عشقها للأدب والفن كان محرك اندفاعها لجرأة الانتصار لخياراتها الفكرية الإبداعية، فجعلها تهجر دراستها في الهندسة الكهربائية لتلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية- قسم النقد والأدب المسرحي في الكويت. إنها د. نرمين يوسف الحوطي، التي دأبت على الدراسة بجد والتزام توّجا عمق اهتمامها، بتفوقها الدراسي، إذ تابعت بعدها، مشوار اعتنائها الفكري والعلمي، فقدمت سلسلة نتاجات إبداعية ثرة وغنية.
ماذا عن خلفية دوافع خيارك للتخصص في مسرح وأدب الطفل؟
أنا مؤمنة تماماً بأن مسرح الطفل أرض خصبة، وهو لم يجد من يلقي الضوء عليه، رغم كونه ركيزة بناء فكري مجتمعي مهم. وهكذا فإنني أحببت تجسيد ذلك لاحقاً بأن أكون أول من يسلط الضوء عليه، من وذلك خلال أطروحتي «آثار الغزو على المسرح الطفل عام 2002»، والتي أعددتها خصيصا لنيل شهادة الماجستير.
توظيف التراث
كثير من الحكايات الشعبية لها سلبياتها ولا تتناسب مع أطفالنا. فما رأيك في صحة توظيف السير الشعبية في واقع مسرح الطفل؟
التراث الشعبي مليء بالقصص والروايات والحكايات، ولكن الحرفة الصحيحة تكمن في القدرة على توظيف ذلك التراث لخيال الطفل بشكل واع ودقيق، وبما يصلح لهذا الواقع، وينتزع كل ما يضر الطفل من مبادئ خاطئة وعادات من المفترض عدم غرسها في الطفل العربي. يجب أن نقدم للطفل هذا الموروث بشكل ذكي ومدروس لنجعله يطلع على تراث أمته العربية بشكل سليم.
كيف باستطاعة كاتب مسرح الطفل أن يقوي جذور الانتماء الوطني والقومي راهناً في ظل المتغيرات والانفتاح الكبير وغزو العولمة؟
لا ريب في أن المبدع يعاني من آثار العولمة كما يعاني المتلقي، ولكن هذه المعاناة في رأيي، لن تبرز إلا بطريقة واحدة، وهي تسهيل تذليل جميع القيود وتلافي النواقص في واقع مسرح الطفل العربي التي تواجه أي كاتب مسرحي للطفل، وذلك من قبل الدولة، ليقدر الكاتب حينها، على أن يقدم عملاً يتصدى للعولمة ويقوي جذور الانتماء.
وإذا ما تحدثنا عن النواقص والقيود سوف نقوم بعمل مجلد ولا تحقيق صحافي فقط، فالمسؤولون يعلمون ما هي النواقص وما هي قيود الكاتب المسرحي للطفل وللكبار أيضاً، وعلى سبيل المثال لا الحصر هل نمتلك مسرحاً للطفل في العالم العربي نستطيع أن نغزو به العالم الأول؟ وهل يمكن أن نقول إننا نمتلك خشبة متطورة تمتلك جميع التقنيات الخاصة بالطفل؟
تقييم شامل
ما تقييمك لواقع مسرح الطفل في الخليج؟
من الظلم أن ننظر إلى مسرح الطفل في دول مجلس التعاون الخليجي نظرة واحدة، أو أن يكون التقييم بنسبة واحدة، ولكن أوجز وأقول إن تلك الأعمال المسرحية هي محاولات بدائية وضعيفة جداً. فنحن نمتلك من الثروات الضخمة الكثير الكثير، ولكن لا نمتلك مسرحية واحدة نفتخر بها، مع العلم أن الثروات في الماضي كانت أقل من الآن، والمستوى التعليمي أيضا، إلا أننا ورغم ذلك كنا نمتلك بالفعل مسرحاً للطفل نفاخر به بين الدول العربية.
ماذا عن مضمون الرؤية الواقعية لدور وأهمية مسرح الطفل في العالم العربي في ظل تحديدات المنجز والطموح والآفاق المستقبلية؟ إن مسرح الطفل ؟ كما أكد الكثير من التربويين وعلماء النفس والدارسين والباحثين والمهتمين والمسرحيين ؟ يحوز أهمية كبيرة محورية في بناء شخصية الطفل والارتقاء بسلوكه والنهوض بفكره.
