التغير المناخي عنوان كبير جداً سواء ظهر في افتتاحية صحيفة محلية، أو في ندوة تنظمها إحدى الفضائيات الإعلامية، أو في محاضرة تُلقى في إحدى القاعات. إلا أنه يكتسب حجماً أكبر وأهمية أعظم حين يكون العنوان الوحيد في مناسبة خاصة ترعاها منظمة الأمم المتحدة، للمرة الثالثة، في قمة كوبنهاغن.
الأرض تتعرض لخطر داهم وكبير، هو التغير المناخي، فالعلماء في معظم الجامعات ومراكز البحوث في مختلف دول العالم يعزون، من خلال دراسات أكاديمية رصينة ورصد دقيق على مدى سنوات طويلة، زيادة معدلات سقوط الأمطار الغزيرة في بعض المناطق وارتفاع مناسيب البحار وزيادة تكرارية الأعاصير، وتزايد العواصف الترابية والفيضانات واتساع رقعة الجفاف وتراجع خصوبة الأرض وانتشار المجاعات، إلى ظاهرة التغير المناخي، ويحملون مسؤولية ذلك بالدرجة الرئيسية لغاز ثاني أوكسيد الكربون الذي ينبعث جراء حرق الفحم والنفط والغاز.
مخاطر متنوعة... وتشير دراسات عديدة إلى مخاطر ما قد يترتب على ذلك من تداعيات في المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية قد تهدد وجود بعض الدول النامية وتضاعف موجات النزوح والهجرة وطلبات اللجوء السياسي والإنساني بشكل غير مسبوق، كما ترجح الدراسات، إضافة إلى ذلك، اندلاع الحروب نتيجة الخلافات حول توزيع المياه. فإن من يعانون من شحة المياه، وهو عدد يربو على البليون شخص في العالم، معظمهم في القارة الأفريقية، ستكون أوضاعهم أكثر سوءاً بسبب تزايد الاضطرابات في دورات الأمطار ومعدلات سقوطها وما يترتب على ذلك من شح في الموارد الغذائية.
قمة كوبنهاغن التي رعتها الأمم المتحدة وامتدت من السابع في ديسمبر حتى الثامن عشر منه، قمة متميزة ذات طابع خاص لأنها قمة الأرض الثالثة. انعقادها وأجندتها وما تمخضت عنه في بيانها الختامي يهم جميع من يقطن كوكب الأرض. فمع أن المحاور التي تتعلق بسلامة البيئة قد قاربتها عشرات الاتفاقيات الإقليمية والدولية على مدى عشرات السنين، إلا أن الأرض وما يتعرض له مناخها من تغيير لا يمكن التنبؤ بتداعياته أكبر من جميع العناوين الأخرى. فقد حظي التغير المناخي باهتمام عالمي للمرة الأولى عام 1991 في القمة التي عقدت في المدينة البرازيلية «ريو»، ثم في قمة ثانية في مدينة «كيوتو» اليابانية، وها نحن نشهد ختام القمة الثالثة في العاصمة الدنماركية.
القمة تصدر بيانها الختامي دون أن تتمكن 192 دولة حضرتها، وشارك فيها سياسيون ودبلوماسيون وعلماء، حاول خلالها آلاف المفاوضين تقريب وجهات النظر المتباعدة، وتحشد عشرات الألوف من أنصار البيئة خارج صالات انعقادها لممارسة الضغوط عليها، وحظيت باهتمام إعلامي غير مسبوق، من التوصل إلى صيغة لدرء المخاطر المتوقعة بسبب الإفراط في الإساءة إلى البيئة.
في غضون ساعات قليلة من بدء القمة بدأت الآمال بما ستتمخض عنه تخبو تدريجياً خاصة بعد أن بدأت مواقف الدول ذات الأهمية الخاصة في مقاربة هذا الموضوع الهام تتباعد حين بدأ الحديث في التفاصيل، وبعد أن أرجأ الرئيس الأمريكي حضوره إلى اليوم الأخير، وبعد أن أعلنت بكين بأن رئيس الوزراء وليس الرئيس هو من سيحضر القمة. وبدأ سقف التوقعات المتفائلة بالهبوط السريع وتعاظمت المخاوف من وصول القمة إلى نهايتها دون التوصل إلى ما يطمئن العالم الذي يراقب ما يجري بقلق وترقب متأرجحاً بين الأمل وبين الإحباط.
