تنفرد التجربة الحروفيّة للفنان التشكيلي السوري «محمود حمّاد» بجملة من الخصائص والمقومات الفنيّة والتعبيريّة، تجعلها تتقدم على غيرها من التجارب الحروفيّة، ليس على صعيد الحياة التشكيليّة السورية المعاصرة فحسب، وإنما العربيّة أيضاً، سيما وأنها جاءت تتويجاً لمرحلة عميقة من الدراسة الأكاديميّة لأكثر من لون فني تشكيلي، قادته إليها موهبة فنيّة حقيقية، شكّلت نوعاً من الريادة في زمانها ومكانها.
أقام حمّاد معرضه الفردي الأول في صالة (معهد الحقوق) بدمشق العام 1943، وكانت أعماله (صياغةً ومضامين)، متميزة وجديدة، قياساً بما كان سائداً ومألوفاً. تناول فيها الموضوعات المرتبطة بالريف والحياة اليوميّة لدمشق والطبيعة والوجوه، كما أنجز تجربة متميزة في مجال اللوحة التعبيريّة التي تعالج موضوعاً فكرياً شاعرياً، نشر بعضها في مجلة (الجندي) السوريّة، تحت عنوان (لوحة وفنان)، أعدها خصيصاً لهذه الزاوية، وكانت أقرب إلى القصيدة المرسومة أو الرسم التوضيحي منها إلى اللوحة، رغم أنها كانت تُنشر مفردة.
وفي العام 1954 عاود اتصاله بإيطاليا، واستقر في عاصمتها (روما) ودخل أكاديمية الفنون الجميلة، ليدرس فنون الرسم والتصوير، بشكل رئيسي، وفنون الحفر المطبوع والنحت، بشكل ثانوي، وقد اشتغل حمّاد على هذه الفنون مجتمعة، عقب انتهاء دراسته الأكاديميّة،وعودته إلى دمشق، فقد أنتج الرسمة واللوحة والمحفورة المطبوعة والميداليات والتماثيل الوجهيّة. وساهم بوضع عدد من اللوحات الجداريّة، والأعمال الفراغيّة التزيينيّة، والنصب التذكاريّة،ولعل أهمها وأبرزها، نصب الجندي المجهول في جبل قاسيون بدمشق، والذي شارك الفنان عبدو كسحوت بتصميمه، ولحمّاد باع طويل في الفنون الغرافيكيّة، كتصميم الأغلفة وطوابع البريد، والرسوم التوضيحيّة، والشعارات (منها شعار جامعة دمشق).
قام حمّاد بتدريس مادة التربية الفنيّة في عدد من الثانويات ودور المعلمين في سوريّة، قبل أن ينتقل العام 1961 للتدريس في المعهد العالي للفنون الجميلة بدمشق، وكان تابعاً لوزارة التربية، وفي العام 1963 تحوّل (هذا المعهد) إلى (كلية الفنون الجميلة) التابعة حالياً لجامعة دمشق، وبقي فيها حتى رحيله العام 1988. شغل خلال وجوده فيها عدة مناصب، وكان عميدها لعدة سنوات.
صداقة عميقة
ارتبط الفنان حمّاد، بزمالة وصداقة عميقة، مع الفنان (نصير شوري) وكانا على النقيض من حيث التوجهات الفكريّة والفنيّة وطبيعة الشخصيّة. فقد كان حمّاد هادئاً، متزناً، عميقاً، مسكوناً بهاجس البحث والتجديد والإضافة، بينما كان شوري، عفوياً، انفعالياً، رومانسياً، غير مبالٍ بالتجديد، مع ذلك، دفعته رفقته لحمّاد، لمغادرة حقوله الانطباعيّة الشاعريّة الوسيمة، والاستقرار في توجه جديد، هو حالة من التماهي، بين الانطباعيّة والتجريديّة التي جنحت به نحو نوع من التزيينيّة، ويبدو أن شوري كان يمارس هذه الصيغة الفنيّة الخاصة، عن عدم قناعة.
وإنما إرضاءً لرفيق عمره حمّاد، بدليل أنه بمجرد أن أتيحت له فرصة سانحة للتخلص منها، أشعل في داخله، مجامر الحنين إلى الواقعيّة الانطباعيّة الشاعرية الأقرب إلى شخصيته، وعاد إليها ملهوفاً، بتأثير زيارة قام بها للولايات المتحدة الأميركية، ومواجهته هناك لطبيعة مفعمة بالرومانسية كان لها تأثير كبير عليه، رده إلى عشقه الحقيقي، فعاد من هذه الزيارة، بمعرض مهم نفذ أعماله بتقنية الألوان المائية، وتناول فيها موضوعاً رئيساً هو (المنظر الطبيعي الخلوي) بحساسية عالية قلما توصل إليها مصوّر سوري معاصر.
