الرواية الإماراتية تبحث عن صداها
هل يمكن أن تنتج الثقافة الشفهية أعمالاً روائية؟ إنه سؤال يحتاج إلى رؤى جدية في البحث التحليلي الدقيق، حيث يشير التاريخ الأدبي إلى أن القرن التاسع عشر أنتج فن الرواية، الذي هو بالأساس فن البرجوازية بامتياز، وذلك عكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكبرى في المجتمعات التي ظهرت فيها. وبما أن هذه التحولات تأخرت ولا تزال في طور النمو والتكوين، تأخر ظهور الرواية العربية لأن الثقافة التقليدية العربية، ومنها الإماراتية، بما فيها الأساطير والشعر والدين، ظلت هي المهيمنة في المجتمع العربي الذي أخذ يجد صعوبات كثيرة في استيعاب هذا الفن الجديد القادم من الغرب.
تأخذ أبعاد هذه المسألة بالنسبة للرواية الإماراتية، والخليجية عامة، مستويات تنوع وتوسع متنوعة، ترتبط بجملة ظروف، منها: تركيبة المجتمع التقليدي، وتأخر حدوث التحولات الكبرى فيه، إضافة إلى أن الروائيين الإماراتيين لم يواصلوا كتابة الرواية، ما أدى إلى عدم حدوث التراكم الكمي الضروري لإبراز النوعي. ففي غضون ثلاثة عقود لم ينتج الكتّاب الإماراتيون أكثر من 60 رواية. ولو قارناها بالإبداعات الأخرى، مثل القصيدة والقصة القصيرة، لأمكننا الاستنتاج أن الرواية الإماراتية لم تساير خط التطور المطلوب، لا من حيث الكم ولا الكيف.
ويعود السبب الثاني في تأخر الرواية عن الأجناس الأخرى، إلى عدم توفر تراث روائي محلي ينطلق منه الروائيون الجدد. ولكن السبب الثالث والأهم هو شرط ارتباط تطور الرواية بالتحولات الكبرى التي يشهدها المجتمع. وحتى لو حصلت هذه التحولات، فهي جاءت مباغتة للبنية الثقافية الموروثة، لأنها حاولت استبدال نمط ثقافي بنمط جديد، وبسرعة خارقة، ما أدى إلى ما يشبه الصدمة الكهربائية، التي نعتها البعض بـ«الحداثة». ولكن إلى أية درجة، ساهمت الحداثة في تبني نمط الرواية في المجتمع الإماراتي؟ هذا ما يجيب عنه مجموعة من الروائيين والنقاد في هذا التحقيق.
تفسير
يسعى محمد عبيد غباش، وهو أحد أوائل رواد كتّاب الرواية بالإمارات، إلى تفسير ظاهرة تأخر الرواية فيها : «العرب هم أول من قدّم الرواية في العالم عبر ألف ليلة وليلة، لكن الرواية العربية في حقيقتها لم تنطلق إلا في القرن العشرين، ولم تلق نضجها إلا في الربع الأخير من القرن على يد نجيب محفوظ وبعض روائيي شمال افريقيا العرب، الذين جاءت أهم إسهاماتهم في غير اللغة العربية. وأما نحن في الخليج فقد انضممنا لزملائنا العرب فقط قبل 30 سنة. وكان للثقافة الشفاهية في الإمارات، التي ظلت سائدة حتى الستينيات، الدور الأكبر في كبح جماح الفنون الكتابية الطويلة التي يصعب حفظها عن ظهر قلب كالرواية، وفي جعل فن الشعر يأخذ نصيب الأسد من الاهتمام».
صدمة حضارية
وبدوره، يقول الروائي علي أبو الريش، الأكثر إنتاجا وتواصلاً مع كتابة الرواية: «لا شك أن أسباباً اجتماعية أثرت على كتّاب الرواية في الإمارات. فطوال مدة ثلاثة عقود مضت أصاب كتابنا ما يشبه الصدمة الحضارية. ومن المعروف أن كتّاب القصة يختلفون عن كتّاب الرواية الذين يحتاجون إلى زمن أطول في إنضاج تجاربهم الروائية، كما أن الرواية بحاجة إلى معطيات وظروف تسارع الخطى نحو المجهول. فالكتابة تتطلب الانطواء والعزلة بعيداً عن الحراك والضجيج، وإن كان هذا ضروريا للمادة الكتابية. فالتأثيرات الخارجية موجودة، ولكن إلى أي مدى تؤثر على هذا الكاتب أو ذاك؟ وبالنسبة لي لا أجد شيئاً آخر غير الكتابة الروائية على الرغم من الاحباطات الكثيرة. وفي حياتي ككاتب روائي، ثمة انضباط محكم، فأنا لا أخالط الآخرين، ونشاطي الاجتماعي يقتصر على الحركة من الوظيفة إلى البيت. وأرى أنه يجب أن يكون عند الكاتب نوعاً من المرض النفسي والانطوائية والاكتئاب لكي يستمر في الكتابة والإبداع، وكل ذلك بالمعنى الايجابي الذي يوفر للكاتب التفرغ لآليات عمله الروائي الذي يتطلب وقتاً طويلاً يأخذه منه الآخرون قسراً. وعندما يتخلص كاتب الرواية من الخارج، يكرّس نفسه للداخل. ونحن كتّاب الحاضر، وهكذا وقفنا نحن بين جيلين، وبين تراكمات اجتماعية وثقافية، وهنا يجب أن نستفيد من هذا المخزون».
