لم تكد تطل الخيوط الأولى للعام الميلادي 2009، إلا وكانت أصوات الانفجارات الهائلة تصم موضع السمع لدى الناس جراء جنون القصف الدموي الفاشي الصهيوني على مختلف مناطق قطاع غزة. في وقت كان فيه ومازال يتواصل الحصار الصهيوني المطبق على القطاع.
ولم تكد تطل الخيوط الأولى من العام 2009 المنصرم، حتى كانت الغارات الوحشية الإسرائيلية الصهيونية الواسعة وغير المسبوقة التي شنتها أكثر من (60) طائرة من طائرات الـ (اف 16) على امتداد قطاع غزة، متواصلة، وتهاجم أكثر من مئة موقع وهدف بوقت واحد كانت قد أعلنت عنهما قيادة جيش الاحتلال. ولم تكد أيضاً خيوط العام 2009 تطل حتى كان الدم الفلسطيني الطاهر والحار ينزف بغزارة على ارض قطاع غزة، بينما كان قلب النظام الرسمي العربي ومازال بارداً، يستخدم عبارات المناشدة الخجولة، حيث لم تستطع المنظومة الرسمية العربية أن تحرك ساكناً من أجل رفع الحصار الظالم عن الفلسطينيين في قطاع غزة وعموم الأرض المحتلة العام عام 1967.
هكذا دق العام المنصرم 2009 أبوابه على الفلسطينيين في قطاع غزة وعموم الأرض الفلسطينية ومختلف مواقع اللجوء والشتات، فحمل معه الأعباء الكبيرة التي تنوء تحتها الجبال الشاهقات، لكن الشعب الفلسطيني المليء بالمراس حمل أعباء العام 2009 بإرادته الصلبة وبتجربته المريرة التي جعلته قادراً على اجتراع كؤوس العلقم، وعلى اجتراح أساليب الصمود والتحمل المضني لما حملته وتحمله حالكات الليالي. وهكذا اطل فجر العام المنصرم على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فجراً احمر قاتماً، حيث ودع الفلسطينيون مع نهاية الشهر الأول من العام 2009 كوكبة من أبنائهم وصلت أعدادهم إلى حوالي (1500) شهيد، أريقت دماؤهم الطاهرة بفعل العدوان الهمجي الفاشي الصهيوني على قطاع غزة.
الدمار... ووحشية الاحتلال... ومن نافل القول أن العدوان على قطاع غزة كما كان مكلفاً لجيش الاحتلال، فقد كان مكلفاً للمدنيين الفلسطينيين على وجه التحديد الذين استهدفهم عدوان الاحتلال حيث استشهد ما يقارب من (1500) شهيد، وأصابت الجراح ما يقارب (5000) مواطن، كما استهدف القصف الوحشي الصهيوني البنى التحتية من المدارس إلى المساجد إلى المشافي... التي تضررت بشكل كبير جراء عنف القصف الجوي الصهيوني، حيث أشارت التقديرات الملموسة إلى أن إجمالي الخسائر الاقتصادية المباشرة في المباني والبنية التحتية وخسائر الاقتصاد الوطني في قطاع غزة بلغ حوالي مليار وأربعمائة مليون دولار.
فقد أصبح قطاع غزة بعيد العدوان منطقة منكوبة من النواحي الإنسانية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، كما أدى العدوان إلى تدمير البنية التحتية لقطاعات الخدمة العامة وتدمير مباني المؤسسات العامة والجمعيات والممتلكات الخاصة، كما أدى إلى شلل كامل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
أما فيما يتعلق بخسائر الأنشطة الاقتصادية فقد تم الاعتماد على سلسلة المسوح الاقتصادية التي تتعلق بكافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية والتي يصدرها الجهاز، وقدرت خسائر الاقتصاد الفلسطيني ما يقارب (80%) من قيمة الإنتاج لكل قطاع اقتصادي، حيث تم تقدير تلك الخسائر بناءً على قيمة الإنتاج اليومي لكل قطاع اقتصادي.