تُصنف تجربة الفنان محمود حمّاد في ثلاث مراحل:
الأولى منها استمرت من عام 1938 وحتى عام 1958، وهي مرحلة الدراسة والإطلاع والبحث والتجريب والتكوّن الفكري والفني. وعاش الفنان حمّاد هذه المرحلة، متردداً ومجرباً لكل ما تموج به الساحة الفنيّة العالميّة من اتجاهات وأساليب وتقانات فنيّة تشكيليّة، ما جعلها مشوبة بتأثيرات عديدة وواضحة الانتماء، لكنه مع ذلك، لم يغادر خلالها الشطآن الواسعة للواقعيّة التشخيصيّة، والموضوعات اللصيقة بالهم الوطني والقومي والبيئة السوريّة.
ولم تفرز هذه المرحلة، إضافات فنيّة لافتة ومتميزة، وإنما كانت بشكل عام، متواضعة على هذا الصعيد، غير أنها أفضت إل المرحلة التالية الأكثر نضجاً وأهمية.
عرفت الثانية من هذه المراحل لدى حماد بمرحلة حوران، وفيها تبلورت تجربته، واتخذت خطاً شخصياً واضحاً في الشكل واللون والمضمون، وكانت مادتها، إنسان الريف في مواقفه الحياتيّة المختلفة.
وأبرز مزايا هذه المرحلة، انعطافة عناصر لوحة حمّاد نحو التلخيص والاختزال، والابتعاد التدريجي عن المشخصات، ممهدة بذلك الطريق، للمرحلة الثالثة والأخيرة في تجربته.
وقد بدأت الثالثة منذ العام 1964 واستمرت معه حتى رحيله العام 1988، وهي ما عُرفت بالمرحلة الحروفيّة وهي الموضوع الرئيس لبحثنا هذا.
بحث وتململ
المتابع المدقق لمسيرة محمود حمّاد، لا بد أن يلاحظ سمة لافتة رافقته طوال تجربته الفنيّة، أي منذ تعرف للمرة الأولى بشكل واعٍ وجدي (نهايات ثلاثينيات القرن الماضي) إلى قلق الفن المبدع وحتى رحيله (نهاية الثمانينيات)، هي نزوعه الدائم للتململ والبحث والخروج عن السائد والمألوف، من الأساليب والصيغ الفنيّة، وتالياً رغبته القوية بارتياد المجهول والغامض، من آفاق الفن، لا سيما تلك التي يمكنها أن تقوده، إلى رحاب فن جديد، يوائم فيه بين الحداثة وملامح محليّة، قد لا تختزل المفهوم العميق والبعيد والواسع لاصطلاح (التراث) أو (الأصالة)، ولا هو أراد أو طمح إلى ذلك، وإنما كان مسكوناً بهاجس أساس، هو منح الصيغة الحروفيّة التجريديّة لمنجزه البصري، وهو ما اشتغل عليه منذ اللوحة الأولى التي ضمنها أحرفا عربيّة عام 1964. لقد رغب حمّاد الخروج بصيغة فنيّة جديدة تتوافق وتنسجم فيها، المفاهيم الغربيّة والعربيّة الإسلاميّة للتجريد، وهذا الهدف لم يصل إليه الفنان حمّاد إلا بعد مراحل طويلة من البحث والتجريب، وخوض غمار المدارس الفنيّة الكلاسيكيّة والواقعيّة والانطباعيّة والتكعيبيّة والتعبيريّة والرمزيّة، لكن بمجرد التقاطه لطرف خيط (الحروفيّة التجريديّة) زهد بالاتجاهات الأخرى، وتفرغ كلياً لتوجهه الجديد.
لم يأت حمّاد إلى (الحروفيّة التجريديّة) فجأة، ولا اقتحمها مباشرةً، وإنما مهد لها بسلسلة من اللوحات، لخص فيها العنصر المشخص وكثفه واختزله، إلى أن تحوّل إلى مساحات لونيّة مؤطرة بخط قوي وصلب، ظلت تأخذ المتلقي إلى ماهيتها (مصباح، نرجيلة، كأس، إنسان، بيت) عبر مساحات مبسطة ومختزلة، ومن هذه اللوحات: مشردون (1962)، قرويات من فلسطين (1958)، النرجيلة، العائلة (1960)، أول شباط (1958)، المهرجون (1960)، مصباح الكاز، الجامع الأبيض (1963)، خاروف معلق، الجندي الجريح في ميسلون) ... وغيرها.
