يتفق الكثير من الخبراء الإستراتيجيين والمحللين السياسيين الدوليين على أن القارة الآسيوية ستكون ساحة الصراعات والحروب القادمة على الأقل حتى نهاية النصف الأول من هذا القرن، وقد عكس العام 2009 هذا المشهد بوضوح على امتداد القارة، سواء في البؤر الساخنة والمشتعلة أو في البؤر المهددة أو حتى في المناطق الشبه هادئة.

بالنظر إلى المشهد الحالي على الساحة الآسيوية نلاحظ أن هناك الآن تتواجد الجيوش والقوى العسكرية الكبرى الأساسية في العالم، وجميعها في حالة تدريب ومناورات واستنفار وطوارئ واستعداد للمواجهة في أي وقت، وبعضها يخوض بالفعل حروبا دائرة وساخنة هناك، حيث يتواجد على أرض المعارك الحربية في أفغانستان أكثر من سبعين ألف عسكري أميركي ومثلهم تقريبا من قوات حلف شمال الأطلسي من مختلف الدول أعضاء الحلف، في نفس الوقت هناك شبه استنفار واستعدادات واستعراضات عسكرية كبيرة ومستمرة في جمهورية إيران الإسلامية التي تواجه تهديدات مستمرة من الولايات المتحدة وإسرائيل تجعلها دائما تتوقع الحرب في أية لحظة وتستعد لها، ناهيك عن الأوضاع الدائمة التوتر في العراق والتي تعكس صعوبة استقرار الأحوال، وإلى جانب الحربين في العراق وأفغانستان، فقد اندلعت الحرب في خريف العام 2009 في بؤرة أخرى في القارة الآسيوية لم تكن متوقعة، وذلك في جنوب الجزيرة العربية حيث تمرد ت جماعات مسلحة على النظام الحاكم في اليمن ودخلت معه في حرب واسعة النطاق جرت لها دولة كبيرة مجاورة هي المملكة السعودية لتشتعل الحرب هناك ولتصبح مرشحة لتدخلات من قوى أخرى.

وسط آسيا... روسيا والصين يوليان اهتماما كبيرا لمنطقة وسط آسيا الملاصقة لحدودهما والتي تمثل بالنسبة للبلدين جزءا لا يتجزأ من أمنهما القومي، حيث تشكل هذه المنطقة مصدرا رئيسيا للكثير من المخاطر والتهديدات للبلدين، وخاصة لالتصاق حدود هذه المنطقة بحدود أفغانستان، مما يجعلها مصدرا للإرهاب والتطرف، هذا إلى جانب منافذ تجارة المخدرات المنتشرة على الحدود الأفغانية إلى البلدان المجاورة. وقد زاد اهتمام روسيا والصين أيضا بهذه المنطقة بعد إعلان واشنطن حملتها على الإرهاب في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حيث سعت واشنطن إلى ترسيخ مواقعها في هذه المنطقة عن طريق تأسيس قواعد عسكرية لها في بعض بلدانها مثل قيرغيزيا وأوزبكستان.

لم تعترض موسكو وبكين على هذه القواعد في البداية باعتبار أنها في إطار الحملة الدولية على الإرهاب في أفغانستان، لكن بعد ذلك تبين لهما وجود طموحات واسعة لدى واشنطن لترسيخ وجودها العسكري في المنطقة، الأمر الذي دفعهما لتكثيف نشاطهما في إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم مع روسيا والصين دول وسط آسيا الأربع كازاخستان وقيرغيزيا وأوزبكستان وطاجيكستان.

وقد نجحت هذه المنظمة في طرد القاعدة العسكرية الأميركية من أوزبكستان عام 2005، وشهد العام 2009 في شهر فبراير طرد القاعدة الثانية من أراضي قيرغيزيا، ولكن هذا لا يعني نهاية المخاطر والتهديدات، فمازالت منطقة وسط آسيا تشكل تهديدا لأمن القارة.

ومازالت الدول الصغيرة في هذه المنطقة مستهدفة من الولايات المتحدة الأميركية التي تبحث لنفسها عن مواقع استراتيجية في هذه المنطقة الإستراتيجية الفاصلة بين القوى الكبرى في القارة الآسيوية، وخاصة بين روسيا والصين والهند الذي يشكل التقارب الاقتصادي والسياسي والعسكري بينهم مصدر قلق وتوتر كبير لواشنطن والغرب.