وفيما يتعلق بقطاع الزراعة والأراضي الزراعية فقد تم تقدير قيمة الخسائر بناءً على قيمة رأس المال والاستهلاك الوسيط حيث تم تدمير ما يقارب (80%) من الأراضي الزراعية والمحاصيل، وذلك بالاعتماد على إحصاءات الزراعة (2006/2007). أما فيما يخص إعالة اسر الشهداء والجرحى، فقد تم تقدير متطلبات الإعالة السنوية لتلك الأسر مستقبلا بالاعتماد على متوسط الأجر السنوي للعامل في قطاع غزة والذي بلغ (4830) دولاراً حسب نتائج مسح القوى العاملة للربع الثالث (2008).
تقديرات ثلاثية
وفي التحديد، فقد بلغت تقديرات الخسائر في ثلاثة قطاعات رئيسية هي البنية التحتية والمباني، الأنشطة الاقتصادية، والخسائر البشرية، حيث تشير المراجع الإحصائية الفلسطينية إلى أن تعداد المباني والمنشات في قطاع غزة بلغ (147437) مبنى. وتبين التقديرات أن العدوان الصهيوني أدى إلى الإضرار بحوالي (14%) من هذه المباني والمنشات.
أما خسائر نصيب الفرد اليومي في قطاع غزه فتقدر بحوالي (1 .13) دولاراً يومياً، وكما هو معلوم أن إجمالي عدد الأفراد في قطاع غزة (45 .1) مليون نسمه، أي أن حجم الخسائر اليومية بلغ حوالي (19) مليون دولار. كما وصل معدل البطالة في قطاع غزة عشية العدوان (9 .41%) (حوالي 120 الف عاطل عن العمل)، ولكن بسبب الحرب الحالية ونتيجة لتدمير معظم المنشآت والمؤسسات العاملة في القطاع من المتوقع ان تصل النسبة إلى (2 .62%) من مجموع المشاركين في القوى العاملة.
أي أن العدد سيصل لحوالي (145) ألف عامل وهؤلاء بحاجة لمساعدات تصل لحوالي (2 .2) مليون دولار يوميا، مع الإشارة إلى أن هذه النسبة يمكن أن تكون اقل في حالة إعادة الاعمار والبناء. وبالتالي فان مجموع الخسائر اليومية لكافة الأنشطة الاقتصادية بلغ حوالي ( 24 مليون دولار يوميا)، وهذا يعني أن الخسائر التي انتهى بها العدوان على قطاع غزة بلغت بهذا الجانب حوالي (500) مليون دولار.
بروز دور الرأي العام
في هذا السياق، فان حجم ردود الفعل الدولية على مستوياتها غير الرسمية وحتى الرسمية، كانت ردود فعل غير مسبوقة من حيث حجم الإدانة للعدوان والتضامن مع الشعب الفلسطيني، وثبات إسرائيل في صورة الأزعر الإقليمي، ومطالبة القيادة الإسرائيلية بالتجاوب مع المبادرات الدولية خصوصاً لجهة فتح المعابر والسماح بتدفق المساعدات الدولية من غذاء ووقود إلى قطاع غزة. حيث شهدت بعض العواصم الكبرى في العالم ردود فعل فاقت التصور، كما وقع في تركيا وعلى امتداد مدنها الكبرى طوال أيام العدوان، وانتشار الفعاليات المساندة لكفاح الشعب الفلسطيني على امتداد المعمورة.
