إذا إستثنينا بعض الإضاءات القليلة الشاحبة في مشهد التفاعلات العربية البينية، مثل المصالحة السورية السعودية وإهتداء الساحة اللبنانية إلى حكومة توافقية، وفتور أحداث العنف الداخلي في الجزائر، ومثل هذه الإضاءات على صعيد العلاقات العربية الدولية، كالخطاب الأميركي الأميل إلى لغة تهدئة خواطر العرب في عهد الإدارة الديمقراطية، والانشغال التركي بتنشيط التعاون والشراكة العربية التركية، إذا فعلنا ذلك، ربما إنتهينا إلى ان أحداث العام 2009 كانت إمتداداً لما قبلها لجهة الرتابة وعدم الحسم بالنسبة لكل القضايا العربية الساخنة والملتهبة على المستويين الداخلي والخارجي.

النظرة البانورامية لحال العرب توحي بأفول زمن التحولات الفارقة والإنعطافات الحادة على هذين المستويين، وسيطرة الكسل و«الروتينية» والمحاورة في المكان، على طريقة محلك سر.. بحيث يسهل الاعتقاد بأن السنوات التي تتوالى على العالم العربي، تحمل خاصة توريث القضايا والهموم لبعضها البعض.. فكل التحديات القائمة بين يدي هذا العالم المبتلي تكاد تكون هي هي على مدار بضعة عقود وليس سنوات فقط. والأدعى من ذلك للشكوى، وربما للقنوط، أن الإستبشار بشفاء الأمة العربية من بعض جراحها ومعالجة بعض ما يشغلها ويستنزفها (كتراجع العنف الداخلي في الجزائر ونسبياً في السودان) كما حدث في العام 2009، يكاد يوازيه ويتزامن معه التشاؤم من الوقوع في أحابيل ظواهر مرضية في نقاط أخرى على الخريطة، كما هو الحال في اليمن الذي كان سعيداً ذات حين من الدهر. هذا بالطبع دون الحديث عن الجروح الغائرة القديمة التي ما إنفكت تؤرق مضاجع الأمة وتذكرها بعجزها لعشرات السنين كالقضية الفلسطينية في منطقة القلب، والقضية العراقية منذ وقت أقرب في الجناح الشرقي، والتدافع الممل بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية في آخر الجناح الغربي، وغياب الدولة وإنهيار المجتمع في الصومال على الطرف الجنوبي.

لا جديد في الديمقراطية... لم يحمل 2009 أي جديد صارخ أو خافت بالنسبة لتطور عمليات الإصلاح السياسي، وربما الاقتصادي والاجتماعي أيضاً!. ففي هذا العام تأكدت صحة المقولات بأن طموحات التغيير على سكة التحول الديمقراطي، التي راجت في الأفق العربي، بفعل فاعلين من الخارج، ليست أكثر من فقاعات وبالونات هوائية وخطابات حق يراد بها باطل. والواقع أن خطاب الإصلاح والديمقراطية الذي وجهته الإدارة الأميركية نحو العرب في عهد الجمهوريين والمحافظين الجدد، لاسيما غداة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان قد فتر في نهاية هذا العهد إلى حد كبير. وقد جاءت الإدارة الأميركية الوريثة برعاية باراك أوباما بخطاب بديل تماماً على هذا الصعيد، بما قطع الشك باليقين في أن قضية الإصلاح ليست ضمن ثوابت السياسة الأميركية ولا مبادئها الراسخة في العلاقة مع العالم العربي.