تعمد حمّاد في أعمال هذه المرحلة، اختزال عناصرها التشخيصيّة وتبسيطها إلى الحد الذي لا تفقد معه ماهيتها الواقعيّة، لكن هذه الصيغة في المعالجة، اقتصرت على الكتلة العامة للتكوين في اللوحة، التي كانت مؤلفة يومها من عناصر بشريّة (رجل، امرأة، طفل)، أو طبيعة صامتة (مصباح، نرجيلة، زجاجة، فواكه). أما الأرضيّة أو الخلفية التي حملت هذا التكوين، فكانت مبسطة إلى حد التجريد، ربطها بإحكام شديد، بالتكوين، وربط التكوين بها بالقوة نفسها. أما بالنسبة لألوان هذه الأعمال، فقد ظلت قليلة ومتوافقة ومحاطة بخطوط غامقة اللون (أسود، بني) صلبة وقوية، يُضيفها إليها، ولا يسحبها منها، وهي بشكل عام، مدروسة الإيقاع، ومشغولة بعدة طبقات. بمعنى أن حمّاد لا يأخذ اللون مباشرة من حافظته، وإنما يستخرجه من عدة ألوان، ويرصفه في جسد العنصر، عبر عدة طبقات شفيفة، بحيث يمكن إدراك الطبقة الظاهرة وما تحتها، وهو ما يؤكد أننا حيال مصوّر (ملوّن) ورسام في آن معاً.
الحروفيّة التجريديّة
وبالعودة إلى نتاج حمّاد الذي مهد لولادة (الحروفيّة التجريديّة) في تجربته، نجد أن أكثر اللوحات التي حملت إشارات هذا التوجه هي لوحة (النرجيلة) ولوحة (مصباح الكاز)، حيث قام باستبدال العناصر الواقعيّة المختزلة والملخصة في الأساس، بالحروف والكلمات، ضمن رؤية ومعالجة وتكنيك مماثل، لنواجه كشفاً جديداً لهذا الفنـــان، أثار حين قدمه للمرة الأولى (1962)، ضجة لافتة في الوسط التشكيلي السوري الذي لم يك قد استأنس بعد، للاتجاهات الفنيّة الواقفة في البرزخ الأول من الحداثــة، والتي مثلتها الانطباعيّة والسورياليّة والتكعيبيّة والتعبيريّة، فما بالكم بالصيغة (الحروفيّة التجريديّة) التي أقامت نوعاً من القطيعة، بين الدلالة المباشرة للشكل وبين المتلقي، تاركة المجال أمام بصره وبصيرته، لالتقاط ما يرغــــب من دلالات ومعانٍ، ترك لها الفنان بعضاً من رموزها ومفاتيحها، بين ثنايا ألوانه وخطوطه وأشكاله. بمعنى أبقى فيها الباب موارباً، ليدخل منه المتلقي إلى لوحته، بالشكل الذي يريد، مؤكداً على الدور القديم ـ الجديد للفن وهو:
أن يجد الإنسان في منجزاته راحته النفسيّة، ويركن من خلاله إلى تأملاته، ويجد فيه متنفساً، لأشواقه وتطلعاته، لا سيما وأن الفنان هنا، هو الذي يرطب جفاف الحياة اليوميّـــة وقساوتها.