وفي هذا المسار من التحولات الدولية، برزت مؤشرات سياسية هامة، ليس أقلها الحديث عن تحول واقعي في المواقف الدولية يؤكد شرعية حركة حماس والمقاومة بشكل عام الآخذة في التعمق. ودليلنا إلى هذا تواتر لقاءات الأوروبيين مع قيادات حركة حماس سراً وعلناً، وزيارة الرئيس جيمي كارتر للمنطقة ولقاءاته مع قيادات حركة حماس، لتصبح تلك اللقاءات أبعد من زيارات ولقاءات استكشاف للمواقف أو لجس النبض، بل جاءت تحمل معها الجديد بالنسبة للرؤية الأميركية من خارج المؤسسة الرسمية، وهي رؤية بدأت تشق طريقها منذ فترة لا بأس بها عبر ضباب كثيف أحاط بمواقف واشنطن الرسمية تجاه حركة حماس، وانطلاقاً من المعطيات القائمة على الأرض.
خصوصاً وأن بعض المواقف التي تنبأت بإمكانية نجاح واشنطن في تشكيلها الائتلاف الدولي المناهض لحركة حماس، لم تصمد، ولم تنجح معها الأفعال والأعمال الإسرائيلية بالضغط على الأرض لإخراج حركة حماس خارج دائرة الفعل بعد دفعها لتسديد فاتورة باهظة، أقلها فاتورة إنهاكها من خلال مواصلة الاغتيالات واستهداف الكوادر والنشطاء من مختلف القوى الفلسطينية، ووضعها أمام تساؤلات الشارع الفلسطيني الذي جاء بها إلى مواقع المجلس التشريعي الفلسطيني بزخم كبير وحضور مؤثر.
حماس وواشنطن
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المراقبين أن لقاءات الأوروبيين (العلنية والسرية) بشكل عام مع قيادات حركة حماس في القاهرة ودمشق وغزة، أبعد من لقاءات شكلية أو هامشية، أو لقاءات حل لبعض القضايا كموضوع الأسير الإسرائيلي جلعاد شليت أو مسألة التهدئة، فهي لقاءات تعبر عن تحول بدأ يشق طريقه ولو خافتاً وخجولاً داخل الغرب بشكل عام، بشأن ضرورة التعاطي المتوازن مع تشكيلة الخريطة السياسية الفلسطينية كما أفرزتها نتائج الانتخابات التشريعية.
والكف عن محاولات إقصاء وعزل حركة حماس بشكل أساسي.
وانطلاقاً من المعطى إياه لا يستبعد العديد من المراقبين قدوم اللحظة التي سنرى فيها اشتعال الحوار بين حركة حماس وواشنطن مباشرة ودون قنوات سرية في هذه العاصمة أو تلك، فما يجري الآن من لقاءات قد يكون خطوة الألف ميل في هذا الاتجاه بالرغم من أن بعض اللقاءات المشار إليها تتم خارج إطار المؤسسة الرسمية لهذا البلد أو ذاك.
تحولات داخل إسرائيل
ولم يكد يمضي وقف إطلاق النار على قطاع غزة أيامه الأولى، حتى كانت سلسلة من وابل الأسئلة والإضافات والاستنتاجات تتخم مصادر القرار السياسي والأمني والعسكري داخل الكيان الصهيوني، على خلفية فشل تحالف القتلة الفاشيين داخل إسرائيل الذين قادوا العدوان على قطاع غزة (أيهود أولمرت، تسيبي ليفني، الجنرال أيهود باراك) في تنفيذ الأهداف المرسومة لما خططوا وعملوا على تنفيذه.
وهو ما حدا بمجموعات من الانتلجنسيا، والعديد من الشخصيات السياسية والأكاديمية داخل الدولة العبرية وعدد من المعلقين والمراقبين الإسرائيليين، لإطلاق التحذيرات، وفي دعوة الحكومة الإسرائيلية ترجمته وقف إطلاق النار باتفاق سياسي، محذرين من مغبة العودة للعمل العسكري أو توسيع العملية البرية والوقوع في كمائن المقاومة واستدراج الجيش الإسرائيلي إلى قلب المناطق السكنية بغية قنص جنوده واستهداف دباباته بالصواريخ المضادة للدروع، ومحذرين في الوقت نفسه من تهافت خيار المراهنة على كسر إرادة حركة حماس وباقي قوى المقاومة ودفعها لرفع الراية البيضاء.
