رغم التداعيات الخطيرة والآثار السلبية الكبيرة التي عكستها الأزمة المالية على النظام الاقتصادي العالمي، تلك الأزمة التي ألقت بثقلها على الجميع بمن فيهم العرب، ورغم العقبات التي واجهت قوة اندفاع حركة الاقتصاد الإماراتي عموما وحركة اقتصاد دبي خصوصا بسبب هذه الآثار العالمية، إلا أن هذه الأزمة كانت خير برهان على متانة اقتصاد دولة الإمارات وقوة مكوناته المختلفة وقدرته على مواجهة التحديات.

فقد استطاع اقتصاد دولة الإمارات خلال عام 2009 مواصلة حركته وتأكيد قدرته على مواجهة الظروف السلبية والمتغيرة وسط تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية بتوجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وبالإدارة الناجحة للأزمة والحكمة في التعامل مع تداعياتها، من خلال اتخاذ عدد من الإصلاحات والإجراءات التي ساعدت على تجاوز أسوأ مراحل الأزمة المالية العالمية خلال فترة قياسية بأقل الخسائر.

اقتصاد قوي... وقد أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة قوة ومتانة الاقتصاد الوطني في كلمة خلال افتتاح أعمال المجلس الوطني الاتحادي في 21 أكتوبر 2009 : «إنه بالرغم من بعض الانعكاسات السلبية التي خلفتها هذه الأزمة علينا، إلا أنها أثبتت متانة اقتصادنا وقدرته على احتواء تداعياتها المختلفة بعزم واقتدار، وإننا على يقين بأن ما اتخذناه من إجراءات وخطوات حتى الآن سيساهم في استعادة اقتصادنا لزمام المبادرة ومواصلة مسيرة النماء والإعمار بثقة اكبر وعزم أشد، مؤكدين أن اقتصادنا الوطني كل متكامل يستظل بالاتحاد كخيار نهائي ينظم مختلف أوجه حياتنا ويتصدى لكل ما قد نواجهه من تحديات».

كما شدد سموه في حديث صحافي لصحيفة اقتصادية محلية نشرته وكالة أنباء الإمارات على الثقة بقدرة الإمارات على التكيف مع تداعيات الأزمة المالية والتعامل معها بطريقة ناضجة، وأن تعديل بعض الأولويات للتكيف مع آثارها لا يعني أن المسيرة الاقتصادية عرضة للتباطؤ والتهديد. مؤكدا أن القاعدة المتنوعة من مصادر الدخل قادرة على التعامل مع التراجع في أسعار النفط من دون أن يؤثر ذلك كثيرا في خطط التنمية وبرامجها، ولم تأت هذه الثقة من فراغ وإنما استندت إلى أن الاقتصاد الإماراتي يقوم على أسس قوية وتحميه مؤسسات مالية واقتصادية راسخة ومستقرة ولديه خبرة كبيرة في التعامل مع الأزمات وصدقية عالية على الساحة الدولية.

وأوضح سموه أن هناك سوء فهم ومبالغة في تقدير انعكاسات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الوطني، معربا عن ثقته في قدرة الأجهزة المالية والاقتصادية التي تعمل على احتواء تداعيات الأزمة محليا والتعامل مع متطلبات العلاج بالشكل الذي يحفظ لدولة الإمارات مكانتها وسمعتها على الصعيدين الإقليمي والدولي ويبقيها على خريطة الاستثمار العالمي واحة ذات مصداقية عالية.

الأسوأ انتهى

وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قبل نهاية العام وبالتحديد في كلمته الافتتاحية، لأعمال المؤتمر الثاني للشركات الاستثمارية والمستثمرين العالميين، الذي ينظمه بنك «أوف أميركا ميريل لنش» يوم 9نوفمبر الماضي : «إنني واثق من أن الأسوأ قد مر، وأن أقتم غيوم الأزمة الاقتصادية قد انجلت، وأن دبي أصبحت الآن مع بزوغ مؤشرات تعافي الاقتصاد العالمي في وضع يسمح لها باستثمار قواها الكامنة والمتأصلة في ذاتها لخوض جولات جديدة ».

وقد أكدت الإمارات أمام اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 14 أكتوبر 2009 نجاحها في احتواء تأثير الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الراهنة من خلال اتخاذها جملة من الإجراءات الاحترازية التي كفلت استمرار تنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية واستقرار دخل الفرد والأسرة والوفاء بالتزاماتها إزاء المساعدات التنموية والإنسانية الخارجية، فيما صنف البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية الإمارات ضمن أفضل عشر دول اتخذت خطوات حثيثة للحد من تداعيات الأزمة المالية العالمية.

إشادة دولية

وأشادت بعثة صندوق النقد الدولي بالتطورات الاقتصادية التي شهدتها الدولة خلال عامي 2008 و2009 والإجراءات التي اتخذتها من خلال السياسات المالية والنقدية ومكنتها من التغلب على آثار الأزمة المالية العالمية وفقا لتقرير (وام) المنشور على موقع هيئة الأوراق المالية.

