يوم بعد آخر، ترتقي المغنية السورية الشابة لينا شماميان، درجات سلم الشهرة، لتتسع وتزداد مع تلك الحركة شريحة نخبة مستمعيها. ولكن هذا الارتقاء يبقى دوماً محتكماً إلى بنية مضمون وخط ركيزي يوجه خصوصية معظم ما تقدمه من أغنيات، وعماده ــــ كما تقول في الحوار: «الموسيقى الشرقية التي تتضمن موشحات معاصرة وقديمة. مضافاً إليها طريقة غنائي، واعتمادي على الآلات الموسيقية نفسها في أغلب الحالات...».
توضح شماميان أن طبيعة الجانب المتجدد والمتنوع في أغنياتها، تتمثل في «الطرح الموسيقي». وتضيف: «إنه ما يجعلني أبحث بشكل مستمر لأحاول أن أفهم ماذا أريد؟ وإلى أين أتجه؟ وهل تطورت بالفعل؟ ومن خلال هذه الخطوة فإنني أتواصل مع ذاتي أكثر».
لا شك أن خيار المغنية شماميان الموسيقي يبدو مغامرة في زمن اختلطت فيه الأصوات والمعاني، حتى يقال مع واقع تلك الحالة، إننا أصبنا في خضم التلوث البصري، وهو الأمر الذي تدركه المغنية الشابة، حيث تقول في هذا الخصوص: «إنه ليس مغامرة وحسب، وإنما نوع من التحدي لذاتي وللموسيقيين الذين يعملون معي، لأن القالب الذي نعمل ضمنه هو طرح فكرة جديدة في موسيقى قديمة، ومن خلال سفري الكثير إلى الخارج استطعت أن أفهم هذا القالب بشكل جيد، وأن أترجمه في كل أنحاء العالم».
«شامات»
إن أغاني التراث واحدة من المميزات اللافتة في تجربة شماميان الغنائية، ولكن البعض يرى أن في اختيارها لأغاني التراث محاولة للاتكاء إلى شهرة تلك الأغاني. وهو الرأي الذي لا تتفق معه صاحبة ألبوم «شامات»: «إن الاعتماد على أغاني التراث من أجل سهولة نشرها تكون فقط في الأغاني المشهورة. لكن ما قدمته في ألبوم «شامات» كانت معه الأغاني التراثية غير المعروفة، أكثر بكثير من الأغاني التراثية المعروفة، وفي ألبوم «رسائل» (قيد الإصدار)، ستكون أغلب الأغاني التراثية غير معروفة، بالإضافة إلى الكثير من الأغاني الجديدة البعيدة عن التراث...».
نمط
وتشرح الفنانة الشابة خطط عملها، مركزة على توضيح في ما إذا كانت ستصدر يوماً ما، ألبوماً غنائياً يخلو من الأغاني التراثية: «من الممكن يوماً ما ألا يكون هناك أي أغنية تراثية أو العكس في ألبوماتي، ولكن ما حصل هو أن ما قدمته من أغان تراثية، موسيقى عرفتها وخبرتها فعالجتها بطريقة معينة. وجميع أشكالها تحمل نمطاً موسيقياً ينطبق على ما أقوم به خلال أغنياتي، وما درسته من موسيقى كلاسيكية، والتي هي الموسيقى التراثية للحضارة الأوروبية الغربية، وبشكل عام فإن كل الموسيقى أصلها من التراث، فمنها ما يعتمد على القواعد التراثية القديمة ويؤلف بشكل جديد، ومنها ما هو قديم يطرح بشكل جديد».
وتحكي شماميان عن المزج بين الشرقي والغربي الذي تستخدمه في أسلوبها الغنائي: «هذا المزج يعيشه كل إنسان في حياته اليومية، وأنا بالتأكيد اعتمد على هذا المزج، سواء بالآلات أو بطريقة الطرح أو القطع الموسيقية التي أقدمها، لأنه مرآة للحياة التي أعيشها، وخاصة أنني كثيرة السفر، وأنا لا أستطيع أن أكون في قالب واحد، فالإنسان بطبيعته يستقبل ويرسل من الذين حوله ليكون هذا المزج في النهاية».