واستنسب الفشل ساحباً نفسه عبر نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي جرت في مارس 2009، فقد تراجع حزب العمل بقيادة ايهود باراك إلى أدنى مستوى له من الحضور في عضوية الكنيست الإسرائيلي في تاريخ الدولة العبرية، كما خرج ايهود أولمرت من الحلبة السياسية مقراً بهزيمة مشروعه العدواني على قطاع غزة، فيما انكفأت تسيبي ليفني مع حزبها إلى صفوف المعارضة ولتصبح الآن تحت رقابة المطاردة الدولية في أكثر من مكان في العالم، كما حصل مع قرارات الهيئات القضائية البريطانية التي أمرت بإلقاء القبض عليها مجرد أن وطأت أقدامها المملكة المتحدة.
دعوة إلى المفاوضات
وحتى هذه اللحظات، فان نتائج العدوان مازالت مطروحة أمام نقاشات كانت متوقعة، وقد أخذت ومازالت حيزاً واستطالات قد تمتد زمنياً لفترات بعيدة، وذلك على خلفية هول وفظاعة الحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع، ونتائجها المتواضعة من زاوية الأهداف التي كانت قد رسمت لها، فلم تحصد عملياً سوى قتل الأبرياء بشكل وحشي، وإلحاق الدمار ببنى المجتمع الفلسطيني، وهو ما أعاد وضع الدولة الصهيونية مرة جديدة أمام ملف الانحطاط الأخلاقي.
وأمام سياستها العرقية العنصرية التي تفوقت على نازيي الحرب العالمية الثانية، حيث لم يكن العدوان الصهيوني بعيداً هذه المرة عن تأثير التفاعلات الدولية الهائلة على المستويات المتعلقة بالرأي العام على امتداد المعمورة، وهي تفاعلات غير مسبوقة في مسار الصراع العربي والفلسطيني مع الدولة العبرية الصهيونية. فضلاً عن التفاعلات التي تركتها داخل صفوف النخب الفكرية والإعلامية الصهيونية ذاتها.
وفي معمعات المناقشات الإسرائيلية والآراء المنطلقة في إسرائيل من كل حدب وصوب، فان أصواتاً خافتة بدأت تنطلق بهدوء داخل إسرائيل منذ مدة ليست بالقصيرة، لكن تواتر أصواتها بدأ يعلو قليلاً حتى بات واضحاً في ايقاعاته على قطاعات من الناس داخل إسرائيل كما أشارت نتائج بعض الاستطلاعات، كما في مواقف ضباط كبار في الاحتياط، باتوا منذ مدة يطلقون مواقف تدعو للمفاوضات مع حماس.
ويقترحون بديلاً يصفونه بأنه الأكثر معقولية عبر فتح قنوات الحوار المباشر أو غير المباشر والتفاوض مع حركة حماس بهدف استقرار الوضع من جانب والبحث بإمكانية التفاوض مع إطار فلسطيني أوسع يجمع فتح وحماس، منطلقين من نتائج مرحلة ما بعد غزة، ومن صمود وثبات فلسطيني، مع تقديراتهم بأن حركة حماس يمكن لها استئناف القتال، وتحطيم الهدوء الشكلي، ومن يقين تام بأن حركة حماس ما زالت تملك حضوراً قوياً في الضفة الغربية تستطيع من خلاله إحباط أي طريق سياسي، وأن بإمكانها تصعيد العمل المسلح.
وتالياً في إمكانية تحديد كفة المسيرة السياسية. وعليه فإنهم يقترحون سلب حركة حماس هذه المفاعيل بضبط إسرائيل لنفسها، والانطلاق نحو الحوار مع حماس التي غدت على حد قولهم «الذراع الجنوبية لذاك الإخطبوط الذي يحيط بإسرائيل» على حد تعبير بعض الصحافيين الإسرائيليين.
