يقدم المجلد الثاني من سيرة الحياة الذاتية للأديب الألماني غونتر غراس الحاصل على جائزة نوبل للآداب، والذي صدر حديثا، بعنوان «الصندوق»، لمحات من حياته الشخصية، حيث نشرته دار «هارفل سيكر» اللندنية، مترجما إلى الانجليزية. ويشكل هذا المجلد جزءاً من ثلاثية استغرق غراس في كتابتها مدة سبع سنوات. وكان الجزء الثالث من هذه الثلاثية الذي جاء تحت عنوان «كلمات غريمز» حيث يمزج بين مذكراته الشخصية وبين معجم «غريمز»، وقد ظهر إلى النور، بالألمانية، في شهر أغسطس الماضي. وأدى نشر هذه الأعمال إلى إثارة الحديث عن دور غراس في صفوف النازية التي يقول عنها إنه لم يقدم عليها بملء إرادته، لافتاً إلى أنه أرغم، شأن ألوف آخرين، على الالتحاق بفرقة «إس إس» العسكرية، التي كانت تعرف باسم «قوات الصاعقة» الألمانية.
يتذكر غونتر غراس الضجة التي أثيرت عندما صدرت روايته «تقشير البصل» التي كانت تحمل رؤية تخيلية لمذكراته الشخصية أيضا. كما يتذكر مسألة انضمامه إلى فرقة «إس إس»، في مطلع شبابه، وأداءه قسم الولاء لها قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو ما فجر أكبر عاصفة من الجدل تعرض لها على مدى نصف قرن. لكنه يقول إنه اعتاد على ذلك الآن. ويضيف: «ما أفعله أحيانا -على الأقل في ألمانيا- يقابل بحملات جارحة. وأنا دائما أتساءل: هل أتجاهل تلك الحملات وأصبح قليل الحس، أم أتعرض لها وتجرحني؟ وقد قررت أن أتركها تجرحني، لأنني لو أصبحت قليل الحس، فلن أشعر بأي شيء آخر، بعد ذلك». وقد عرضت مسألة انضمام غراس إلى فرقة «إس إس» العسكرية، في الصحافة الألمانية في العام 2006، على أنها كشف صادم، رغم أنه تحدث عنها بنفسه في الستينات، حيث لم ينشغل أحد بهذه القصة في ذلك الوقت. وكان ذلك في عهد تنكر للماضي وسط «المعجزة الاقتصادية» الألمانية التي أدى نسيانها إلى هجوم حاد من جانب غراس وكتاب آخرين، مثل هنريتش بول وهانز ماجنوس إنزنسبرجر ومارك واسلر، قبل أن ينعكس اتجاه الرأي مرة أخرى، في ظل محاكمات أوشفيتز واحتجاجات الطلبة في العلم 1968. وكتب غراس في روايته «تقشير البصل»: «رفضت الانضمام إلى فرقة «إس إس» التي كانت تعرف اختصارا باسم (الحرفين المزدوجين)». كما يقول إنه طالما أقر بعضويته في منظمة شباب هتلر، وإنه فشل في الانضمام إلى وحدات الغواصات، وهو في الخامسة عشرة، وإنه تم تجنيده في سلاح المدفعية، في سن السادسة عشرة، قبل أن يصاب، من دون أن يطلق طلقة واحدة. ولكنه كفرد من «جيل أطفال المدارس» المحمل بالجرائم، التي لم يعلم بها إلا عندما أصبح أسير حرب لدى الأميركيين، كتب يقول: «ما كنت أقبله بغرور الشباب الأحمق، صرت أريد إخفاءه بعد الحرب بإحساس لا يزول بالخزي». وكون الأمر استغرق 60 عاماً لكي يتعامل غراس مع مسألة مشاركته في فرقة «إس إس» في أعماله، يعكس صعوبة المهمة التي اضطلع بها. وكما يظهر من مجموعة أعمال غراس فإنه لا يمكن التصالح مع الماضي على الإطلاق، إذ إنه يلح على الذهن من وقت لآخر، بإحساس المسؤولية والذنب، من النوع الذي «يتجسد في الأحلام».