وهو علاج للأطفال المرضى بالتأتأة وضعف الشخصية والخوف وغير ذلك. وأنا هنا أعترف بأن المشهد الحاضر لا يكفي للاستفادة من هذا الفن في سبيل الوصول إلى جيل واعد نتلمس على يديه مستقبلاً مزهراً. فمسرح الطفل في الوطن العربي بصفة عامة، يعاني من مشكلات عديدة، غير أننا لا ننكر أن هناك جهوداً لترسيخ مسرح الطفل، تختلف قوتها ونسبتها من قطر عربي إلى آخر.
لكن هذه الجهود غير كافية، ولا تقدم النتائج المأمولة، لأنها لا تستند إلى التخطيط السديد والبرمجة الهادفة. وإذا بقي الحال على ما هو عليه دون التفات المسؤولين إليه والاهتمام به، سيؤدي إلى مستقبل مجهول لهذا الفن، وأنا هنا لا أقصد كثرة المهرجانات والاجتماعات والدورات والمؤتمرات المعنية بهذا المجال، بقدر الحاجة الفعلية إلى مزيد من الاهتمام، بحيث نضع الخطط لتطويره ودعمه.
وذلك انطلاقاً من تطوير المسرح المدرسي وتنفيذ ورش لفن كتابة الطفل ووجود دور عرض خاصة بالأطفال. وأيضا من الضروري تخصيص مسرح دولة خاص للطفل يشمل جميع مقتنيات وتقنيات العمل على مسرح الطفل، والقيام بتكوين فرقة تكون خاصة للطفل، ودعمها فنيا وماديا لتكون ممثلة الدولة، وهذا إضافة إلى تدريب الكتاب الجدد على الكتابة لمسرح الطفل والأخذ بيدهم لكي يشعروا بصدى إبداعهم، ومن ثم تدريب الممثلين وابتعاثهم لدورات ليأتوا بكل ما هو جديد لمسرح الطفل.
حالة حياد
يتضح جلياً في مضمون أطروحاتك الأكاديمية في مسرح الطفل، تعمدك التزام منهج الحياد العلمي بدقة. ما مرد هذا الحرص؟
الحياد واجب علمي ملزم للكاتب النقدي. غير أن كل ما أكتبه يعبر عن موقف واضح من الأحداث، ولكني أطرح نقدي الحيادي لكي أترك للقارئ أن يفكر ويقرأ كما أنا قرأت، ولكن في النهاية هو من يضع نقده بحيث لا ألزمه بأفكاري واستنتاجاتي. فاحترام الكتابة هو أن نكتب بحيادية ولا تقوم بإلزام القارئ بأفكارنا، وهذا كي لا ينفر من القراءة.
سقوط المرأة
ماذا عن تجربتك مع كتاب «سقوط المرأة في أدب نجيب محفوظ 2006/ 2007»، خاصة وأنك آخر من قابل الأديب الراحل؟
أعتبر هذا الكتاب قيمة إنجاز إبداعي نوعي ومميز. وكان حلمي دائماً مقابلة الأديب الراحل نجيب ومحفوظ، وقد تحقق. وأحمد الله على ذلك. فطالما تمنيت الالتقاء به منذ زمن بعيد، ومنذ الصغر أعشق القراءة له. ومقابلتي له أعطتني إيماناً وثقة بأنه لا يوجد شيء مستحيل، وبالتسلح بالمثابرة والتصميم يقدر المرء أن يصل إلى ما يريده من أمان. ويكفيني فخراً أن أكون آخر شخص قرأ له هذا الأديب العظيم، حيث بين لي مختلف الجوانب الفنية والأدبية الواجب اكتمالها في أطروحتي.
الترجمة
هل فكرت في ترجمة أعمالك؟ وما الصعوبات التي قد تعانين منها؟
ترى د. نرمين الحوطي، أن حرص المبدع على ترجمة كتاباته، لا بد أن يكون عملية مستمرة لا تعرف التراخي أبدا، كون الترجمة مهمة كثيرا في عصرنا الراهن، لان المنتج الإبداعي يجب أن يكون حائزا على الأفق الواسع في مختلف لغات الفكر. وتؤكد الحوطي أنها منذ زمن بعيد وهي تسعى إلى ترجمة أعمالها للغة الانجليزية، وعدة لغات أخرى، وقد نجحت الآن في الاتفاق المبدئي مع الجامعة الأميركية في الكويت، التي ستتولى ترجمة كتابها «سقوط المرأة في أدب نجيب محفوظ».