مرحلة ما بعد غزة
وغني عن القول بأن ما ساعد الموقف الإسرائيلي في العدوان على قطاع غزة، تمثل بوجود تخبط متواصل في الساحة الفلسطينية نتيجة استمرار الانقسام الداخلي السياسي والجغرافي، وهو ما خلق حالة من التعقيد في البيئة الفلسطينية في الداخل، وأتاح لدولة الاحتلال ظروفاً مريحة حتى الآن للتدخل واختلاق مشكلة جديدة عنوانها البحث عن الجهة المعنية بتسلم المساعدات المقدمة عربياً ودولياً للفلسطينيين لإعادة اعمار غزة، حيث تصر «إسرائيل» على ربط تدفق الأموال ومواد الاعمار بموافقاتها المسبقة.
لكن ومن جهة ثانية، فان مرحلة (ما بعد غزة)، وبكل ما فرضته من حقائق جديدة على أرض الواقع، ومن مهام محددة، أشارت بوضوح ساطع أن بلسمة الجراح الفلسطينية النازفة جراء العدوان تستدعي أولاً لملمة البيت الفلسطيني الداخلي فوراً ودون تردد، ووضع حد نهائي للانقسام الداخلي السياسي والجغرافي، والقفز فوق حدود الاختلافات والتباينات مهما علا شأنها أو مقدارها على قاعدة تغليب التناقض الرئيسي والأساسي مع الاحتلال على أي تباينات أو تناقضات ثانوية.
فمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، بل ومستقبل المنطقة بأسرها يرتسم الآن على أرض قطاع غزة، والفلسطينيون الآن أيضاً أمام خيار واحد عنوانه السير نحو الحوار الجاد لإعادة بناء الوحدة الوطنية وتجاوز آثام وخسائر الانقسام، والترفع عن الحسابات العصبوية التنظيمية لصالح برنامج الوحدة.
مستقبل المفاوضات
وتوالدت ما بعد غزة جملة عوامل مؤثرة، جاءت في سياقات الفراغ الفلسطيني الرسمي العميق على المستويات كلها، فأسقطت أو حجمت لحدود كبيرة الإملاءات الخارجية والتي كانت عائقاً كبيراً أمام تحقيق المصالحة الفلسطينية الفلسطينية، حيث تراجعت نسبياً بعد صمود غزة، وشهد العالم والمنطقة تحولات ملحوظة، وفي المقدمة منها صعود إدارة أميركية ديمقراطية جديدة بقيادة باراك أوباما باتت تريد أن تقلل من حجم الكوارث التي ساقها الرئيس السابق جورج بوش وإدارته للولايات المتحدة ذاتها.
كما في فوز اليمين المتطرف في الانتخابات الأخيرة للكنيست في الدولة الصهيونية، وتتالى مخرجات الانتخابات «الإسرائيلية» التي أكدت انزياح المجتمع الصهيوني نحو اليمين واليمين المتطرف، وتشكيل حكومة يمينية بقيادة رئيس حزب الليكود بنيامين نتانياهو، وبالتالي تراجع آمال وأوهام من هم في صف استمرار المفاوضات عند الطرف الرسمي الفلسطيني، في وقت استمرت فيه السياسات الإسرائيلية الصهيونية على حالها بالنسبة لعناوين المفاوضات فضلاً عن استمرار عمليات الاستيطان الاجلائي في عموم الأرض المحتلة عام 1967، ناهيك عن محاولات الإطباق على مدينة القدس وتهويدها من الداخل، وهو ما دفع الرئيس محمود عباس لإعلان وقف المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي.