التفاؤل كان دافعه اشارات مشجعة صدرت عن أبرز دولتين مسؤولتين عن انبعاث الغازات الدفيئة وهما الولايات المتحدة والصين عند زيارة الرئيس الأمريكي أوباما للصين في نوفمبر المنصرم وهو اتفاق الدولتين على إجراء تخفيض كبير في انبعاث الغازات الدفيئة، فهاتان الدولتان تسهمان معاً بما يزيد على 40% من المجموع الكلي للغازات الدفيئة المنبعثة في العالم.
اتفاق غامض
تميزت أجواء القمة بشدة الخلافات بين الدول الصناعية الكبرى وبين الدول النامية من جهة، وخلافات بين الدول الصناعية الكبرى نفسها من جهة أخرى. وكانت النتيجة النهائية بائسة ومخيبة للآمال على الرغم من أن بعض القادة في أوروبا قد اعتبرتها أفضل ما أمكن التوصل إليه. أما الدول النامية فلم يكن لها رأي فيما تقرر رغم أنها الأكثر تضرراً بالتقلبات المناخية التي يصنعها الكبار، الأكثر استهلاكاً للفحم والنفط والغاز.
إذ لم يجد المشاركون في القمة مخرجاً من الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات سوى الاعتراف بالاتفاق الذي توصلت إليه الولايات المتحدة مع الصين والذي حظي بموافقة الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وبعض دول الإتحاد الأوروبي في الساعات الأخيرة من القمة، من دون أن يصادق عليه رسمياً فذلك يتطلب الرجوع إلى الجهات التي تضفي الشرعية على الاتفاق في كل بلد وتفرض الالتزام بتنفيذه.
لذلك فان ما صدر عن قمة كوبنهاغن لا يعدو كونه بياناً لإعلان النوايا فحسب وليس بروتوكولاً ملزماً. وهذا ما لم يخفيه الرئيس الأمريكي الذي صرح في نهاية القمة بأن «التوصل إلى اتفاقية ملزمة قانونياً حول المناخ سيكون صعباً جداً، وسيحتاج مزيداً من الوقت».
لعل أبرز ما جاءت به قمة كوبنهاغن هو تكريس هيمنة الكبار، واستمرار تجاهلهم لمصالح الدول الأخرى. فقد أعادت هذه القمة نياطة مستقبل كوكب الأرض بمدى شهية النخب السياسية الحاكمة في بضعة دول صناعية لالتهام النفط والغاز بسياق جديد غير واضح المعالم.
وتضمن البيان الختامي للقمة الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي رغبة الحاضرين في العمل على تخفيض انبعاث الغازات الدفيئة بمقدار 80% بحلول عام 2050 وتخصيص مبلغ قدره 30 بليون دولار على مدى الأعوام الثلاثة لغاية عام 2012 كمساعدات للدول الفقيرة لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية، على أن ترتفع مبالغ المساعدات إلى 100 بليون دولار بحلول العام 2020. كما تضمن البيان اتفاق الدول على ضرورة عدم السماح لارتفاع درجة حرارة الأرض بما يزيد على درجتين مئويتين مقارنة بدرجة الحرارة التي كانت عليها أبان فترة ما قبل العصر الصناعي.