الشاهد بصفة عامة أن العام 2009 طوى صفحاته ومضى بدون أن يترك خلفه بشارة ولا إشارة على غياب أو حتى إضعاف واحد من التحديات الحقيقية (الاستراتيجية) الخارجية الموجهة إلى العرب، وأهمها وأكثرها إلحاحاً وبروزاً الإحتلالين الصهيوني الإسرائيلي في فلسطين (حتى في حدود 1967 الذي تشمل إحتلال الجولان السورية)، والأميركي (الغربي!) في العراق. وليس هنا مقام الإستطراد إلى إخفاق الجهود السياسية لإزاحة الاحتلال الإسرائيلي بالتي هي أسلم وأحسن، ووصولها إلى طريق مسدود.. وكذا شكلية الدعوى الأميركية بالإنسحاب من العراق في العام 2011 وإنعدام المسوغات للإقتناع بجدية هذه الدعوى، كتفاقم الأمن وإخفاق جهود المصالحة الداخلية، وتناقض السياسة الأميركية وتذبذبها (بين أحاديث الإنسحاب الكلي والإنسحاب الجزئي وإستمرار السيطرة عن بعد عبر معاهدة طويلة الأجل مع بغداد...ألخ)..

دول الجوار

لا يمكن الإدعاء أيضاً بأن تفاعلات 2009 قد اهتدت بالعرب إلى موقف واحد أو مقاربة جماعية حقيقية (لا كلامية نظرية) بشأن العلاقة مع الجار الإيراني. العرب بهذا الخصوص منقسمون طرائق قدداً، فمنهم المتخوفون من النفوذ الإيراني الطموح أو الطامع إلى التمدد في الجسد العربي، ويدلل هؤلاء على ذلك بالدور الإيراني الزاعق بين يدي الملف الفلسطيني والسوري واللبناني (وقيل في نهاية العام اليمني أيضاً).

فضلاً عن السيطرة الإيرانية على الجزر العربية الثلاث غير القابلة للمناقشة في طهران.. ومنهم المطمئنون الداعون إلى الصداقة والتعاون وصولاً عند البعض إلى التحالف العضوي مع هذا الجار، على إعتبار أن ما يجمع العرب به أكثر مما يفرقهم معه أو يثير حفيظتهم تجاهه. ويستندون فى ذلك إلى كون طهران قوة متحدية للغرب (الآثم بحق العرب) وإسرائيل (المعتدية عليهم؛ المحتلة لأرضهم). ويذهب آخرون إلى ان الحوار مع طهران هو أفضل الطرق في التعامل معها تعزيزاً لنقاط التلاقي وتهميشاً لمسببات الفرقة والخصام.

ويخطيء من يحسب أن العام 2010 سيأتي بخلاف هذه التوجهات المتباينة، اللهم إلا إذا طرأ تحول درامي كبير في التعامل الدولي (لاسيما الأميركي والإسرائيلي) مع الملف الإيراني بعامة؛ الشق النووي منه بخاصة. فعندئذ من المرجح أن يجبر أصحاب هذه التوجهات على إتخاذ سياسات ومواقف أكثر تحديداً ووضوحاً. وفي فرض أسوأ، ربما إنضوى بعضهم تحت الجناح الإيراني أو إلتزم مواقف الفريق الآخر، بما يفاقم الخلافات البينية العربية، ويضيف عنصرا جديدا للتنافر الصريح مع إيران عوضاً عن سياسية المراوغة واللا وضوح التي سادت لسنوات كثيرة.

عودة تركيا

لعل جديد العام 2009 الأكثر وضوحاً في مضمار العلاقات العربية الإقليمية الدولية، تمثل في الدفء الذي ميز التعامل مع الجار التركي. وللإنصاف فقد جاءت المبادرة الإيجابية في هذا الملف من لدن أنقرة والأغلبية الحاكمة فيها بأكثر مما كانت نتاجاً لحنكة عربية ذاتية في إدارة العلاقات مع طرف إقليمي (شرق أوسطي؟!) قوي، لطلما أرهق جواره العربي.

بعض المتحذلقين العرب فسر هذه المبادرة بظهور ما أسموه بالعثمانية الجديدة، كناية عن رغبة تركيا في إستعادة دورها في الدائرة العربية الإسلامية، وفسرها آخرون بوجود أجندة تركية لمساومة أوروبا والغرب، بهدف تزكية إستقبالها في الإتحاد الأوروبي.. لا أكثر ولا أقل.