في انتظار الانجاز
إضافة إلى ذلك، فان تطوراً ايجابياً صنعته وقائع صمود غزة، في الانفتاح الأوروبي الملحوظ على الداخل الفلسطيني بكل مكوناته، وتواتر اللقاءات الأوروبية على مستويات مختلفة مع قيادات مختلف الفصائل وعلى الخصوص مع حركة حماس، في كسر واضح ومتدرج لـ (لا /الأميركية) بالنسبة للحوار مع بعض الفصائل الفلسطينية، حيث عقدت لقاءات عمل شارك بها برلمانيين أوروبيين مع قيادة حماس وأوفد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي موفدا له لهذا الغرض.
كما عقد لقاء موسعاً مع قيادة حركة حماس بشخص رئيس مكتبها السياسي مع وفدين منفصلين من خمسة عشر نائباً من خمسة برلمانات (بريطانيا، اسكتلندا، أيرلندا، اليونان وإيطاليا) لبحث إنهاء ما يسمى بـ «العزلة الدولية» المفروضة على حركة حماس وإعادة صياغة العلاقة بين الأوروبيين وحماس.
وعليه فقد باتت مصادر القرار في أوروبا الغربية على دراية وقناعة تامة بأن تحييد أو إقصاء حركة حماس أو أي من القوى الأساسية في صفوف المقاومة الفلسطينية أمرُ غير ممكن في الساحة الفلسطينية وعلى الدائرة الشرق أوسطية وما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية.
المصالحة إلى أين؟
ومن هنا، وبفعل دروس ما بعد غزة، انطلقت الجولات الحوارية الفلسطينية في القاهرة بعد أيام من وقف إطلاق النار، لتتواصل في ثماني جولات حوارية من فبراير 2009 إلى أكتوبر 2009، وهي حوارات شاركت فيها كل القوى والفصائل تقريباً، إضافة لحوارات خاصة عقدت بين حماس وفتح، حيث تم تشكيل خمس لجان يوم العاشر من مارس 2009، هي لجنة المصالحة، ولجنة الانتخابات، ولجنة إعادة بناء منظمة التحرير، ولجنة إعادة بناء الأجهزة الأمنية، ولجنة تشكيل الحكومة.
حيث تبدت صعوبات كبيرة في سياقات الجهد المصري لتذويب الخلافات الداخلية، فاستعصت الحوارات عند نقاط معينة، فيما كانت الجهود تسير باتجاه الوصول إلى اتفاق رزمة متكاملة بديلاً عن حلول التجزئة والتقطيع، وهو أمر كانت تطالب به حركة حماس بشكل ملح، فيما كان موقف حركة فتح يسعى لطرح حلول متدرجة. وفي النهاية استطاعت الجهود المصرية وخلال شهر أكتوبر من تحقيق التقاطع بين مواقف واسعة لكل من حركتي فتح وحماس وفي التفاهم المشترك بينهما.
إلا أن الإرباك الذي حصل مع عرض تقرير غولدستون الدولي بشأن العدوان على قطاع غزة، وتلكؤ القيادة الرسمية الفلسطينية في التجاوب مع طرحه في الاجتماع الأول لمجلس حقوق الإنسان في جنيف نتيجة الضغوط الخارجية الأميركية التي مورست عليها، انعكس سلباً على أجواء ومناخات الحوار، لتحرق موعد المصالحة الفلسطينية التي كان من المقرر لها أن تتم في القاهرة يوم السادس والعشرين من أكتوبر 2009، ولتستعر فوقها الخلافات والتباينات الفلسطينية، وموجات الصراخ الإعلامي من جديد بعد سبع جولات حوارية، عقدت خمس منها بين حركتي حماس وفتح بشكل ثنائي، بينما عقدت جولتان حواريتان بحضور جميع القوى.