العمالقة الثلاثة

حالة الاستنفار والاستعداد وتوقع الصراعات على الساحة الآسيوية موجودة أيضا لدى كل من روسيا والصين والهند، وكل منهم يشعر بأنه ليس في مأمن من الأخطار والتهديدات المحيطة به بالقرب من حدوده، وقد شهدت الأعوام الخمسة الماضية تقاربا واضحا بين العمالقة الآسيوية الثلاثة أثار توتر الغرب والأميركيين الذين يخشون نهوض تحالف بين هذه القوى الكبرى ينقل موازين القوى على الساحة الدولية من الغرب إلى الشرق.

وهذا ما توقعه وتنبأ به الخبير الإستراتيجي الروسي رئيس الوزراء الأسبق يفجيني بريماكوف الذي سبق أن قال إن «هذه الدول الثلاث الآسيوية الكبرى تستشعر الخطر من التدخلات الغربية وخاصة الأميركية في القارة الآسيوية وسعيها للتمركز في منطقة وسط آسيا في أفغانستان والدول الصغيرة الأخرى لتستخدمها كبؤر لإثارة النزاعات والاضطرابات والحروب التي تحول دون تقارب القوى الكبرى في القارة الآسيوية».

وتنبأ بريماكوف بقيام تحالف إستراتيجي بين الدول الثلاث روسيا والهند والصين في مواجهة التدخلات الأجنبية في القارة الآسيوية. وقد شهد العام 2009 في شهر أبريل أكبر مناورات عسكرية بحرية مشتركة بين روسيا والهند في المحيط الهندي، وهي المناورات التي أثارت قلقا كبيرا في الغرب من تنامي التعاون العسكري بين البلدين، كما شهد العام 2009 في منتصف نوفمبر الزيارة الأولى للرئيس الأميركي أوباما للصين، والتي وصفتها وسائل الإعلام الأميركية بـ «الزيارة الفاشلة» حيث لم يعلق المسؤولون الصينيون بكلمة واحدة على تصريح الرئيس أوباما حول سعي الولايات المتحدة لشراكة إستراتيجية مع الصين.

وتأتي الأزمة المالية العالمية لتزيد من تقارب روسيا والصين مع دول وسط آسيا الفقيرة التي استغلت هذه الأزمة واهتمام موسكو وبكين بها وسيلة لابتزازهما للحصول على المساعدات المالية منهما، في نفس الوقت نجد الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على منابع النفطِ والغاز في آسيا الوسطى وتسعى لجعلِ المنطقة أداةً للضغط على كل من الصين وروسيا.

الأمر الذي يرى معه بعض المحللين أن هذه المنطقة الإستراتيجية من الممكن أن تتحول من شريكٍ استراتيجي لروسيا والصين إلى مَصْدرٍ للتهديد الاقتصادي والأمني لهما أمام إغراءات واشنطن للأنظمة الحاكمة هناك، وهذا ما ظهر خلال العام 2009 حيث عادت أوزبكستان التي طردت القاعدة الأميركية عام 2005 لتساوم واشنطن على إعادة هذه القاعدة، وزار أوزبكستان في صيف هذا العام أكثر من مسؤول عسكري أميركي لبحث هذه المسألة.

حرب القوقاز

أما البؤرة التي اشتعلت في القارة الآسيوية في صيف العام 2008 ولم تهدأ حتى الآن فهي منطقة القوقاز التي يرشحها الكثير من الخبراء والمراقبين لتكون ساحة لحروب كبيرة تنجر لها قوى عسكرية كبرى، فقد شهدت منطقة القوقاز حربا في أغسطس 2008 مازالت تداعياتها قائمة حتى الآن، هذه الحرب التي بدأت بهجوم من جورجيا على جمهورية أوسيتيا الجنوبية الصغيرة وجرت لها القوة العسكرية الروسية الكبيرة التي دخلت جيوشها أراضي جورجيا لتطارد القوات الجورجية المعتدية.

ورغم انسحاب القوات الروسية بعد أيام من الأراضي الجورجية بعد أن لقنت نظام الرئيس الجورجي ساكاشفيلي درسا لا ينساه، عادت جورجيا للتحرش بجيرانها الصغار أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

وقد شهد العام 2009 أكثر من ستين اعتداء من القوات الجورجية على حدود البلدين الصغيرين، ولم يكن للرئيس الجورجي ساكاشفيلي أن يجرؤ على هذه التحرشات لولا وجود دعم وتأييد من واشنطن له، وقد زار نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن جورجيا وأوكرانيا في يوليو2009، وهي الزيارة التي أعطت جرعة معنوية لنظامي الحكم في البلدين وشجعتهما على إعادة عزف السيمفونيات المشروخة الممتلئة بالشكاوى والنقد لروسيا واتهامها بالجبروت والنوايا الإمبراطورية واختراق سيادة أراضي جيرانها الصغار، وعاد النظامان المتهاويان يدعوان الغرب للتدخل لإنقاذ بلديهما من وحشية الكريملين.