بيد أنه بغض النظر عن هذه الاجتهادات، يحسب لانقرة أنها إنفتحت أكثر على العرب، وإرتابت أكثر في ألد أعدائهم (إسرائيل)، وفي هذا وذاك تأميناً وتحصيناً لأمة العرب على الجبهة الشمالية من تخومهم. وفي أضعف الفروض، فان من شأن هذا الإنفتاح تحييد القوة التركية وكف يدها الثقيلة عن المشرق العربي، هذا إن لم يكن في ترطيب الأجواء معها إضافة حليف للعرب في زمن عز فيه مثل هؤلاء الحلفاء.

إن وعي العرب لهذا التقدير وقابلوا المبادرة التركية بمثلها أو بأحسن منها، فسوف يشهد العام 2010 تدعيماً لتعاون عربي تركي طويل الأجل. ولدي الجانب العربي ما يستدرج به أنقرة إلى مثل هذا التعاون، وربما التحالف الاستراتيجي غير القائم على أسس إنتهازية عابرة.

وحتي بفرض كانت الإنتهازية التركية وإستهداف مساومة الأوروبيين والغربيين بعلاقة عربية مشرقية بديلة أمران محتملان، فان بوسع العرب تحويل هذه العلاقة إلى قضية مصلحية ذات أولوية بالنسبة للإتراك، إنطلاقاً من لغة الأبعاد المصلحية الإقتصادية والتجارية والمالية والمشروعات المشتركة التي يفهمونها جيداً وهي التي تحدوهم للتمحك بعالم الغرب.

هنا واشنطن

في الدائرة الدولية الأوسع، كان في التحركات الأميركية تجاه العرب ما يغري باعتبار 2009 نقطة إنعطافية أقرب إلى الإيجابية والتفهم. وساعد على هذا الإغراء، الخطاب الثقافي الموشي بعبارات الثناء على الحضارة العربية الإسلامية والرغبة في إحداث قطيعة مع المنظور الاستقوائي العنجهي، الذي إستهلت به إدارة باراك أوباما دورتها الأولى للحكم منذ بداية العام .وبلغ هذا الإغراء قمته في منصف العام، عبر الخطاب الشامل والعميق الذي وجهه أوباما للعالمين العربي والإسلامي من جامعة القاهرة.

لكن الخط البياني للسلوك العملي لسياسة واشنطن العربية، غداة هذه المناسبة وصولاً إلى نهاية العام، أكد أن ثقافة تحسين الصورة ودغدغة العواطف لا تكفي وحدها للإستبشار بتحول ثوري في هذا السلوك، وأن السياسة الأميركية العربية مازالت مشدودة إلى كثير من قديمها. لا سيما فيما يخص الصراع الإسرائيلي العربي والقضية الفلسطينية، علاوة على القضية العراقية، والموقف من عمليات الإصلاح السياسي وحقوق الشعوب والإنسان.

ففي اللحظات والمناسبات التي مثلت إختبارات لإختيارات الإدارة الأميركية، لم يصمد خطاب أوباما التصالحي. وظلت سياسة إدارته معلقة بالمقاربة الأميركية الإنحيازية التقليدية لإسرائيل. وقد صال ممثل أوباما المبعوث ميتشيل وجال جيئة وذهاباً إلى المنطقة العربية ومنها، بدون أن يتمكن من تحريك دولاب التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل إلى الامام، وكذا من غير أن يثبت جدوى الدبلوماسية الأميركية في تمرير حل الدولتين على الصعيد الفلسطيني الإسرائيلي.

وفي وقائع بعينها، مثل الجدل حول تقرير جولدستون بشأن العدوان الإسرائيلي على غزة وتوابعه، والمطلب الفلسطيني (والعربي) يوقف الإستيطان الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة 1967، وبخاصة في القدس ورحابها، أظهرت إدارة أوباما عجزها عن إتخاذ مسافة من الحليف الإسرائيلي.. وكانت الكلمة النهائية لصالح الأخير.

ازدواجية القول والفعل

وتثبت أيضا حالة الإزدواج والفارق بين القول والفعل أميركياً تجاه القضايا العربية عند تأمل السياسة الأميركية العراقية على مدار 2009. فقد أوفت إدارة أوباما بوعد الخروج من المدن العراقية، غير انها تبنت خطاباً مراوغاً فيما يتعلق بالخطوة التالية الأهم، وهي الإنسحاب الكامل من العراق.

