تستمر الأديبة الجنوب إفريقية، نادين غورديمر، الحاصلة على جائزة نوبل للآداب حيث ستبلغ عامها الـ‬87 هذه السنة، تستمر في رفض كتابة سيرتها الذاتية، وهي تبدو الآن أكثر إصرارا ، حيث تقول :«حياتي الخاصة هي ملكي الخاص»، معتبرة أن حياتها شأن عمليّ بقدر ما هو أخلاقي، وتوصف ذلك: «الاكتناز الغيور للتجارب الخاصة لتحويلها إلى عمل أدبي». وهو فعليا ما يفسر ويستنتج عبر قراءة أعمالها الأخرى، والتي جمعت في وقت سابق هذا العام في مجلد واحد، وهي أعمال مباشرة إلى حد أنها لاذعة، وتدربت فيها على اصطياد الهفوات. ومن ذلك، وصفها الراهبات اللاتي علمنها في المدرسة، بأنهن صاحبات وجوه «كأرغفة الخبز».

 

بنت نادين غورديمر موهبتها المبكرة على المفاخرة. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يشغلها عن العمل هو، حسب ما ذكرت ذات مرة، «أن تكون في حالة حب»، حيث يطير كل شيء آخر عندئذ من النافذة. وتبتسم غورديمر بهدوء: «نعم كنت معتادة على إجراء المساومات. اعتدت أن أقول أنني لا أهتم إذا نشر ذلك الكتاب أو لم ينشر، إنه الرجل الذي أريده». وتعتبر غورديمر عملها حافلا بعمليات تجميع الأعمال الأدبية، ففي أعقاب جمع كتاباتها في أمور أخرى، تحصل مجلد كبير من القصص المجمعة، وكلاهما غطى فترة زمنية من أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، عندما بدأت الكتابة، وحتى الآن. إنه كم كبير من الأعمال، والتي تقول عنها:«كل هذه الأعمال التي قمت بها تبدو مثيرة للدهشة، رغم أنها ليست أعمالي الأساسية». لكنها تقول عن المقالات:«هذه الأعمال لا تبدو مثيرة للاهتمام، فهي هامشية، فالأعمال الأدبية هي ما يهم في الواقع». ولكن ماذا تعتقد غورديمر بشأن كتاباتها السياسية؟ تقول في هذا الصدد: «لقد أدت غرضا فقط كونها حدثت، فأنا لست كاتبة فحسب، إنما أنا إنسانة أيضا، ولديّ مسؤوليات. ولذلك لم أكن لأكتب كتابات غير أدبية لو لم تكن هناك بعض الأسباب، فحتى المقالة الأولى، التي كتبتها في العام ‬1951 في مجلة «نيويوركر»، كان سببها حاجتي الماسة للمال».

 

مسقط الرأس

زارت غورديمر بريطانيا قادمة من منزلها في جنوب إفريقيا صيف هذا العام (‬2010) لإلقاء محاضرة كان موضوعها الحاجة إلى تمويل أفضل للمكتبات ونقص الكتب الإلكترونية، وقد عبرت عن ذلك بأسلوبها الفظ، ووصفتها بأنها تقنية معقدة من دون داع. ولكن أكثر ما يشغل غورديمر هو موطنها جنوب إفريقيا، والطريق الذي قطعه حتى الآن، والذي لا يزال يتعين عليه أن يقطعه. فقد كتبت في المقالة الأولى عن نشأتها في الريف وسط مناطق البيض، في بلدة صغيرة قرب جوهانسبرغ التي تشتهر بمناجم التعدين. إذ كان أبوها الذي قدم مهاجرا من لاتفيا، يعمل في تصليح الساعات، مشيرة إلى أن أمها من جذور بريطانية. وتوضح غورديمر أنه بالنسبة لليبراليين البيض في جنوب إفريقيا، من جيلها، كانت هناك لحظتا ولادة، إحداهما حرفية، والثانية هي اللحظة التي أدركوا فيها أن شيئا في الثقافة المحيطة بهم مجاف للصواب.

وعندما كانت غورديمر صغيرة السن كانت ترغب بأن تصبح، إما ممثلة أو راقصة. وكانت تقلد الناس بلا رحمة وتتعجب، وعندما يضحك المتفرجون، تتساءل لماذا لا يخطر ببالهم أنهم سيكونون هدفها التالي. ثم تقول:« وتعيد غورديمر أسباب موهبة الكتابة، التي استلهمتها لاحقا، إلى حادثة وقعت في منزل العائلة، وكان عمرها ‬12 عاما، حيث تعرضت خادمتهم نيتي، التي أفنت عمرها في العمل لدى عائلتها، لتفتيش عشوائي من جانب الشرطة، وتقول بهذا الشأن: «لقد اخرجوا مرتبتها ومزقوها، كما أخرجوا كل ملابسها، وكل ما يتعلق بها وعرضوه في الفناء الخارجي. كانت العملية للتفتيش عن كحوليات ولم يكن مسموحا للسود في ذلك الوقت بشرائها. وقفنا أنا وأمي وأبي جميعا وشاهدنا ما حدث». وطبعا لم تجد الشرطة شيئا وغادرت. لكن موقف والديها، اللذين لم يستطيعا الاحتجاج على ذلك، هو ما صدمها. وتقول غورديمر هنا:

«لقد كنت كبيرة بما يكفي لكي أدرك، من خلال قراءاتي، أنه كان على رجال الشرطة الحصول على تصريح للتفتيش! لقد جاؤوا ودخلوا من البوابة، وفعلوا فعلتهم ولم يسألهما والداي ماذا يفعلون هنا؟ وقد بنيت إحدى أولى قصصي على هذا الموقف». وتبين غورديمر أن القراءة والكتابة هما الشيئان الوحيدان اللذان أنقذاها، وكان عليها أن تقرأ للأديب كافكا وليس لماركس، لافتة إلى أنها حصلت على أفضل هدية يمكن لوالدين أن يمنحاها لكاتبة صغيرة، وهي أنهما تركاها وشأنها. وتقول في هذا الصدد:«أصبحت الكتابة منذ تلك اللحظة، هي المشهد الغالب على نشاطاتي، وشغلي الشاغل».