وقفة وقياس
تعد سارة الجروان، من الروائيات الإماراتيات الغزيرات الإنتاج، فقد كتبت سلسلة من الروايات، مثل: «الحبال»، «هو المانغو غير الناضج»، «شجرة بنت القدر الحزين»، «رسائل إلى السلطان»، «طروش إلى مولاي السلطان»، «البرقع» (قيد الصدور). وهي ترى أن الرواية تحتاج إلى كثافة في السنوات، في الكتابة، في الاسترسال، في التاريخ. وتضيف: لا بد من أن نقدم جردة لطبيعة ومضمون المنتج الروائي، على مدى ثلاثين عاماً، يعكس مدى تطور الرواية الإماراتية، فكم من الروايات تصلح لأن نطلق عليها هذا المسمى؟ ولا شك أن الرواية عموما تؤرخ للبلد وللمدينة وللتحولات الملحمية، وهذه قاعدة محورية. وهناك روايات تعالج الموضوعات العاطفية بين رجل وامرأة في مدينة ما، ولكن من يتذكرها بعد مرور سنوات؟ هل هي ستتركز في الأذهان؟ وهل تخلد مع الزمن، شأنها شأن رواية «مدن الملح» أو«ثلاثية نجيب محفوظ»، على سبيل المثال؟ الرواية.. حياة بل حيوات قابلة للخلود. أما القصة فهي تؤرخ للحظة معينة، ليس فيها كثافة بل اختزال، والسؤال الذي نطرحه على القصة القصيرة هو ذاته الذي نطرحه على الرواية، وهو: هل جميع القصص القصيرة استوفت شروط كتابة القصة؟ ولو لجأنا إلى المقارنات، يمكن القول إن الرواية السعودية مزدهرة، وربما تعبّر عن مشاعر الكبت والاحتقان الاجتماعي من خلال أقلام غاضبة وساخطة، وهي تطلب الشهرة أكثر من أنها تعانق الإبداع ، والرواية لا تُقاس بالكم بل بالنوع.
حاجة
وفي هذا السياق، يقول القاص والروائي ناصر الظاهري: «إن العمر الزمني في حياة الرواية الإماراتية قصير، لذلك عمر الوعي والمعرفة قصيران أيضاً، وهذه هي الحال في مجتمعنا، ونحن بحاجة إلى العمر الزمني من أجل بناء الأساس الأول للعمل الروائي. وأما السبب الثاني في تأخر الرواية الإماراتية، فيعود إلى عدم وجود كتّاب محترفين أي بمعنى الكتّاب الذين يعيشون تفاصيل رواياتهم يومياً. وأغلبهم كتّاب قصة دخلوا بعمل أو بآخر في عالم الرواية. وهناك معوقات أمام الروائي الإماراتي، مثل انشغاله بتأمين مصدر رزقه، وهذا ما لا يخلق سلسلة روايات أو كتّاب رواية. نحن لا نسعى إلى استسهال كتابة العمل الروائي. فيوجد اليوم كم هائل من كتّاب الرواية من السعودية، ووصل إنتاجهم إلى نحو 500 رواية، بينما لا تجد في هذا الكم ربما سوى خمس روايات جيدة. إن طبيعة مجتمعهم تدفعهم إلى كتابة هذا الكم الهائل. واغلب هؤلاء هم كتّاب شباب تنقصهم التجربة العمرية. ولا يزال كتّاب القصة في بداياتهم يكتبون عن البحر من خلال أحاديث وخبرات أهلهم. نحن نعيش الآن مجتمعاً استهلاكياً كبيراً، وهذا المجتمع يفرض علينا آليات تفكير معينة، وكل ذلك يؤثر على كتّاب الرواية».ومن جهتها، تحكي الروائية أسماء الزرعوني، عن تجربتها، موضحة رأيها في القضية المطروحة: «منذ بداياتي، استولى عليّ هاجس كتابة الرواية. وأغلب الكتّاب اتخذوا من الكتابة القصصية والروائية كهواية. ولكن كتابة الرواية تتطلب نفساً احترافياً طويلاً.