إذ أدلي بعض مسؤوليها بتصريحات تؤكد أن هذا الأمر واقع لا محالة عام 2011، فيما ناقضهم مسؤولون آخرون، ذهبوا إلى أن القوات الأميركية ربما تبقي هناك لعقود وليس سنوات أخري فقط. وقال فريق ثالث بأن المستقبل القريب سيشهد إبرام معاهدات أميركية عراقية، تضمن لواشنطن نفوذاً وكلمة عليا في بغداد إلى أجل غير معلوم!.

ثم إن واشنطن في عهدها «التصالحي» هذا، راوغت أيضاً وراحت بين الاقتراب من والابتعاد عن الكلمة السواء حقوقياً وسياسياً مع دول عربية أخري. فهي مثلاً لطفت أجواء التعامل مع دمشق، فيما أبرزت أنيابها تجاه الخرطوم. وكان المعيار في هذه المواقف هو إستشعار مدي ملائمة سلوك هذه الدولة (النظام) أو تلك مع تقديراتها ورؤاها لمصالحها الذاتية، بمعزل عن تقديرات الآخرين ورؤاهم وإحتمال وقوع أضرار عليهم.

ومن ذلك بلا حصر، أن واشنطن تزعمت الحملة القانونية الشرسة غربياً ضد نظام الرئيس السوداني عمر البشير، بذريعة إرتكابه جرائم ضد الإنسانية في دارفور وضرورة خضوع الرئيس البشير شخصياً للمساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية. هذا على حين مارست ضغوطاً جبارة لإثناء السلطة الفلسطينية عن طلب مناقشة تقرير جولدستون في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وتوعدت باستخدام حقها في النقض (الفيتو) ضد التقرير إن وصل إلى مجلس الأمن!.

وفي الوقت ذاته، ظلت إدارة أوباما حريصة على موقف عدم إخضاع الضباط والجنود الأميركيين للمسائلة خارج المجال الأميركي بغض النظر عما يقترفوه من موبقات في عوالم الآخرين (كما هو الحال في العراق وافغانستان).

لا حديث عن الاصلاح

ويجوز في هذا السياق أيضاً ملاحظة سكوت واشنطن أوباما وبطانته في عامهم الأول 2009، عن الكلام الأميركي المباح بخصوص قضية الإصلاح السياسي وبسط الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي .وبالتداعي، اعتبار هذا السكوت من مستجدات سياسة هذه الإدارة عربياً، التى لم يخف الرئيس الأميركي الإشارة اليها مباشرة بجامعة القاهرة. مبرراً ذلك بترك الخيار لأهل المنطقة الأدري بشعابها وشعوبها.

والحق أن هذا موقف يصعب تصنيفه وإدراجه في باب الإيجابيات أم السلبيات.. فقد أثيرت على ضفافه وهوامشه أفكار عربية متشاكسة. فالنظم إرتاحت إليه بحسبه رفع عن كاهلها ورقة إستمرأت واشنطن إستخدامها كلما عنّ لها مباغتتها والتلويح بالتشهير بها. وكانت تري في هذه الورقة شيئاً منكراً، لاسيما حين كانت إدارة بوش السابقة لا تتورع عن رفعها في وجه الجميع، بما في ذلك أصدقاء الولايات المتحدة والقوي الموصوفة بالاعتدال.

وفي الوقت ذاته، رأي عرب الممانعة وتيارات الخصومة الصريحة مع واشنطن أن الأخيرة بسحبها وابتلاعها لحديث الإصلاح، إنما أثبتت صحة إتجاههم ومواقفهم في أن أهدافها لم تكن بسط الديمقراطية ولا حقوق الإنسان.. بل مراعاة مصالحها أولاً وأخيراً وليس السهر على ما تدعيه من مباديء ومثل عليا.