وأكدت البعثة أن الاستجابة من قبل حكومة دولة الإمارات للتعامل مع الأزمة المالية العالمية جاءت سريعة وشاملة، مبينة أن هذه السياسة أدت إلى الاستقرار الاقتصادي في الدولة وانعكس ذلك من خلال القرارات التي صدرت بالمضي قدما في المشاريع الاستراتيجية في البنية التحتية، وموضحة أن مؤشرات الاقتصاد الكلي بدت ايجابية، ما يعكس التعافي الذي يمر به اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة وتخطي تبعات الأزمة المالية العالمية.

ولفتت البعثة الدولية إلى أن السيولة العالمية بدأت تتجه مجددا إلى دولة الإمارات عن طريق الأسواق المالية وكذلك الودائع القادمة من شبه الجزيرة العربية أو سويسرا، حيث ارتفعت نسبة الفوائد على الودائع في الدولة والذي يعد أحد الأسباب الهامة لجذب هذه الودائع الأجنبية إلى جانب الاستقرار الذي يتمتع به الاقتصاد الإماراتي بالإضافة إلى ارتفاع نسبة العوائد على السندات التي أصدرتها بعض الجهات في الدولة وأدت إلى جذب هذه الأموال.

حزمة إجراءات

وقد ساهمت حزمة الإجراءات والإصلاحات التي اتخذتها حكومة دولة الإمارات لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية وغيرها في أن يصبح وضع الاقتصاد الإماراتي خلال الربع الأخير من عام 2009 أفضل بكثير مما كان متوقعا في عام 2008 طبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي التي أشارت في شهر أكتوبر 2009 إلى أن الاقتصاد الإماراتي يقترب من وضع التوازي.

واستطاعت دبي التعامل بذكاء مع الحملة الإعلامية الشرسة ضدها ودحض افتراءاتها، واستطاعت سداد القسط المستحق من ديون شركة دبي العالمية ولم تنجح هذه الحملة في التشكيك في تجربة دبي الاقتصادية لأن جدولة الديون تعد إجراءً طبيعيا تلجأ إليه الدول عند الاقتراض لتمويل المشروعات الكبرى، وخصوصا في ظل تلك الأزمة التي لا تخص دبي وحدها أو الإمارات وحدها، بل العالم كله.

المؤسف والغريب أن تلك الحملة تجاهلت النجاح الذي حققته دبي على مدى السنوات الماضية، وذلك النجاح لن يسمح لأزمة عابرة أن تنال من تقدمه خصوصا، وهو الذي كسبت شركاته ومصارفه ثقة الأوساط المالية والاقتصادية العالمية، وأكد قوته وقدرته على تجاوز الأزمات ومواجهة التحديات، فهو جزء من اقتصاد دولة قوية اقتصاديا، وهو ما يتضح جليا من شهادات الهيئات والمنظمات الدولية التي عرضها هذا التقرير.

وقد أظهر مؤشر بنك «اتش اس بي سي» البريطاني للثقة في التجارة في الإمارات أن الشركات في دولة الإمارات هي أكثر ثقة فيما يتعلق بنمو النشاط التجاري خلال الأشهر الثلاثة المقبلة (الربع الثالث من عام 2009) على خلاف نظرائها في هونغ كونغ وسنغافورة، مما يعد إشارة واضحة إلى أن دولة الإمارات لا تزال تشكل موقعا متميزا للأعمال التجارية وجذب فرص النمو.

وتأكيدا لذلك قال وزير الاقتصاد سلطان المنصوري أن الإمارات تمضي بخطى ثابتة نحو الانتعاش، وتوقع أن يبلغ معدل نمو الاقتصاد الإماراتي خلال عام 2009 نسبة 3 .1 في المئة، واصفا هذا المعدل للنمو بالجيد في ظل الظروف التي تواجه دول العالم وتؤدي إلى معطيات مختلفة لأغلب الاقتصادات، في حين يتوقع أن يتراجع التضخم إلى مستويات متدنية قياسا بعام 2008 ليصل إلى حوالي ثلاثة في المئة في الوقت الذي انخفض فيه هذا التضخم وفق معطيات وزارة الاقتصاد إلى 56 .2 في المئة خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2009 بعد أن كان 4 .3 في المئة خلال النصف الأول من العام ذاته.

كما أكدت وزيرة التجارة الخارجية الشيخة لبنى القاسمي في تصريحات في منتصف شهر مايو 2009 على عدم وجود مؤشرات مقلقة حول التجارة الخارجية لدولة الإمارات في ظل الأزمة المالية العالمية.

وأشارت التقديرات إلى زيادة حجم العارضين المشاركين في المعارض المقامة في دولة الإمارات بنسبة 30 في المئة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2009 مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، مما يؤكد حيوية اقتصاد الإمارات وجاذبية أسواقها من الناحية الاستثمارية والتسويقية.