وهناك عقبات كثيرة تعترض الروائي، أهمها عائق الوظيفة. وبالتالي، فإن عالم الرواية هو عالم الأحداث، وتطورها، ولا يمكن لهذا العمل الروائي أن ينتعش في بيئة يطغى عليها الشعر، وهذا ليس بالقانون طبعاً، بل مجرد رأي. والرواية يجب أن تنطلق من الانفجار المعرفي. وقد شهدت دولة الإمارات أحداثاً كبيرة يجب أن يكون للرواية دور في توثيقها حسياً وشعورياً ونفسياً، وهذا لا يمكن أن تقوم به سوى الرواية القادرة على سبر أغوار النفس البشرية».
عناصر واشتراطات
كتبت الروائية والقاصة، باسمة يونس، روايتين، هما: «ملائكة وشياطين» و«لعله أنت». وهي تقول في خصوص موضوع التحقيق: «إن الرواية الإماراتية لم تتوقف لأنها ببساطة بدأت حديثاً. أما أسباب تأخرها عن القصة القصيرة أو القصيدة، فيعود إلى أن موضوع الرواية يتطلب موضوعاً قوياً، ويكون له علاقة بالتاريخ والواقع والتحولات الكبرى. أما تفاصيل هذه التحولات في بلدان الخليج فتتميز بالبساطة، ولا يوجد فيها سرد طويل. والرواية كما هو معروف، فن التحولات الكبرى في التاريخ. فغزو الكويت على سبيل المثال، أنتج روايات متقنة، وفي السعودية أصبحت المرأة الكاتبة هي النجمة، على الرغم من أن هناك أموراً لم يتم الحديث عنها بعد في الرواية. ونحن في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، قمنا بنشر روايات لكتّاب شباب جدد، مثل الكاتبة مريم الزعابي التي كتبت رواية (بالخط الأحمر) التي تدور أحداثها حول العراق. وهذه تجربة جديدة، وأرى أنه يجب أن يخوض الكتّاب الإماراتيون الكتابة عن بلدان الجوار. ولا بد للرواية إذاً من الاقتباس من الواقع، ولا تتأتى الأحداث من فراغ. وهنا يجدر شّد انتباه القارئ من حيث اللغة والشخصيات. والرواية تحتاج إلى تنوّع الشخصيات. وقد قرأت مؤخراً رواية (ترمي بشرر)، ووجدت فيها متعة كبيرة، عبر سرد بسيط، لكن موضوعها مثير للجدل حيث يمارس الرجال سياديتهم للنيل من كرامة الرجال، وهو موضوع جديد في الرواية العربية.
الرواية الإماراتية في مرايا النقاد
يقول الناقد والكاتب السوداني الدكتور يوسف عيدابي، الذي رافق ظهور الرواية الإماراتية منذ السبعينات: «تمت عملية استبدال الفنون الأخرى مثل المسرح والقصة والقصيدة، بالرواية في الإمارات. وكانت أغلب المخيلات السردية شفهية تمشي إلى الخيال في تركيبة المجتمع البسيطة والحياة الصحراوية، ثم جاءت المدينة الحديثة بعد اكتشاف النفط، فتغير المجتمع فجأة، وانخرط في حياة أخرى. وولدت أرضية جديدة للمجتمع ولكن ذلك يتطلب فترة طويلة لاستيعابها ومن ثم تمثيلها وإعادة إنتاجها بأشكال إبداعية جديدة. وأتذكر عندما اطلع الكتّاب الإماراتيون على أدباء أمثال ماركيز في معارض الكتب من خلال الترجمات، فإنهم فوجئوا بالواقعية السحرية بل وتأثروا بها في كتاباتهم. وقد تأثروا بالكتابات الحديثة، مثل سلمى مطر سيف وأمينة أبو شهاب ومحمد المر وعبد الحميد أحمد، وكل هذا الجيل الأول في القصة، حيث سار جزء منهم إلى الرواية، وبدؤوا يكتبون رواية مدينية حديثة، ويدخلون في عراك مع المجتمع، ومنهم من تأثر بالبيئة المحلية. وجزء آخر راح يبدع خارجها».
