برزت المنحوتات البرونزية والحجرية والرخامية في الماضي كوسيلة لكتابة التاريخ القديم؛ وتخليد شخصياته المعروفة، فالإنسان عرف النحت منذ القدم، وامتلكت بلدان مختلفة من العالم الكثير من المنحوتات التي تدل على خلود حضارتها.
وإن كانت المنحوتات في ذلك الزمن كلاسيكية، إلا أن النحت حاله حال بقية الفنون ظهر كلاسيكيا لينتهي بالمدارس المعاصرة، ومهما كان من تحول يبقي للنحات تقاليد معينة لا يمتلكها أي فنان، فإلى جانب المهارات الفنية،هو يمتلك أيضا القدرة الجسدية حيث يترتب على هذا العمل مشقات عدة ، ومخاطر أحيانا. وعن هذا تقول الناقدة الروسية أولغا كالوغينا: «إن النحت فن لا يستطيع أن يستوعبه أي كان».
لا يخفى على المتتبع لحركة التشكيل في الإمارات، تقدم الرسم والتصوير على النحت، وإن كانت هذه حالة عامة عبر تاريخ الفن في العالم، إلا أن فناني الإمارات لهم أسبابهم المختلفة في قلة إنتاجهم النحتي، يكشفون عنها من خلال الاستطلاع التالي:
معاناة النحات
وقال د. محمد يوسف، هو الفنان الوحيد في الإمارات، الذي قدم النحت فقط على مدار تجربته الفنية التي تمتد من العام 1978 عندما تخرج في كلية الفنون الجملية في القاهرة، وأضاف محمد يوسف: في الإمارات نحاتين كثر هجروا النحت، وتركوني في هذه الساحة وحدي، وبقيت أعمل مرة على الخشب ومرة أخرى على الحجر، وهكذا.
واختتم بالتأكيد: يبقى النحت من الفنون الباقية أكثر من غيرها، وكل فنان يعرف ما هي معاناة النحات، التي تختلف عن معاناة الرسام، فقد يتعرض جراء النحت لمخاطر صحية، ومادية، إلى جانب أن الرسام قد يعمل على لوحاته في كل الظروف.
بينما يحتاج النحات إلى ظروف معينة بالأخص إذا كان النحت مباشراً. مضيفاً إلى أن مشكلة النحت في الإمارات تكمن في وزنه، وفي المكان الذي يستحوذ عليه، بينما تعلق اللوحة على الجدار، من أجل هذا كله يبدو النحت مغامرة لصعوبة تنفيذه، وندرة الناس الذين يقتنونه.
وأوضح يوسف من منطلق تجربته الطويلة مع النحت قائلاً: بعد حصولي على الماجسيتر ومن ثم الدكتوراه، أنتجت أشكالاً نحتية على غير ما هو معروف عنه في مجال النحت ككتلة، واستخدمت النخل وخامات أخرى لها علاقة مع البيئة، ضمن دراسة بين البر والبحر، وابتعدت عن النحت المباشر، الذي يعتمد على الحجر والخشب، بينما يعتمد النحت غير المباشر على البرونز، النحاس، وغيرها من خامات، فالنحت غير المباشر يحتاج إلى مغامرة مكلفة إلى جانب أن النحت يتطلب أن أعمل عليه من جهاته الأربع.
مصطلحات بديلة
الفنان والناقد التشكيلي علي العبدان الذي حاز كتابه «القرن الجديد- جهات الفن التشكيلي في الإمارات» جائزة أفضل كتاب في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2010 يحضر الآن لكتاب يتناول فيه النحت في الإمارات عن هذا قال: السبب الرئيس في كتابي الذي أحضره عن فن النحت، هو التعريف بأهم الفنانين المشتغلين في هذا المجال، وأهم الاتجاهات التي عملوا عليها.
وأضاف العبدان: كان هنالك نشاط في مجال النحت ولكن لم يتم تغطيته بطريقة جيدة، خاصة أن هناك فنانين هجروا النحت رغم تخصصهم الأكاديمي في هذا المجال مثل نجاة مكي، وعبيد الهاجري الذي ترك الفن تماماً لأنه لم يلقَ الاهتمام المناسب.
وأكد علي العبدان: الجمهور لا يتذوق الشكل الجمالي للنحت، فالشكل الجمالي لديهم له علاقة باللوحة، فركزت في كتابي عن هذه النقطة بالذات، من أجل أن أوصل للقارئ طرق تذوق المنحوتات والتماثيل.