بديات ونتائج متماثلة

ومن ناحية ثالثة، جأر «الديمقراطيون العرب» والمعجبون بالمثل الغربية «الديمقراطية»؛ الداعون لها، بالشكوي من إشاحة واشنطن وجهها عنهم والتنكر لهم. لكن النتيجة في كل حال بقيت واحدة، إذ تراجع بالفعل حديث الإصلاح السياسي، وكذا مواجهة الفساد، في الرحاب العربية عموماً. بحيث لم تضف تفاعلات 2009 جديداً متميزاً في هذا الإطار.

كما أن الانتخابات الرئاسية أو النيابية التي شهدتها دول عربية كالجزائر وموريتانيا وتونس، مضت على الطريق ذاته وإنتهت إلى النتائج ذاتها التي سبق أن عرفتها مثل هذه التجارب الانتخابية، دون أن تترك أثراً لتحولات ديمقراطية تلفت النظر وتسترعي الانتباه.

ولأن الإصلاح السياسي، وغير السياسي، عملية مجتمعية تاريخية بطيئة ولا تحدث بغتة، فمن غير المنتظر أن يأتي العام 2010 بما لم يستطع العالم العربي، كلياً وجزئياً، تحقيقه في 2009 وماقبله. كما لا يمكن الاعتماد على المحفز الخارجي في ابتداع وصفه جاهزة لهذه العملية.

وعليه، يتحتم على دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد عربياً، تطوير أدائهم من الداخل والاعتماد على أنفسهم والأخذ بمنهجية النفس الطويل ومراكمة إنجازاتهم وإن كانت قليلة ولا تحدث الإ بشق الأنفس.. أما التخلي عن هذا الهدف، بزعم المعاكسة الأميركية أو الغربية لهم أو التخلي عنهم، فانه أمر يوجب رميهم بالانتهازية وعدم الإصالة ومشاركتهم الداعمين الخارجيين في هذه الصفات.

لبنان والسودان

على الصعيد الداخلي وخريطة المنازعات الأهلية والمصالحات البينية، كان 2009 إستمراراً لما قبله باستثناء بعض الوقائع ذات الدلالة والتي قد تظهر تجلياتها السلبية أو الايجابية خلال 2010. فقد تمكن الفرقاء اللبنانيون من تجاوز أزمة تشكيل الحكومة وإن بصعوبة بالغة.

وقد إنقضت سحابة العام بدون أن يسهل الزعم بالاستقرار النهائي لهذه الحكومة وبالتالي إستقرار الوفاق الوطني. فمازالت خرائط التحالف محفوفة بالتغير وعدم اليقين. وظهر أن بعض الأطراف المشاركة في إئتلاف بعينه يمكن أن تشذ عن القاعدة وتتخذ مواقف رجراجة متأرجحة. ومع ذلك، يحسب للعامل السوري مساهمته الإيجابية في الوصول بالحالة اللبنانية إلى وضعية اللا خطر ومحاولة المساعدة في تذليل العقبات والتهدأة السياسية.

وقد تلصصت في نهاية العام ما قد تعتبر إنذارات إسرائيلية باحتمال تصعيد عسكري ضد لبنان، من مدخل الإدعاء بأن قوي لبنانية بعينها (حزب الله) تراكم التسلح إلى حد يهدد الأمن الإسرائيلي. وربما كانت تل أبيب تبيت بهذا الخصوص أمراً في 2010، لاسيما بعد أن لاحظت الهدوء النسبي بين الأطراف الداخلية في هذا البلد الذي إستعصى عليها تطويعه أو هزيمته.

وهناك أوجه شبه مع المشهد اللبناني لجهة التهدئة الوطنية في السودان. فقد قلت إلى حد ملموس حوادث وأعمال العنف في إقليم دارفور قياساً بالأعوام القليلة الماضية. وبذلت الخرطوم جهوداً واضحة في مضمار التجاوب مع الضغوط والنداءات الدولية بعدم اللجوء للعنف وحده ضد متمردي الإقليم. ومع ذلك، فان هذه الضغوط ذهبت إلى أبعد مدياتها بصدور مذكرة جلب وإستدعاء للرئيس السوداني وبعض معاونيه إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.