إن الفن كما يراه حمّاد:
(نغماً كان أو كلمة أو صورة. مسموعاً أو مقروءاً أو مرئياً، ضرورة لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها، ونحن في عصرنا الذي اتسع فيه طغيان الآلة، ربما كنا بحاجة إلى زاد أوفر، من أي عصر مضى، من المتعة الفنيّة، وذلك في سبيل إرساء نوع من التوازن بين ضجيج الحياة المعاصرة، والغذاء الروحي للنفس البشرية). لكن حمّاد لم يتعمد قطع كل صلة لموجودات لوحته، مع الواقع، ولا تقصد إلغاء الشكل الذي يذهب بالمتلقي إلى معنى أو فكرة ما، وإنما ترك الأمر يأتي بشكل عفوي وعرضي، رغم أن لوحته الحروفيّة (في غالبيتها) تحولت إلى دارسة عقليّة حسيّة، سكب فيها خلاصة ما جمّع من خبرات تشكيليّة وتوليفيّــة وتصويريّـــة وفكريّـــة وتقانيّــــة، بعيداً عن الوقـــوع تحت تأثير شعـــارات ويافطـــات كبيرة، رفعها سياسيون ومفكرون وفنانون عرب، تنادي بضرورة تمثل تراث الأمة، وتأكيد هويتها في المنجز الإبداعي العربي المعاصر. فالفنان حمّاد المتزن الهادئ والعقلاني والعميق، خرج من (أشكاله المشخصة) إلى (حروفياته المجردة) بروحيّة مطابقة لشخصيته، بعد أن مهد لها، بمرحلة قصيرة حفلت بالتأمل والدراسة والبحث والتجريب، في القدرات التشكيليّة التي يمتلكها الحرف العربي، ومدى إمكانيّة توظيفها، للخروج بمنجز بصري تجريدي، يستوفي قيم التصوير التجريدي الحديث، ويمنحه في الوقت نفسه، روحاً شرقيّة عربيّة إسلاميّة، تميزه عن التجريد الأوروبي المعاصر، لكن دون التنكر لقيمه، أو إلغائها، وإنما الاستفادة منها أيضاً، ومزجها بالقيم التجريديّة التصويريّة للحرف العربي، بعد إخضاعه لمعالجة خاصة.
بمعنى أن الفنان حمّاد، استفاد من خواص الحرف العربي ومرونته وطواعيته في المد ارتفاعاً أو انخفاضاً، مطاً أو مداً، ما أتاح له إقامة تشكيلات وتكوينات بصريّة (لونيّة وغرافيكية) متميزة من بنيته. وتحقيق لغة تشكيليّة رفيعة، من ما يكتنز عليه الحرف العربي ـ من قدرات بصريّة وجمالية وتعبيريّة.
رؤية مصوّر
التقط حمّاد، هذه الخصيصة الكامنة في الحرف العربي، واشتغل عليها برؤية مصور، بهدف تكوين صور مثاليّة، تخضع بحرية مطلقة، لمتطلبات العمل الفني التشكيلي المعاصر، وهو ما تمكـــن من تحقيقه فوق سطح لوحته الحروفيّة التجريديّة، بتأثير جملة من المقومات والعوامل، أبرزها وأهمها، التماهي المدهش بين شخصيته ومنجزه البصري الحروفي المجرد، الذي تمثل سمات هذه الشخصيّة، واختزال خبراتهـــا الأكاديميـــّة والبحثيّة، إن في مجـــال التعاطي مع اللون، أو الخط (الرسم)، أو استنهاض التكوينات القوية والمترابطـــة والمعـــــبرة، في فضــــــاء اللوحــــة، وربطهــــا المحكم به. هذه الصلة القريبة، كانت آخر ما يفكر به حمّاد، أو يشغل باله به، وإنما كان همه الأساس، كيفيّة إدخال الحرف في منجزه، دون افتعال، أو بشكل طارئ، أو تزييني زخرفي، أو فلكلوري، أو بتأثير التراث والاستئناس إليه، أو بدافع تسويقي، لإرضاء الطلب المتزايد، على هذا النوع من الفن الذي رأى فيه، بعض التشكيليين العرب المعاصرين، وسيلة ممتازة، لإرضاء نزوعات وتوجهات متلقٍ عربي، بقدر ما يملك من مال، يملك من أميّة بصريّة!! لقد منح الفنان حمّاد، البطولة المطلقة للحرف العربي في لوحته، لكن دون طغيان أو اضطهاد للعناصر الأخرى فيها، بل اجتهد في جعله يتعايش معها، عبر تقطيعات هندسيّـــــــة مدروســــــة بعنايـــــة فائقــــة، شكلاً ولوناً، إن لناحية علاقتها مع الحرف، أو مع البنيــــة العامة للوحة ككل، وهو ما خلق حالة مثلى من التوافق والانسجام وقـــوة التعبير والإيحاء والجماليّة البصريّة الرفيعة في هذه اللوحــــة التي تحولـــت لديـــه، في آخر حياته، إلى دراسة عقليّة حسيّة متقنــــة، اختزلت خبراته الفنيــــة الطويلة التي تجلت بجـــلاء ووضــــوح، في تكوينات لوحاتــــه المعبرة، وألوانهـــا المنسجمـــــة، ودلالاتهـــــا التجريديّـــة المفتوحـــــــة على بصر وبصيرة المتلقي، ذلك لأن حمّاد، كما أشرنا، لم يولي الاهتمـــام الأكبر، لمعنى الكلمة أو النص في لوحاته، وإنما لقيمها البصريّة التشكيليّة المجردة، ما جعل الحرف العربي فيها عنصـــراً أساساً.