وأرجع العبدان قلة الأعمال النحتية إلى صعوبة إنتاج ونقل الأعمال النحتية، فإلى الآن لا توجد مصاهر برونز في الدولة، والبرونز كما هو معروف أثبت صموده مع الزمن، إذ وجودوا في بلاد الشام والرافدين عددا من القطع البرونزية التي تعود إلى آلاف السنين، ومن هنا كانت المنحوتات المحلية أخشاب أو حجر.
إضافة إلى هذا سيضم الكتاب تعريفا جديدا بمصطلحات نحتية أشار العبدان: من المفاهيم النقدية التي سأعالجها مثل الحجم والفراغ، عوضا عن المصطلح السائد الكتلة والفراغ. ولكني أحتاج إلى جهة تدعم وتنشر الكتاب.
وبالنسبة لأعماله النحتية قال علي العبدان: لدي منحوتتين من الطين يحتاجان لاستكمالهما بالبرونز، وأحتاج أن أعمل عليهما خارج الإمارات، حيث يتوفر المكان والخامات المناسبة.
ورغم أن النحت أصعب من الرسم لما يحتاجه من عمل على استدارته، لكني أطمح أن أنتج 25 قطعة نحتية، وأقيم معرضاً خاصاً بهذه الأعمال.
بين النحت والرسم
الفنان عبد الرحيم سالم خريج كلية الفنون الجميلة في القاهرة من بداية ثمانينات القرن الماضي؛ كشف عن علاقته بالنحت قائلاً: عملت من وقت لآخر على النحت البارز «بارليف» ولم أعتمد بالمطلق على النحت، باعتباره غير قادر على إيصال أفكاري التي أطرحها.
كما أن النحت يحتاج إلى إمكانيات لا تتوفر في الإمارات، إضافة إلى أن الجمهور لا يتفاعل مع العمل النحتي مثلما يتفاعل مع اللوحة، يصدم النحت المشاهدين بين الكتلة والشكل، ويبحثون عن مفاتيح للعمل بينما يجدونها بسهولة في اللوحة، وهكذا يصبح العمل مقيداً بآرائهم.
كما أكد سالم: هذه أسباب قلة أعمالي النحتية، بينما يمتلك كل فنان إماراتي أسبابه التي قد تكون مختلفة لابتعاده عن النحت، أو قلة انتاجه النحتي. وأضاف ومع ذلك فما زالت رسوماتي تحمل تلك الخطوط النحتية، ولكني نادراً ما ألجأ للنحت كون الرسم يطرح جانباً روحياً وتصوفياً.
وأكد الفنان جلال لقمان الذي عرف في مجال «الفن الرقمي»: أنا من المدرسة التي تقول إذا أعطي الفنان طيناً سيصنع تمثالاً، وإذا أعطي ورقاً سيرسم.
وأرى أن الفنان لا يجب أن يحد فنه بمواد معينة، ومن هذا المنطلق أنتجت منحوتة من الحديد، وبدأت قصتي مع منحوتتي الأولى، عندما كنت في إيطاليا مع الفنان مطر بن لاحج، وهناك بدأت برسم «كروكي» لعمل نحتي، ووصلت بعد أربعة أيام إلى الشكل المطلوب، وحين عدت للإمارات عملت على التمثال ثمانية أشهر، ما بين عشر وثماني ساعات يومياً، وعندما كنت (ألحم) الحديد كنت ألبس الخوذة من أجل أن أقي نفسي من نثراته المؤذية.
وعن تقدم فن الرسم على النحت قال لقمان: مع الأسف أن معظم الفنانين الإماراتيين يحبون الفن السهل، في عصر السرعة والديجتال، بينما يحتاج النحت إلى تعب ومجهود متواصل، إلى جانب التحديات الدينية التي حدت من انتشار هذا النوع من الفن، في حين عندما يرسم الفنان قد يرسم خيل، أو طبيعة، وهو ما يبعده عن مثل هذه التحديات.
ويرى لقمان: أن حركة النحت في الإمارات بدأت تتغير، وأصبح الناس يتفاعلون مع النصب في الحدائق العامة، حتى أن فكرة «سمبوزيوم أبوظبي الدولي للنحت» أنتج أعمالا جيدة، ليختم بالتأكيد: تبقى ميزة النحت أنه بمتناول جميع الناس، كونه يعرض في الخارج، بسبب قدرته على تحمل العوامل المناخية.