أوكرانيا التي زادت مشاكلها مع روسيا خلال العام 2009 الذي بدأ بأزمة الغاز بينهما، لم تزيد في طلباتها من واشنطن على أكثر من دعمها للحصول على عضوية حلف الناتو والاتحاد الأوروبي إلى جانب توجهها للغرب من خلال واشنطن تطلب منه إدانة سياسة موسكو التي يتهمها الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو بأنها تتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده وتدعم المعارضة الأوكرانية ضده.

الدعم الأميركي

أما جورجيا فقد كانت طلباتها واضحة وصريحة وفي نفس الوقت جريئة ومستفزة، فقد طلب الرئيس سكاشفيلي من نائب الرئيس الأميركي بايدن في يوليو الماضي أن تقوم واشنطن بتزويد جورجيا بالسلاح حتى تستطيع الدفاع عن أراضيها ضد التهديدات التي تواجهها، وبالطبع يقصد ساكاشفيلي روسيا، هذا الطلب الصريح والجرئ من ساكاشفيلي أثار المعارضة الشعبية الثائرة منذ فبراير 2009 ضده في جورجيا.

فقد كان الشعب الجورجي الذي يعاني بشدة من الأزمة الاقتصادية ويواجه ظروفا أصعب مما يواجهه غيره من البلدان الأخرى يتوقع من رئيسه أن يطلب من واشنطن مساعدات اقتصادية ومالية، وليس السلاح لخوض حرب جديدة ضد الجارة الكبيرة روسيا التي يعتمد عليها الاقتصاد الجورجي اعتمادا كبيرا ويعمل على أراضيها أكثر من مليون من مواطني جورجيا يرسلون كل عام لوطنهم وأهاليهم في جورجيا أكثر من مليارين من الدولارات بطرق قانونية وغير قانونية.

تصريحات نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن خلال زيارته إلى العاصمة الجورجية تبليسي، والتي أعلن فيها أن تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو لن يكون على حساب وحدة أراضي جورجيا، وتأكيده على أن بلاده لن تعترف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وتدعو موسكو إلى احترام قرار واشنطن وسحب قواتها من الأراضي الجورجية.. لم تكن السبب وراء ردود فعل موسكو العنيفة، ولم تستفز القيادة الروسية كما استفزتها تصريحاته في البرلمان الجورجي، والتي أكد فيها أن الولايات المتحدة تعمل على تعزيز قدرة الجيش الجورجي، وجدد دعم بلاده لانضمام جورجيا إلى حلف الناتو.

الحرب القادمة

المراقبون كانوا يتوقعون اندلاع حرب جديدة في القوقاز هذا العام بالتحديد في ظل تأزم الأوضاع داخل جورجيا وضيق الحصار على الرئيس ساكاشفيلي، ومع زيادة الدعم العسكري لجورجيا، وخاصة بعد أن غادرت بعثة المراقبين العسكريين التابعة للأمم المتحدة أبخازيا في مطلع الصيف الماضي، والتي كانت تضم 120 مراقبا عسكريا.

وأعقبها رفض أبخازيا لتواجد القوات الأميركية ضمن بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة منطقتي النزاع، باعتبار أن خطة «ميدفيديف ـ ساركوزي» لتسوية النزاع في المنطقة لا تنص على ذلك، بل وأصبح من الصعب بحث ملف انضمام جورجيا لحلف الناتو، وفق أنظمة ولوائح الحلف.

حيث يرفض حلف شمال الأطلسي منح عضويته لدول تشهد اضطرابات داخلية أو تتواجد على أراضيها قوات أجنبية، ولم يعد أمام نظام الرئيس ساكاشفيلي من مخرج من المأزق الذي يهدد بقاءه في الحكم سوى إشعال حرب جديدة في القوقاز، لم يمنعه عنها هذا العام سوى انشغال واشنطن في أفغانستان وحاجة الناتو للدعم الروسي هناك، ويسعى ساكاشفيلي لأن تكون الحرب القادمة أقوى وأطول زمنا من حرب العام 2008، ولهذا فسوف يستعين بدعم أجنبي كبير ستوفره له واشنطن بشكل مباشر أو غير مباشر.

وهكذا تعكس مؤشرات الأوضاع على ساحة القارة الآسيوية الكبيرة خلال العام 2009 مدى الاضطراب والقلق واحتمال الصدامات والحروب العسكرية في مختلف أطراف هذه القارة الكبيرة التي أجمع المراقبون الاستراتيجيون على أنها ستكون ساحة الحروب الكبيرة في النصف الأول من القرن الجاري.

د. فلاديمير سادافوي