 

تطور

أصبحت البطلة الأنثوية المفضلة لدى غورديمر من كتب الأدب هي «دوروثي»، تلك اللبوءة المتزمتة في قصة «ميدل مارش». وصار شعارها المفضل من قصة «كاموس» هو «تحلي الإنسان بالشجاعة في حياته، والموهبة في عمله». وفي العام ‬1963، كتبت تقول:» إن مشكلات بلدي ليست هي التي دفعتني للكتابة، وعلى النقيض من ذلك فقد كان تعلم الكتابة هو ما دفعني إلى الإبحار في أسلوب الحياة بجنوب إفريقيا». لقد وضعها ذلك على طرفي نقيض مع عائلتها، فبدأت تحاول الابتعاد عنها قدر الإمكان، أولا بذهابها إلى الجامعة في جوهانسبرغ، ثم بزواجها المبكر، في العام ‬1949، من جيرالد جافرون، الذي كان يعمل طبيب أسنان. وبالنظر إلى الوراء تقول إنها ترى الآن أشياء افتقدتها كثيرا، وسط رغبتها بالخروج سريعا. وتحكي عن ذلك :«على نحو ما كان التركيز كله على أمي، كانت هي الشخصية الرئيسية، أشعر بالأسف الآن لأنني لم أسأل أبي عن جذوره في لاتفيا حيث ولد. لقد كان من الناس الأشد فقرا، ونشأ في ظل قياصرة طغاة، عندما كان أفراد شعبه لا يستطيعون الذهاب حتى إلى المدرسة الثانوية، ولكن بطريقة ما لم يصبح ماضيه أبدا جزءا من أحاديثنا». وقد دام زواجها الأول سنوات قليلة، ووجدت نفسها في أواسط العشرين من عمرها مطلقة وتربي طفلة بمفردها. ولم يكن ذلك يشعرها بعدم الاستقرار في ذلك الوقت، لكنها تقول ضاحكة: «لا أستطيع أن أصدق ما حدث عندما أتذكر أنه كان لدي تلك الطفلة الصغيرة. ولم أكن أمتلك سيارة، ولا تأمين صحي. كان لدي بعض المال من والد مطلقي، الذي كان يكافح هو الآخر لتوفير الطعام لها. لم يقلقني ذلك لحظة واحدة، كل أصدقائي تواجدوا في القارب نفسه». وتضيف: «ولكننا جميعا قضينا أوقاتا طيبة معا».

 

دعاية سياسية

أثناء كتابة روايتها الأولى «الأيام الكاذبة»، بدأت غورديمر في كتابة القصص القصيرة أيضا، وفي العام ‬1951، وافقت صحيفة «نيويوركر» على نشر إحداها. وببطء شديد بدأت تكتب أعمالا أكثر طولا وتعقيدا. وتقول:سمع أنني لم أشعر يوما بأنني أتحسن في الكتابة، ولم أقل لنفسي أنني صرت أقوى. فقد واصلت إتباع أسلوبي نفسه في الكتابة كما لو أنني كنت أهبط ممرا جبليا. لقد حدث ذلك بشكل طبيعي، بالطريقة نفسها التي ينتقل بها المرء من مرحلة الطفولة دون أن يشعر بذلك». ومن بين كل المفاهيم الخاطئة عن أعمالها، وما يؤثر فيها حقا، هو أنها عندما كانت تكتب في ظل الحكم العنصري البائد في جنوب إفريقيا، كانت تشعر بالاضطرار إلى استخدام أدبها من أجل الدعاية السياسية. وتغضبها كثيرا أسئلة من نوع: لماذا لم تضف على أبطال قصصها السود شيئا أكثر من صفات الفضيلة؟ وتقول هنا :«عملية الكتابة الأدبية مسألة تنبع من اللاوعي بكل تأكيد. وهي تأتي من ما تتعلمه، وكما تعيش، من الداخل. وبالنسبة لي فالكتابة كلها تعتبر عملية استكتشاف، ونحن نبحث عن المعنى الحقيقي للحياة، لا يهم أين تكون موجودا، فهناك مواقف وأمور درامية في كل مكان. إنها عملية إدراك معنى أن تكون إنسانا، وكيف تستجيب للناس، وكيف يستجيب لك الآخرون. وكل هذه الضغوط الداخلية والخارجية. وإذا كنت تكتب ولديك هدف محدد فأنت إذن تكتب أمورا دعائية، ويعتبر هذا عملا قاتلا للكاتب الأدبي».

وعن ما إذا كان الكاتب يواجه أخطارا أكبر في ظل النظم القمعية، تنفي الكاتبة ذلك، وتقول: « عندئذ سأكتب كتابة غير أدبية. سأقسم عملي، وإن كنت أعتقد أن الأدب هو الشيء الجيد الوحيد في عالم الكتابة. وعندما أكتب شيئا وفي ذهني هدف محدد، عندئذ أكتبه بطريقة غير أدبية».