نتائج سلبية

وبشيء من المبالغة، يمكن الاعتقاد بأن هذا المستجد أدى إلى نتائج سلبية بالنسبة للحالة في دارفور وربما بالنسبة لعموم السودان، إذ ذهب النظام إلى إتهام فرق المساعدات الدولية والمنظمات غير الحكومية برفع تقارير مكذوبة عن سلوكه تجاه أهل دارفور، وأصدر أوامره بسحب تصاريح بعض هذه المؤسسات، واعداً باستبدالها بفرق محلية وعربية وأفريقية. ومن المعلوم أن هذا الاستبدال يحتاج إلى خبرات وإمكانات كبيرة، يصعب وجودها أو إعدادها بسهولة بالنسبة للدولة السودانية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى حصول الخرطوم على دعم ومؤازرة عربية وأفريقية في مواجهة الادعاء القضائي الدولي، باعتباره تجاوز القوانين والاعراف باستدعائه لرئيس دولة يتمتع بالحصانة الرئاسية، وكذا بإعتبار انه إستند إلى أدلة ودفوع مشكوك في صحتها ويعاني من الازدواجية في المعايير ومن التسييس بشكل واضح.

وكان من سلبيات الإدعاء على الرئيس السوداني أن تضعضعت أسس الحوار والمصالحة الداخلية بين الخرطوم ومتمردي دارفور التي رعتها عواصم عربية مثل الدوحة. والأرجح أن يستمر هذا التأثير السلبي للعامل الخارجي على هذه الأسس في غضون العام ,2010. هذا إلا ان حدث تحول كبير يؤدي إلى زوال هذا الإدعاء، بما يفتح مجالاً لإستئناف الوساطات الحميدة على طريق تسوية الأزمة في دارفور.

الحالة الصومالية

وعلى مقربة من السودان، ظلت الحالة الصومالية، المتفردة في فوضويتها وتبعثرها أشلاء إلى درك غياب الدولة منذ العقدين، تحاور في مكانها. ومع أن المراوحة ظلت السمة الغالبة على هذه الحالة في 2009، إلا أنه يمكن رصد تفاقمها على مستويين.. الأول، هو إهمالها بالكامل تقريباً من لدن المحيطين الاقليمي والدولي، بحيث بدت وكأنها حالة ميئوس من إعادة ترميمها وإصلاحها.

الأمر الذي أطلق إلى أبعد الحدود أيادي امراء الجهات والطوائف والعشائر تحكماً في رقاب البلاد والعباد. والثاني، هو انتقال تداعيات الفوضى الأهلية وأعمال التخريب من البر إلى البحر، على نحو تجلى في إنتشار القرصنة البحرية بالجوار.

وقد أثارت هذه الظاهرة الأخيرة تساؤلات عن أسرارها ومسبباتها ومن يقف خلفها بالتحديد، بقدر ما أثارت مخاوف أمنية ذات أصداء دولية على التخوم الجنوبية للبحر الأحمر وبحر العرب. وكان مما قيل، ومازال يتردد بهذا الشأن، ان القراصنة الجدد قد لا يكونون بعيدين عن أجندات قوى دولية، يعنيها تكثيف وجودها على هذا الممر الحيوي للتجارة الدولية، النفطية منها بخاصة. وقد تعزز هذا التفكير أو التصور التآمري بالنظر إلى التحركات الفعلية لبعض القوى الدولية عسكرياً في المنطقة تحت غطاء تأمين مصالحها وقوافلها التجارية.

مثل هذا التقدير لا يخلو من وجاهة. والحال أن هجران الأزمة الصومالية وإيداعها جانباً من قبل المحيط الاقليمي العربي قد يفضي في العام 2010 أو في الفترة التالية إلى مزيد من التخريب الأمني بالنسبة لهذا الإقليم بعام، والدول المتشاطئة للبحر الأحمر بخاصة. وهذا يستدعي إعادة الاعتبار لجهود الوفاق والمصالحة الأهلية في هذا البلد الذي عانى أبناؤه من ظلم أكابره والمتنفذين فيه ومن جور الطبيعة عليهم بالجفاف والقحط، بما جعلهم على رأس قائمة الأكثر فقراً وجوعاً في هذا العالم الفسيح.

