ربما كان من الأسهل التعريف بالسلب لمركز قرطبة الإسلامي القريب من موقع «أرض الصفر» في الولايات المتحدة الأميركية، التي شهدت أحداث 11 سبتمبر. إذ إنه ليس مسجدا فحسب، وهو ليس في موقع «أرض الصفر»، وهو لا يبدو محلقا فوق أرض موقع الهجمات في معرض التعريف بالإيجاب حوله، فيمكن القول إنه القطعة «بارك 51»، حسب ما يشير الاسم الصحيح للمشروع الواقع في مكان لركن السيارات، بين غرب «برودواي» وشارع «تشرش».
ان موقع المركز مكان يبدو «مألوفا وسهلا»، حيث يثري مانهاتن السفلى ببنائه وبروحانياته. والأهم من ذلك كله أن له تصميما يراعي البيئة والمكان المحيط. وقد صممه المعماري الشاب مايكل عبود الذي يبرع في جعل الأشياء تبدو أكثر وضوحا. صمم المسجد على غرار مراكز التريض والإحماء المنتشرة في أنحاء أميركا الشمالية. وقد اشترطـــت هيئة الحفاظ على معالم مدينة نيويورك بأن يقام هذا المركز من دون إضفاء أية ملامح دينية خاصة، مثل القباب أو المآذن وما شابه ذلك. وبمعنى آخر فهو نسخـة إسلامية من مراكـز الاستجمام الأخرى. وربما يتصور البعض أن مركز قرطبة الذي سوف يقام في منطقـــة مانهاتـــن في نيويـورك، بجانب المبنـى الجديد الذي يشيد على أنقاض برجـي مركز التجـارة العــالميين، هو عبارة عن مسجد كبير بحجم المساجد المعهـــودة، إلا أنه أصغر من ذلك بكثير، فهو عبارة عن غرفة واحدة ضمن طابق يضم مركزاً اجتماعياً.
16 طابقاً
يشمل التصميم الحالي للمركز، حمام سباحة وساحة لممارسة كرة السلة، ودارا لرعاية الأطفال، ومنشآت للعرض، ومكتبة، وقاعة احتفالات كبيرة، ومطعما، ومنشآت أخرى، بالإضافة إلى نصب تذكاري لضحايا هجمات 2001. وعند اكتمال بنائه سيتألف المركز من 16 طابقا، ولن تشغل قاعة الصلاة إلا 10٪ من مساحة أرضيته. وستتسع هذه القاعة لنحو 1500 مصل، لكن لن تكون هناك مئذنة للمسجد، ولا مكانا للوضوء، ولا أيا من المظاهر المعتادة للمساجد. ولن تزيد عناصره الدينية - بحسب عبود - على التصميم الداخلي، حيث سيكون من الممكن لأصحاب أي ديانة أخرى استخدام الساحة لممارسة عباداتهم. والمشروع الآن حاصل على ترخيص تخطيط المدينة، وبانتظار جمع التبرعات، وهو ما يعني أنه لن يكتمل بناؤه قبل ثلاث سنوات. ويحكي عبود قصته مع تصميم مركز قرطبة موضحا انه أكثر المباني إثارة للجدل هذا العام جاء إليه بطريق المصادفة، من خلال سلسلة من القرارات المنطقية. ولقد بدأ الأمر كله عندما اشترت شركة «سوهو» للتطوير مصنع «برلنغتون» السابق للمعاطف، في شارع «بارك أفنيو» بمانهاتن السفلى. وبدأت الشركة تدرس الاستخدامات المفيدة الممكنة للمبنى، وأجرت بحثا عن احتياجات السوق، فوجدت أن المنطقة بحاجة إلى «منشآت اجتماعية». وتصادف أن حضر أشرف الجمال، الأميركي المسلم، الذي يدير شركة سوهو للعقارات، للصلاة في مسجد قريب، مع الإمام فيصل عبد الرؤوف الذي يعمل في المنطقة منذ 30 عاما. وقد قررا معا إقامة ما يعرف الآن باسم «بارك 51». ويرد سبب قرب الموقع من «أرض الصفر» إلى الصلات التي يتمتع بها الجمال وعبد الرؤف في المنطقة.
عاصفة سياسية
يعتمد تصميم عبود المشابه للمشربية في هذا المركز، على «أنماط تاريخية قديمة تحمل قصصا طويلة»، لكن بعض الناس تخيلوا أن التصميم يحتوي على نجمة داوود كنوع من الاستفزاز. ورغم أن القليل هم الذين عبروا عن هذه الملاحظة، المفرطة في الخيال، فقد استجاب لهذه الانتقادات بأن جعل الأشكال أقل وضوحا. ولا يزال التصميم في مرحلة التطوير حتى الآن، لكنه يتوقع أن يكون الشكل النهائي للمبنى مظهرا مماثلا. ويقول عبود «في كل مرة يتم تقديم المشروع بالشكل المناسب من دون الضجة الإعلامية، يكون رد فعل الناس إيجابيا».
الواقع أن فكرة المشروع كانت في النطاق العام، منذ نحو ستة أشهر، بعد الإعلان عنه في صحيفة «نيويورك تايمز»، قبل عام من الآن، وقبل أن يبدأ أي شخص بإثارة الضجيج حوله. وكان قد حصل على موافقة بالإجماع من جانب هيئة المجلس المحلي في مايو الماضي. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، هبت عاصفة سياسية حوله. وأثار البعض مخاوف من أن يكتمل بناء المركز، قبل الانتهاء من بناء النصب التذكاري الخاص بأحداث 11 سبتمبر، والذي من المقرر افتتاحه في العام المقبل، في الذكرى العاشرة لتلك لأحداث. ولا يبدو أن ثورة الانتقادات قد هدأت، حتى بعد إضفاء نوع من الغموض والفروق الأخرى على مبنى المركز. فكونه مبنى مكونا من 16 طابقا ويقع حيث هو الآن، فمن المؤكد أن لذلك مغزى، لكن هذا المغزى ليس واضحا تماما. فبالإضافة إلى كونه منشأة اجتماعية فهو يمثل الوجود الإسلامي في نيويورك، ويؤكد أن المسلمين ليسوا إرهابيين.
ورغم أن المركز لا يجب أن يمثل أي مشكلة لأي جهة. غير أنه في المناخ المتوتر الذي تعيشه أميركا الحديثة، فإن الغموض يفتح مجالا للمخاوف غير الحقيقية. وقد أدى ذلك إلى انطلاق تصريحات متشددة، منها: «دعوهم يبنوه ثم فجروه في أكثر الأوقات ازدحاما خلال اليوم».
ويقول عبود إزاء هذا «من المهم جدا فهم القوة الشافية للعمارة. ولا زال هناك الكثير من تجليـــات تلك القـــوة في الطريق».