أقل خطورة
وحول نقطة إذا كان غراس سيتصرف بشكل مختلف، لو كان وجد ظروفا أخرى، يقول: «كنت سأكتب مذكراتي الشخصية في وقت أبكر من ذلك.. لقد صور الأمر وكأنني أدلي باعتراف مليء بالأكاذيب. أنا لم أتطوع بالانضمام إلى تلك الفرقة، ولكن تم تجنيدي إجبارياً مثل الألوف من أبناء جيلي. ولم أكن أعلم وقتها أنها وحدة إجرامية. كنت أعتقد بأنها وحدة متميزة فقط». ويعتبر غراس أن انضمامه لتلك القوة، أقل خطورة من الأفكار التي كان يعتنقها في شبابه، والتي قضى معظم حياته في التعامل معها والعمل على كتابتها في شكل روايات وأشعار ودراما ومقالات ومذكرات. ويقول بهذا الشأن: «لقد كبرت في جيل عاصر الاشتراكية الوطنية، وكانت عيونه مغماة وضُلل الطريق.. وسمح لنفسه بأن يضل الطريق». ويتابع: «بعد العام 1945 مباشرة، بينما كان الكثيرون يفكرون بأثر رجعي معتبرين أنفسهم أعضاء في المقاومة الألمانية، قلت: (لا. حتى النهاية). لقد آمنت بحمق بالنصر النهائي، لقد تحطمت عندما استسلم الألمان. ولم أخف ذلك أبدا. كل ما فعلته عبرت عنه بعد الحرب». ورغم الهجوم الذي سببته رواية «عملية غراس» وما جلبته عليه من تشكيك في أخلاقياته، فلم يدع غراس على الإطلاق أنه يمثل ضمير ألمانيا. ويقول في هذا الخصوص: «لا أحد يستطيع أن يدعي أنه يمثل ضمير بلد بأكمله. هذا حمق». وبعد اتهامه بالنفاق لمهاجمته سجلات الآخرين بشأن الحرب، يدافع غراس عن نفسه قائلا: «عندما انتقدت كورت جورج كيسنجر لأنه أراد أن يكون مستشارا، كنت أتحدث عن رجل .. كان له منصب قيادي، خلال العهد النازي، في وزارة الدعاية، ولم يكن عمره 17 عاما». ورغم أنه قضى حياته اشتراكيا ديمقراطيا، وإن لم يعد عضوا بالحزب، يضيف غراس: «أنا أنتقدهم لكنني لا أزال في صفهم». ويرى غراس أن الجدل كانت دوافعه سياسية. ويقول هنا: «كان من المفترض ألا أنبس ببنت شفة. لكن ذلك لم يكن يصلح لي. ولا زلت أتفوه بما أريد».
«متحف لوبيك»
إن هذه القضية الجدلية بالكامل يسلط عليها الضوء معرض يحتضنه منزل غراس المسمى «متحف لوبيك»، والذي يضم مطبوعات وأعمالا بالألوان المائية ومنحوتات من أعمال الأديب الذي حصل على جائزة نوبل في العام 1999. وقد تم تأسيس المتحف في العام 2002، قرب كاتدرائية قوطية مبنية بالطوب ذي اللون الأحمر يشبه بيوت «دانزنغ» وهي مسقط رأسه، والتي تسمى الآن «جدانسك»، وتتبع لبولندا. ويقع مقر عمل غراس الريفي بجوار منزله الذي يعيش فيه مع زوجته أوتي، العازفة الموسيقية.
ويستمر المعرض الذي أطلق عليه اسم «غراس وبولندا»، حتى نهاية يناير المقبل، حيث يضم صورة تم الكشف عنها أخيرا، تعود إلى فترة عودته الأولى في العام 1958، محتضنا عمته السلافية آنا، حيث تظهر امرأة في ملابس فضفاضة ألهمته فكرة «حقل البطاطس» في أشهر قصصه. وعندما طالب زعيم نقابة تضامن العمالية ورئيس بولندا السابق ليخ فاليسا، بنزع الانتماء الشرفي الممنوح لغراس من مدينة جدانسك البولندية في العام 2006، كتب غراس إلى عمدة المدينة، فتم رفض طلب فاليسا.
نقد وحشي
واجهت رواية غراس الأولى التي حققت أكبر المبيعات «الطبل الصفيح»، في العام 1959، انتقادات في بعض الدوائر بأنها إباحية مسيئة، وحظر تداولها في الدول الدكتاتورية من بحر البلطيق إلى أيبريا. وقد صدرت الترجمة الانجليزية لهذه الرواية أخيرا، في الذكرى الخمسين لصدورها. بينما تعرضت روايته «بعيدا في الميدان» في العام 1995، لنقد وحشي بسبب موقفها من الوحدة الألمانية. ويتحدث غراس عن معارضته توحيد ألمانيا في العام 1990، فيقول إن موقفه منها الآن لم يتغير لأنه كان من الخطأ إعادة توحيد شطري ألمانيا بالسرعة التي تمت بها العملية. وفي حين تغطي رواية «تقشير البصل» حياته الشخصية في مرحلة الشباب وحتى سن الـ23، حيث صدرت له رواية «الطبل الصفيح»، فإن رواية «الصندوق» -وكما يشرح بنفسه-: إنها تغطي الجانب العائلي، كيف نشأ أبنائي مع أبيهم الذي كانت رأسه دائما غائبة مع الخيال». ويعتبر غراس أن «الصندوق» علامة بارزة بين أعماله: «إنها لم ترصد علاقاتي الأسرية فقط، بل تعدت ذلك إلى التنبؤ بأشياء في المستقبل». إن كل رواية من روايات غراس التي تتناول حياته الشخصية لها موضوعها الخاص، ولكن في صورة روائية. وقد أنجب غراس الكثير من الأولاد من زيجاته وعلاقاته النسائية، كما أن له الآن 17 حفيدا. وهو يوضح أنه كان على الدوام محاطا بالأطفال، وهم لم يزعجوه في أي وقت من الأوقات، لكن النساء هن اللاتي قمن بهذا الدور. ولكنه يشير إلى أنه على مدى 30 عاما احترمت زوجته أوتي خصوصية عمله واحتياجه للوحدة والانعزال من أجل الكتابة، وهي ستتأثر كثيراً إن هو توقف عن الكتابة.