ولدت مع ولادة الدولة
عندما وضعت الدولة الإماراتية أسسها، بدأ تشكل الإطار الجديد للمجتمع القبلي، من خلال تركيز قواعد المجتمع المديني، فتغّيرت العلاقات، ونتجت الحاجة لفن أوسع لتجسيد هذه التحولات. وفي هذا الشأن، يقول الناقد عبد الفتاح صبري : « إن الرواية الإماراتية شأنها شأن الفنون الحديثة، بدأت تتشكل مع تأسيس الدولة، وقبل ذلك لم يكن لها وجود، ولم يكن هناك مراحل تعليمية عالية، فلم يكن هناك من يشتغل أو يقرأ إلا بنسب ضئيلة، وهذا لا يمنع من ظهور شعراء صنعوا نوعاً من الحراك في الأربعينات بعد تشكل الدولة وذهاب الناس إلى التعليم، ومن ثم ظهور جيل جديد، فبدأ التعاطي مع الأدب. إن الرواية بطبيعتها تعمل ببطء، وتتأمل تحولات المجتمع، وبالتالي تحتاج إلى وقت طويل، تنضج كشخص وكظاهرة. وهذا يعني أنه قد يكون هناك من يكون قد اشتغل على الرواية وأنتج. ولكن لم يتعد إنتاج الرواية على مدى عقدين 25 رواية تقريباً. إذاً الرواية تختلف عن الشعر، والقصة تأتي بعد الشعر بالترتيب. والقصة تمكنت من تجسيد تحولات المجتمع، أما بالنسبة للرواية، فبعد ظهور رواية(شاهندة) انتظرنا أكثر من عقد من الزمان حتى بدأت تظهر روايات أخرى. وإلى حد الآن لم يتم إنتاج سوى 60 رواية إماراتية خلال 30 عاماً».
التحولات
يؤكد الدكتور صالح هويدي على علاقة نشأة الرواية بالمدينة: «لا شك أن الرواية بوصفها فناً أدبياً، تختلف عن القصة القصيرة والقصيدة. وكما هو معلوم، فالرواية في العادة أكثر التصاقاً بالمدينة وتعقيداتها، وأيضا باللحظة الحضارية، ذلك لأن عالم الرواية يتضمن الامتداد والسعة والشمول، على عكس القصة القصيرة أو القصيدة التي تسجل اللحظة الآنية. ولذلك لا تعيش وتنتعش الرواية بكل تقنياتها وتركيباتها الكتابية، إلا في المجتمعات ذات العلاقات المدينية، المركبة والمعقدة، وليس القبلية الغارقة في العلاقات البسيطة والموسوسة. كما تحتاج الرواية أيضاً إلى تحولات حقيقية في المجتمع، تقلبه على عقب. وكان ذلك سبباً في ولادة هذا الفن في القرن التاسع عشر. أما التحولات البطيئة الحاصلة في المجتمعات التقليدية، فهي لا تشجع على كتابة الرواية. ولا تزال مجتمعاتنا تنتظر التحولات الكبرى التي حدثت في بعض مجتمعاتنا العربية لا كلها. ولهذا تجد أن القصة القصيرة والقصيدة، الأكثر انتشاراً لأنهما تسجلان اللحظة. وعلى الرغم من كل ذلك، فقد استطاع الكتّاب العرب أن ينتجوا عدداً من الروايات التي يفخر بها القارئ العربي. وكلما أقبلت مجتمعاتنا على تحولات اجتماعية، أنتجت الروايات. وأكبر دليل على ذلك إن ما حدث في العراق من مآزق وويلات، دفع نخبة من المثقفين للخروج إلى الشتات، واللجوء إلى كتابة الرواية، بغرض التواصل مع الحياة ومعطياتها الجديدة.
فن الصبر والتأمل
يرى الكاتب والناقد أسلام أبو شكير أن الصبر والتأمل هما مفتاح إنتاج العمل الروائي: إن من الأفكار التي تراودني حول الرواية أنها ابنة المدينة، ولم تلد الرواية إلا بولادة المدينة، لذلك لم تظهر الرواية قبل نشوء المدينة، لأن التقاليد القبلية والعشائرية كانت تحوز السطوة في المجتمع الإماراتي في الماضي. وهي سمات تشترك فيها غالبية المجتمعات العربية، وهذا بينما الرواية ترافق الكيان المديني وآلياته الجديدة في الإنتاج والتعامل. إن حالة النهوض الحضاري أدت إلى تشكيل المدن الكبرى، ذات العلاقات الشائكة، مثل دبي وأبو ظبي، وهي كفيلة بإفراز فن روائي مستقبلي. ولو أجرينا مقارنة بتجارب البلدان الخليجية المجاورة في ميدان الرواية، لرأيناها أكثر تطوراً ونضجاً، كما هو الحال في كل من السعودية والبحرين. وربما تكون هناك عوامل أخرى، منها قصر النفس عند المبدع الإماراتي. والدليل على ذلك، أن كثيراً من الأدباء بدؤوا حياتهم الأدبية لكنهم سرعان ما توقفوا عن مواصلة كتابة الرواية لأنها تحتاج إلى صبر ودأب وتأمل.
