العمود الثامن» خلال الثماني سنوات المنصرمة، كتاب يخص قواتنا المسلحة ودورها الإنساني وسجلها الشرفي الدولي بثلاث لغات (العربية والإنجليزية والفرنسية)، كتاب عن الصور الفوتوغرافية الفنية التي التقطتها خلال سنوات طويلة ورحلات كثيرة(العربية والإنجليزية والفرنسية الإسبانية)، سيناريو فيلم سينمائي، أعمال تلفزيونية لرمضان. وأيضا هناك رواية تدور حول المكان وسيرته، وشخصيات كانت مؤثرة فيه وفي أحداثه، وستأخذ طابع الرواية الكلاسيكية في السرد، بعيداً عن النحت في اللغة، ولكنها ليست بسمة الحديث العادي والسرد الشفهي الذي يطبع الروايات الكلاسيكية.

سافرت إلى بلدان كثيرة في أنحاء العالم، وكتبت عن بعضها في مقالاتك. ما الذي يضيفه السفر للكاتب، وكيف تنهض هذه المدن من جديد في كتاباتك؟

إن السفر بالنسبة لي قراءة أخرى ومختلفة، باعث للمشاغبة والكتابة، محرض على الحياة وفتح نوافذ مطلة على الآخر، وعلى كل شيء مشترك معه في رحاب الإنسانية الواسع، وهنا طبعا لا يهمني دينه كثيراً، ولا انتماءه ولا بلده ولا لغته، فقط تهمني إنسانيته، ومعرفته وثقافته، ومقدار الخير الذي فيه، ووعيه أن الشر ضد الإنسان وحياته دائماً، لذا حين تنهض تلك المدن من جديد في كتاباتي، يجد القارئ ذلك الإنسان الذي أحب أن أنتمي إليه، وانحاز إليه ضد الظلم والفقر والجهل والشر.

تكتب عمودا يوميا في جريدة «الاتحاد» وهذا ما يتطلب منك جهدا كبيرا، ومتابعة للأحداث. كيف تتعامل مع عمودك، وماذا تفعل أحيانا حين ترى أن الفكرة بعيدة عنك ؟

لا شك أن الكتابة اليومية عمل مضن ومتعب، حيث لا تجد الكثير من الناس يشفقون عليك منه، وهو عمل يستنزف المبدع. لكنني حاولت أن أشق طريقاً مختلفاً في كتابة العمود اليومي الذي يبدو انه ممل بالنسبة للكاتب، وممتع إذا ما وعدت قراءك بالجديد والمدهش كل يوم، فجمعت العبارة الأدبية والملحة الثقافية بنكهة محلية حيناً، وبطابع إنساني حيناً آخر، بروح فيها الدعابة المسروقة، والضحكة التي تجبر قراءك أن يجهروا بها بعيداً عن ترفعهم وعلو مكانتهم.

 

في الفن السابع

عرف عنك شغفك بالسينما منذ الصغر، وتؤكد انك ما زلت تملك حلما في هذا المجال. متى يمكن أن يكون هذا الحلم واقعا، وما الذي تهدف إلى إبرازه في عمل سينمائي مرتقب؟

العمل السينمائي في الإمارات قليل وضعيف، وهو في بداياته غير المشجعة، ولا يضرنا أن يخرج واحد ليقول نحن نمشي في خطوات واثقة نحو العالمية، ونحو إنتاج سينمائي إماراتي مميز، أتمنى ذلك وأشد على يد من يعمل على ذلك، ولكنها حقيقة طموح ورؤية لا زالت تقبع الآن في الهواء. جميل أن تكون عندنا مهرجانات دولية، وجميل أن تكون لدينا أكاديمية، وجميل أن تكون هناك إعانات ومبالغ نقدية متواضعة لمساعدة الخريجين الشباب، لكن هذه صناعة ولا تأتي بتلك الأمور فقط، ولا تأتي بها المواسم، أنا هنا أتكلم عن صناعة وطنية للسينما المبدعة والمتواضعة في الكم العميق، وفي الكيف النوعي، على غرار دول شمال أفريقيا وسوريا ولبنان ودول أفريقية عديدة، لا على غرار دول أوروبا الشرقية أو أوروبا أو أميركا أو الهند أو الصين واليابان، فقط نريد من الأفلام العشرة فيلما يمكن أن يقدمنا لمهرجانات السينما العالمية، وربما فيلمان يمكن أن يطوفا العالم ليعرفنا من خلالهما. لا أريد الحديث عن الإنتاج المشترك فهذه لعبة تجارية، ولا العمل من خلال الشركات الكبيرة العالمية للإنتاج السينمائي، فهذا عمل يدخل في نطاق التجارة وإن كان له دور توجيهي أو إرشادي أو في نقل قيمة حضارية وإنسانية، لكنه عمليا لا يربي جيلاً من صناع السينما الوطنية. وأنا واحد من المهتمين بهذا المجال، لكن ليس لدي استعداد للمجازفة في ظل إمكانات ضعيفة، وحالة عدم الاحترافية، وعدم وعي حقيقي بدور السينما، وهكذا تظل فإنها أمنية جميلة قد تتحقق في قادم الأيام، حتى ولو اضطررت للبحث عن منتج مشترك آخر، من بلد بعيد لكنه يعرف لغة السينما.