الخاصرة اليمنية

وبينما كان عرب 2009 مشغولين أو بالأحرى مثقلين بملفات إحتلالين جاثمين على صدر فلسطين والعراق، وبجروح داخلية تستنزفهم أمنياً وإقتصادياً، إذا بهم مدعوون للتعامل مع جرح داخلي جديد، داهمهم هذه المرة من الخاصرة اليمنية. ولم تقتصر دواعي هذا الجرح، الذي بلغ حدالاقتنال الأهلي الدامي، على ما بين الحكومة في صنعاء وبين الجماعة السياسية الدينية المعروفة بالحوثيين؛ بل استطرد التنافر الداخلي إلى ما بين هذه الحكومة (المركزية) وبين جماعات سياسية تنتمي إلى جنوبي البلاد الأقرب إلى منهجية الانفصال والإنتكاس إلى عهد الدولتين الشمالية والجنوبية.

هذا التعامد بين خطرين داخليين إمتد وإستطرق إلى الحدود المشتركة مع العربية السعودية، التي تدخلت عسكرياً فى نهاية العام لوقف عمليات تسلل الحوثيين إليها وإحتمال إثارة الفتنة في جنوبي المملكة. أكثر من هذا توسيعاً لهذا الخطر أن صنعاء كالت إتهامات لدولة اقليمية كبيرة كإيران بدعم الحوثيين توخياً لمد نفوذها إلى جنوبي الجزيرة العربية. وكأن العالم العربي ينقصه هذا العامل المضاف للشقاق مع هذه الدولة!.

ولا توجد شواهد على أيلولة هذا النزاع إلى الزوال في 2010، على إعتبار أن لغة الحوار والتفاهم لم تجد وربما لا تجد لها أصداء بين الفرقاء، كما ان صنعاء قد لا تملك ترف البحث عن أرضية مشتركة مع إتجاهين، أحدهما متطرف دينياً وطائفياً والآخر إنفصالي يهدد وحدة البلاد وكينونتها الإقليمية.

أزمة البطالة العربية

في خلفية المشهد السياسي المفعم بالتعقيدات والتحديات خارجياً وداخلياً، تلقي العالم العربي في العام 2009 بعض أصداء الأزمة الاقتصادية المالية الدولية، وذلك بتأثير آليات العولمة، التى تسمح بسهولة انتشار هذه الأصداء فى جهات الدنيا الأربع.

ورغم محاولة معظم الدول العربية الادعاء بأنها كانت بمفازة ومنجاة من توابع هذه الأزمة، الا ان ثمة حقائق تعاكس هذا الادعاء. وكان أكثرها بروزا تلك المتعلقة بضيق سوق العمل وتفاقم البطالة. فالبيانات الدولية المتعلقة بالسكان والعمالة لعام 2009 أشارت إلى حاجة الدول العربية لإيجاد ما لا يقل عن 100 مليون فرصة عمل أو وظيفة خلال العقدين القادمين. وهذا الرقم هو عدد المؤهلين لطلب العمل في الفترة المذكورة من بين مجموع العرب البالغ حالياً نحو 330 مليون نسمة.

من المعروف أن الأزمة الاقتصادية والعالمية قد راكمت أعداد المتعطلين حتى داخل المجتمعات المتقدمة. وفي دول الاتحاد الأوروبي أضحت مشكلة البطالة ضمن الشواغل التي إستدعت عقد قمة بالخصوص في ربيع 2009. غير أن ضآلة فرص العمل في معظم الدول العربية، لا سيما غير المحظوظة نفطياً، وبالتداعي تفشي البطالة إلى حدود الخطر، أقدم زمنياً من الأزمة الراهنة. وإن كان من الصحيح أن الأزمة أدت إلى تفاقم هذ الوضعية عربياً.

قوارب الموت

وليس مما يثير التفاؤل أن تؤكد إستطلاعات للرأي جرت في 2009 فقدان الشباب العربي للأمل في مستقبل أفضل على صعيد العمل والكسب. فزهاء 60% من الشريحة المرشحة حالياً أو قريباً لإقتحام سوق العمل، أبدوا فى2009 إستعدادهم للعيش في بلد اخر إذا أتيحت لهم فرص عمل مناسبة.