مصالح ونخب
الخلافات التي أعاقت التوصل إلى صيغة أفضل مما توصلت إليه يرجع إلى صراع بين اتجاهين: الأول مصلحي يسعى إلى إدامة معدلات النمو السائدة في اقتصاده وفي نفوذه السياسي ولا يرغب في تحميل منتجاته البضاعية كلفة إضافية تفقدها ميزة التنافس وتجعلها أقل جاذبية في نظر المستهلك. يمثل هذا الاتجاه المؤسسات الرسمية الحاكمة في الدول الصناعية الكبرى خاصة الولايات المتحدة والصين. أما الثاني فهو اتجاه النخب الفكرية والعلمية الأكثر قرباً والأكثر تحسساً وتقديراً لمخاطر التلكؤ في المعالجات مدعومين بمواقف الدول الفقيرة.
تشير الوثيقة التي اعتمدتها الأمم المتحدة والتي كانت حجر الأساس في مناقشات القمة، والتي تسربت عن طريق وكالة الأسوشيتد برس، بأن الارتفاع المتوقع في درجة حرارة الأرض سيكون مقداره ثلاث درجات مئوية خلال العقود القادمة من السنين مقارنة بدرجة حرارة الأرض التي كانت في الفترة التي سبقت العصر الصناعي. وتوصي بناء على ما يراه خبراء المناخ المعتمدين من قبل المنظمة الدولية بأن على جميع دول العالم العمل على خفض الانبعاث بمقدار 5,10 بليون طن سنوياً بحلول عام 2020، فذلك يجنب الأرض من ارتفاع في درجة الحرارة بمقدار يزيد على درجتين مئويتين.
إلا أن الجزر الصغيرة، المهددة أكثر من غيرها بمخاطر التغيرات المناخية، والأكثر حماسة للخروج بقرارات ملزمة أشد صرامة من بروتوكول كيوتو، مدعومة من قبل دول نامية أخرى قد طالبت بتحديد الزيادة في درجة حرارة الأرض عند 5,1 درجة مئوية، وجعل تركيز الغازات المسببة لارتفاع حرارة الأرض عند 350 جزء في المليون بدلاً من 450 جزء في المليون كما ترغب الدول المتقدمة صناعياً وبعض الدول النامية الكبيرة. إلا أن هذا الطلب اصطدم بمعارضة شديدة من قبل الاقتصادات الصاعدة، فقد عارضتها الصين والهند وجنوب أفريقيا متذرعة بأن التزاماتها بهذا التحديد يؤدي إلى تراجع معدلات التنمية الاقتصادية فيها.
زيادة الاحتباس الحراري
ووفق الوثيقة ألتي أشرنا إليها فإن مقدار ما تضخه دول العالم أجمع، في الوقت الحاضر، من غاز ثاني أوكسيد الكربون إلى الهواء يبلغ 38 بليون طن سنوياً، وفي ضوء التزايد في معدلات استهلاك الفحم والنفط والغاز سيرتفع هذا الرقم إلى 54 بليون طن سنوياً بحلول عام 2020. الوثيقة تشير إلى أن ما يضخ إلى الهواء ينبغي أن لا يتجاوز 44 بليون طن سنوياً لتجنب ارتفاع في درجة الحرارة يزيد على درجتين مئويتين.
ومع أن ما تمخض عن هذه القمة لم يرق إلى مستوى الآمال التي عقدت عليها وذلك باعتراف الجميع وعلى رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، إلا أنها كشفت عن مدى الخلل الذي يعتري النظام العالمي وعن مدى عجزه في صناعة موقف موحد أمام قضية تتعلق بمستقبل ومصير البشرية جمعاء. كما أسهمت في زيادة الوعي بأهمية ما يترتب على إهمال البيئة من مخاطر بعد أن نجح الإعلام، على مستوى عالمي، في عرض هذه القضية أمام الرأي العام.
كما كشفت هذه القمة عن ضرورة وأهمية تعزيز دور العلماء في وضع الإستراتيجيات وصياغة القرارات التي تتعلق بالقضايا الكبيرة التي تهم العالم أجمع، حاضراً ومستقبلاً، فالمجتمع العلمي موضوعي في أطروحاته، حيادي في مواقفه، ملتزم بأخلاقياته، حريص على التمسك باستقلاليته، قليل التأثر بمسارات السياسة.
د. محمد عاكف جمال