ما طبيعة صحيفة «الهدهد» التي تشرف عليها؟

هذا مشروع مشترك مع صديقي الدكتور محي الدين اللاذقاني، أسسناه في لندن قبل ثلاث سنوات، وهي صحيفة دولية بأربع لغات عالمية، العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية. وأسميناها «الهدهد» باعتبار أن الهدهد هو أول صحافي نقل الخبر، وشعارها: «نذهب بعيداً.. لنأتيك بالدهشة والخبر اليقين». إن كل نسخة للغات هذه الصحيفة تعمل من خلال لغة البلد ولا يخصها بالنسخ الأخرى، ذلك لأن لكل شعب ولغة اهتماماته وتوجهاته، وهذا لا يمنع أن نضع المواضيع ذات الطابع المشترك في كل النسخ، أو أن تحوي خبراً سياسياً دولياً أو حدثاً عالمياً يهم الجميع، ونعمل الآن على إصدار نسخة من الصحيفة باللغة الفارسية لأهميتها وعمق ثقافتها وقربها من حضارتنا العربية والإسلامية. وأود أن أشير إلى أنه عمدنا لإعطاء كل لغة رمزها الإبداعي والإنساني، فاخترنا صورة المتنبي للعربية، وصورة شكسبير للإنجليزية، وصورة فولتير للفرنسية، وثيرفانتيس للإسبانية. وأما الفارسية فلم نستقر بعد على خيار الصورة ما بين الفردوسي أو عمر الخيام أو سعدي. إن «الهدهد» صحيفة نتاج لعمل فردي وخاص، وهي لا تمول من أي طرف، ولا تتبع لأي جهة، تستمد استمراريتها فقط من الإعلانات، ولا نسعى إلا أن نكون صادقين مع النفس ومع الآخرين، بعيداً عن كل مساوئ النشر الإلكتروني والحرية غير المسؤولة، فنحن ملتزمون، وقبل كل هذا وذاك، محترفون نسعى للمعرفة ونقدم المعرفة.

المؤلف في سطور

 

ولد ناصر الظاهري في مدينة العين بإمارة أبو ظبي.،حصل على شهادة البكالوريوس في الإعلام والأدب الفرنسي من جامعة الإمارات عام ‬1984.، أصدر كتابه الأول في العام ‬1981، متضمنا إبداعات تدور حول بعض اليوميات في العين.،نشر قصته الأولى عام ‬1986، بعنوان «حسون الحواي».، أصدر عددا من المجموعات القصصية، ومنها: عندما تدفن النخيل، خطوة للحياة خطوتان للموت. أصدر رواية بعنوان «الطائر بجناح أبعد منه».عمل سابقا مدير تحرير مجلة «درع الوطن». ومدير تحرير جريدة الاتحاد. ومدير عام ورئيس تحرير مطبوعات «المؤسسة العربية للصحافة والإعلام». ورئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. إلى جانب توليه عدة مسؤوليات ومهام أخرى.، عضو الهيئة الاستشارية لمشروع «كتاب في جريدة» التابع لمنظمة اليونسكو. أقام عدة معارض فوتوغرافية شخصية ومشتركة في كل من: أبوظبي، بغداد، القاهرة، المغرب، وإيطاليا. يكتب عمودا يوميا في صحيفة الاتحاد، بعنوان «العمود الثامن». وأصدر عددا من المقالات في كتب خاصة، وهي: «على سفر نذهب بعيدا.. نذهب عميقا، ما تركه البحر لليابسة، العمود الثامن.، تُرجمت بعض قصصه إلى اللغات الانجليزية والروسية والفرنسية.