وعن الموسيقى الأرمينية التي تعتمدها كأحد خطوطها الموسيقية، تقول: «هي موسيقى أحبها جداً وتربيت عليها، وهي أول موسيقى شرقية سمعتها وكان فيها رتم معالجة هارمونية. واستمتع جداً عندما أغنيها. كما لها تأثير خاص علي بشكل شخصي، ذلك لأني أجد أن الإحساس بها كبير، والمعاني فيها عميقة، وأرى - حسب ما يصلني من تواصل الجمهور معي ؟ أنهم حتى لو لم يكونوا أرمناً، إلا أن الأغاني الأرمينية تعجبهم ويسمعونها، ومنهم من يحفظها دون معرفة معاني كلماتها».
تطور الذائقة الفنية
تبدو المغنية الشابة، اليوم، مطمئنة أكثر بفضل الصدى الذي تلاقيه موسيقاها وأغانيها. وهي تتحدث عن جمهورها السوري: «أصبح محبيي في سوريا، يملكون ميزة تطور مستوى ذائقتهم الفنية، فأذنهم الموسيقية باتت تستقبل شيئاً جديداً، وذلك كنتيجة لواقع تعودهم مع ما أقدمه لهم، على تلقي الموسيقى بمستوى أكثر من مقدار الغناء، وهناك الكثير من التجارب المعاصرة في الموسيقى راهناً، بتنا نرى معها أن الجمهور يأتي ويحضر ويعجب بالتجارب الجديدة ويحاول الاكتشاف...».
«رسائل»
تطلق شماميان، في مطلع العام المقبل، ألبومها الجديد «رسائل»، وذلك بعد مرور نحو ثلاث سنوات على ألبومها الأخير «شامات»، وتعلل المغنية الشابة سبب انتظارها كل هذا الوقت لتصدر الألبوم الجديد: «ألبوم «رسائل» يحتاج إلى فترة طويلة من التحضير، حيث فضلت أن أحضر له أكثر وبشكل دقيق، لأنه يحمل أنواعاً مختلفة من الأغاني. كما أن إطلاقه سيكون على شكل مجموعة حفلات في عدة عواصم عربية، وعلى الأغلب ستكون البداية من دمشق، وسيكون هناك كليب مصور لأحد أغاني الألبوم قبل إطلاقه، وهو على الأرجح لأغنية (رسائل). ولكن حتى الآن لا يوجد معطيات ثابتة، وبالتأكيد سيكون تصوير الكليب قريباً قبل صدور الألبوم، وما أعرفه هو أن التصوير سيشبه الموسيقى إلى حد كبير، أي الصورة ستكون ترجمة للموسيقى، وأعتقد أن الكليب سيحمل قدراً كبيراً من الجنون. ولا بد أن ألفت إلى أنني سأعيد إطلاق ألبومي (هالأسمر اللون) و (شامات) في بيروت».
وحول ما سيتضمنه ألبومها الجديد، قالت شماميان: «النسبة الغالبة من الأغاني الموجودة في الألبوم تحمل إيقاعاً سريعاً، ويوجد أنواع موسيقية مختلفة لم تكن موجودة في ألبوماتي السابقة، منها الدبكة، ومنها ما هو من أغاني منطقة الجزيرة في سوريا، ويكمن الاختلاف أيضاً في نوعية الآلات المستخدمة، بالإضافة إلى احتواء الألبوم على أغان جديدة وأخرى تراثية. ولكن الأغاني التراثية تلك ليست معروفة بشكل كبير».
تحول
كان عام 2010 بالنسبة للمغنية شماميان، عاماً حافلاً، وعن ذلك تقول: «تحددت خطوط التحول في ذلك العام باتجاهي للالتقاء بموسيقيين جدد، حتى لا تبقى الموسيقى التي أقدمها محصورة بيني وبين فرقتي، وعلى أرض الواقع التقيت الموسيقيين: ناريغ عباجيان وتوفيق ميرخان (عازفا بيانو وقانون)، وما سنقدمه معاً هو موسيقى ممزوجة بين الموشحات والمؤلفات، والقطع من أنواع موسيقية مختلفة معالجة بطريقة شرقية، وأكثر ما يميز هذا المزيج هو الارتجال، ليس فقط في طريقة الطرح الموسيقي، وإنما في القالب الموسيقي أيضاً، حيث ستقوم 3 آلات فقط بمسؤوليات ومهام فرقة موسيقية كاملة. كما سأغني بطريقة مختلفة لنصل إلى تبادل موسيقي معين وجديد».