إلا أن تم طرح التقرير ثانية، ونجحت نتائج التصويت وانتقل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة (وهو استحقاق ينتظر المتابعة والجهود العربية والدولية)، ولتعود الجهة المصرية الراعية للحوار لصياغة التوافقات بين حركتي فتح وحماس مرة ثانية في إطار ما عرف بالورقة المصرية التي تنتظر التوقيع من مختلف الأطراف بعدما وقعتها حركة فتح، فيما مازالت تطرح حركة حماس ثلاث ملاحظات على الورقة وتتعلق بمواضيع إعادة بناء منظمة التحرير، وإعادة يناء الأجهزة الأمنية، وقانون الانتخابات، وبانتظار الحسم فيها، إضافة لمسألة الاعتقال السياسي في الضفة الغربية.
هذا إذا أضفنا القول بأن العديد من القوى والفصائل بما فيها من فصائل منظمة التحرير، سجلت بدورها ملاحظات على الورقة المصرية، إلا أنها ارتأت ضرورة التوقيع عليها باعتبارها أفضل الموجود، وعلى أن يتم تذليل باقي التباينات والعمل على حلها.
منظمة التحرير
ومن جانب اخر، فان المتغيرات الأخيرة في الساحة الفلسطينية، والتي تمت من خلال دعوة المجلس المركزي لمنظمة التحرير للاجتماع بداية أكتوبر 2009، واستصدار قرار بتمديد ولاية المجلس التشريعي والرئاسة معاً إلى حين إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، أثار أيضاً جملة من الإشكاليات الداخلية، وهي إشكالات وان تمحورت عند كل طرف حول نظامية أو عدم نظامية وقانونية قرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير، إلا أنها تخفي وراءها في الحقيقة جوهر الموضوع المتمثل بالخلاف السياسي.
وعليه، فان الاستحقاق الرئيسي القادم الذي ينتظر الفلسطينيين في العام الجديد 2010 فيتمثل في أمرين اثنين، أولهما توقيع الورقة المصرية بعد حسم التباينات في النقاط الثلاث المذكورة وبالتالي السير في طريق إعادة توحيد البيت الفلسطيني قولاً وعملاً بكل ما للكلمة من معنى، وتحديد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة (وليفز من يفز).
وثانيهما إنهاء صفقة تبادل الأسرى بين العسكري الصهيوني جلعاد شليت ودفعة كبيرة من مناضلي وأبناء فلسطين وتحريرهم من سجون الاحتلال وعلى رأسهم الأمين العام للجبهة الشعبية احمد سعدات، ومروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح.
في الصميم
غزة ..عام من الحصار الشامل
تعرض قطاع غزة لحرب إسرائيلية شاملة في بداية العام 2009 ، وكانت هذه الحرب قد شنتها اسرائيل ضد القطاع في نهاية العام2008، ومنذ ذلك الحين يخضع القطاع لحصار شامل من جانب اسرائيل والولايات المتحدة واوروبا، من دون أي اعتبار للحاجات الانسانية لسكان القطاع البالغ عددهم نحو المليون ونصف المليون نسمة.
ويشكل نحو 33 .1% من مساحة فلسطين التاريخية، والقطاع يمتد على شكل شريط شمال غرب فلسطين التاريخية شبه جزيرة. وتحد القطاع إسرائيل شمالا وشرقا، وتحده مصر من الجنوب الغربي. ويمتد قطاع غزة على مساحة 360 كلم مربعا، ويبلغ طوله 41 كلم، وعرضه يتراوح ما بين 6 و12 كلم.
ويوجد بالقطاع حوالى 44 منطقة سكنية أهمها: غزة ورفح وخان يونس ودير البلح وبيت لاهيا وبيت حانون وجباليا. ويضم القطاع عدة مخيمات للاجئين منها رفح وخان يونس ودير البلح والنصيرات والشاطئ والمغازي والبريج وجباليا.
و تحيط القطاع سبعة معابر تتبع منها ستة إسرائيل، بينما يخضع معبر رفح للسيادة المصرية الفلسطينية المشتركة من جانبي الحدود، ويعد شريان الحياة للشعب الفلسطيني في القطاع.
علي بدوان