والأهم أن نسبة تصل في بعض البلاد العربية إلى 70% من هذه الشريحة لم يؤمنوا بإمكانية الحصول على وظائف بدون واسطة أو محسوبية، كما أكد نحو 90% أن الفساد مستشري على نطاق واسع في مجال الأعمال . ورأى ما بين 75% و85% أن القطاع الخاص والأعمال الحرة لا يبالي بغير تحقيق الربح.

هذه الحقائق والمعطيات تكفي لإستيضاح اسباب إستماتة بعض الشباب العربى بحثاً عن الانتقال إلى عوالم الآخرين، لا سيما شمال المتوسط؟.. كما تفسر المعطيات ذاتها حقيقة الأخبار غير السارة التي ترددت خلال العام عن الشباب الذين يلقون حتفهم في عرض البحر أثناء رحلة السعي إلى مستقبل مغاير في قوارب سماسرة العمل المهترئة؟!..

أبجديات فقه الاقتصاد تقول بأن الإنسان هو أهم الموارد اللازمة للتنمية. والمشهد العربي العام، العابر للدولة القطرية، يؤكد وفرة هذا المورد. وليس هذا مقام التفاصيل التي تؤكد بالتوازي غياب التخطيط أو التكامل العربي لإستخدامه أو توظيفه بمنظور شامل.

وفي 2009 راح الجيران الأوروبيون يغلقون أبوابهم أمام سيل العمالة الوافدة، على رغم حاجتهم الماسة لها في بعض المجالات وصعوبة وجود البديل الأوروبي بالنظر لإتساع شريحة الشيوخ مقارنة بالعناصر الشابة!. ذلك لأنهم يحرصون هناك على تغليب نزعة الأوربة وحماية نظامهم الاقليمي من غزو العمالة المهاجرة، ومؤثرات السياسة هنا تتفوق على موجبات الاقتصاد.

بمحاكاة هذه المنهجية، يستطيع العرب مقاومة العجز في إستغلال موردهم البشري الفتي والثمين. وإذا صدقت النيات وفطن الجميع إلى هذه المنهجية، فان في العام 2010 متسع للبحث عن البداية الصحيحة لتطبيقها.

في الصميم

140 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر

يعيش نحو 140 مليون عربي تحت خط الفقر، جاء ذلك في تقرير «تحديات التنمية في الدول العربية»، الصادر عن جامعة الدول العربية. وتم إطلاقه ضمن فعاليات الدورة ال؟؟ لمجلس وزراء التنمية والشؤون الاجتماعية العرب. وفي مقدمة التقرير قال عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية إن «القمة العربية الاقتصادية الاجتماعية في الكويت عبرت عن توافق كبير في آراء القادة العرب حول أهمية رفع معدلات التنمية ومواجهة تحدياتها كضرورة لتحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي لدول المنطقة، والذي لا يقل أهمية عن مواجهة التحديات التي تواجه أمنها الوطني».

وجاء في التقرير أن نسبة الشباب «العاطلين» تزيد على 50% بالنسبة لمعظم الدول العربية مما يجعل معدل البطالة بين الشباب العربي الأعلى في العالم، وطالب التقرير بتوفير نحو ؟؟ مليون فرصة عمل جديدة خلال السنوات العشر المقبلة.

ورصد التقرير ستة تحديات أساسية تواجه الدول العربي وتشمل إصلاح المؤسسات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز وتمويل عمليات النمو لصالح الفقراء، وإصلاح نظم التعليم، وتنويع مصادر النمو الاقتصادي، وزيادة الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي. ودعا التقرير العالم العربي إلى اتباع نهج اقتصادي جديد يعتمد على التحول من نموذج نمو قائم على «البترول» والمواد الأولية، وإلى نموذج الدولة التنموية وتحقيق الأمن الغذائي من خلال عقد جهد.

د. محمد خالد الأزعر