كاتبة ومؤلفة موسيقية
مؤكد أن تجارب الالتقاء بموسيقيين جدد لن تكون التجربة الوحيدة ضمن تجربة شماميان الغنائية عموماً، فقد سبق وخاضت تجربة الكتابة الموسيقية والشعرية، وهي تقول في هذا الشأن: «في ألبوم (شامات) كتبت كلمات أغنية (شآم)، وفي الألبوم الأخير كتبت كلمات أغنية (رسائل)، وأما موسيقياً فشاركت في أغنية (خيط القصب) في كتابة الموسيقى الخاصة بالأغنية. وقد نفعتني كثيراً دراستي للتأليف الموسيقي في المعهد العالي للموسيقى بطريقته الكلاسيكية».
وقد شاركت شماميان، إضافة إلى هذه التجربة، كمغنية في عدد من المسلسلات والأفلام السينمائية، منها: «نزار قباني» «وشاء الهوى». إلا أنها لم تكرر التجربة بعد ذلك. وحول هذا تقول: «طرح علي عدد من أغاني المسلسلات، ولكن لم يتم الاتفاق لأنني أرى أن أعيد هذه التجربة عبر دخولها بطريقة مختلفة، ويوجد في الأفق ما هو قريب من أغاني المسلسلات، ولكن في الخارج، وأيضاً بموسيقى تشبه الموسيقى التي أغنيها عادة».
وبخصوص تجربتها في الإنتاج الخاص لألبوماتها: «مبدئياً هذا هو الشيء الذي أقوم به بشكل مصغر. ولكن من الممكن أن أتجه إلى أي نوع من أنواع الإنتاج إذا حقق لي ما أؤمن به من دون التنازلات الموسيقية والفكرية وغيرها، فالمهم أن تبقى الموسيقى التي أنتجها هي موسيقاي، مهما كان شكل الإنتاج، ولكن بالطبع بعيداً عن الإنتاج التجاري».
غياب الأغاني التراثية
ترى لينا شماميان أنه بشأن الأغنيات التراثية «المشكلة ليست في الإنتاج فقط وإنما هي دائرة كاملة، فالموسيقى العربية مؤخراً هي موسيقى تقتصر فقط على موسيقى البوب العربي، أما في الغرب فيوجد بوب غربي وموسيقى تراثية وموسيقى معاصرة، أي جميع أنواع الموسيقى. ولكل منها حلقتها الكاملة من شركات إنتاج ووكالات فنانين وقنوات مخصصة ومسارح ومهرجانات وصحافة، وهذا سواء بالنسبة للجمهور أو الفنانين، فللجميع القدرة على المتابعة بشكل أفضل وأسهل مع النوع الموسيقي الذي يفضلونه». وتضيف: «للأسف هذا غير موجود لدينا، فنحن نمتلك فقط نوعين موسيقيين، وهما الموسيقى العربية التقليدية وموسيقى البوب، بالإضافة إلى الموسيقى الكلاسيكية الغربية الموجودة في أغلب الدول العربية، ولكن ليس لدينا مكان للموسيقى الشرقية المعاصرة التي بدأ يتجه إليها جميع الموسيقيين الحاليين، وهذا التوجه طبيعي لأنه في عام 2010 لا يمكن الاعتماد على موسيقى القرون الوسطى ـــ على الرغم من أن هناك بعض الموسيقيين الذين تخصصوا بهذا النوع من الموسيقى ويقدمونه بطريقة مميزة لأنهم يسعون للحفاظ عليه - وفي الوقت نفسه فإن الموسيقى المعاصرة مهمة جداً، سواء كانت تأليفاً جديداً أو معالجة أغاني موجودة بطريقة جديدة، ولكن المشكلة أن هناك حلقات مفرغة، وأولها غياب الإعلان المتخصص، ثم سوء تنظيم الإنتاج، حيث لا تسويق لمثل هذه الأنواع من الموسيقى، ولا أماكن لنشرها».