وفي الوقت ذاته أوضحت فيه تصريحات محافظ المصرف المركزي سلطان السويدي أن اتجاه الميزان التجاري يميل لصالح الاقتصاد الوطني والذي بلغ 30 مليار دولار في شهر يوليو و20 مليار دولار في شهر أغسطس عام 2009 فيما بقيت تجارة إعادة التصدير ضمن المستويات المعقولة قياسا إلى تراجع التجارة على مستوى العالم.

تعزيز الاستثمارات

وعلى المستوى الدولي توقعت بعثة صندوق النقد الدولي خلال زيارة عمل لها في الإمارات أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي بواقع 3 في المئة في عام 2010 و3 .4 في المئة في عام 2011 على أن يستمر ليصل إلى نسبة خمسة في المئة عام 2012 بينما سيصل نمو القطاع غير النفطي إلى واحد في المئة في عام 2009 وثلاثة في المئة عام 2010 وأربعة في المئة عام 2011.

كما توقعت أن يتراجع التضخم في عام 2009 ليصل إلى نسبة واحد في المئة، وتعمل الحكومة دوما على تحسين الاستثمارات من خلال مشاريع قوانين اقتصادية جديدة للقضاء على الصعوبات التي تواجه قطاع الأعمال في الدولة وتساهم في تحسين مناخ الأعمال وتعزيز البيئة الاستثمارية وتدعم التنافسية، وتتمثل هذه القوانين في مجالات الاستثمار الأجنبي والشركات التجارية والصناعة والتنافسية.

وقد تركزت الإجراءات التي اتخذتها الدولة في التعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية على جملة إصلاحات اقتصادية ونقدية وتسهيلات مالية تمثلت أبرزها في ضمان الودائع لدى كافة البنوك التي لديها عمليات كبيرة في الإمارات وتوفير تسهيلات لدعم السيولة بقيمة 120 مليار درهم (بما يعادل 7 .32 مليار دولار) موزعة على تسهيلات وزارة المالية والمصرف المركزي مما أدى إلى تحسن وضع السيولة لدى البنوك.كما تم الاحتفاظ بالسياسة النقدية للإمارات في صيغة توسعية تركزت على تحقيق نمو اقتصادي متوازن ترافق مع خفض أسعار الفائدة إلى مستويات تنافسية.

خطوات استباقية

وعلى المستوى المحلي أعلنت إمارات الدولة عن خطوات استراتيجية واستباقية ساهمت في دعم الثقة بالاقتصاد الوطني والمؤسسات المصرفية وبقدرة المؤسسات على الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه جميع الأطراف.

وانعكست هذه الإجراءات واحتفاظ الاقتصاد الوطني على قوته في تزايد الثقة الدولية بالاقتصاد الوطني، إذ قفزت الإمارات 14 درجة في تقرير سهولة ممارسة الأعمال لعام2009الصادر عن مؤسسة التمويل الدولية والبنك الدولي وصعدت إلى المرتبة 33 مما يؤكد جدية الحكومة وعزمها المستمر في تطوير مناخ الأعمال.

كما تبوأت الإمارات المرتبة 23 في تقرير التنافسية العالمية 2009 2010 الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي خلال شهر سبتمبر 2009 بعد أن تقدمت ثماني درجات مقارنة بالعام الماضي.

وجاءت الإمارات في مؤشر نيلسن لثقة المستهلك العالمي في المرتبة السابعة عالميا بين أكثر البلدان تفاؤلا بالتعافي الاقتصادي للربع الثاني من العام الجاري، مسجلة بذلك ارتفاعا بمقدار أربع نقاط لتصل إلى 93 نقطة مقارنة مع 89 نقطة في الربع الأول.

وتقدمت الإمارات إلى المركز 17 عالميا والأول شرق أوسطيا وعربيا ضمن مؤشر أفضل علامات الدول الذي أعدته مؤسسة «إيست ويست» الأمريكية للأبحاث في الربع الثالث من عام 2009 والذي شمل 200 دولة ومنطقة حول العالم بما فيها 192 دولة الأعضاء في الأمم المتحدة.

الإمارات جاذبة للاستثمارات

وأكد تقرير الاستثمار العالمي 2009 الذي أطلقته مؤخرا منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية على احتفاظ دولة الإمارات بجاذبيتها للاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بالكثير من دول العالم المتقدمة فضلا عن دول المنطقة، إذ بلغ عدد المشاريع التي نفذتها الاستثمارات الأجنبية داخل الدولة خلال العام الماضي حوالي 480 مشروعا بزيادة تصل إلى 70 في المئة مقارنة بعام 2007.

في حين بلغ عدد تلك المشاريع خلال الربع الأول من عام 2009 حوالي 136 مشروعا.. أما عدد الصفقات التي قامت بها الإمارات في الخارج في عام 2008 فوصل إلى 59 صفقة بزيادة بلغت 3 .5 في المئة مقارنة بالعام 2007، في حين وصل هذا العدد خلال الستة أشهر الأولى من عام 2009 إلى حوالي 20 صفقة، مما يعكس متانة الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني وارتفاع قدرته التنافسية مقارنة بالكثير من دول المنطقة.

وصنف تقرير توقعات الاستثمار العالمية 2009 - 2011 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) الإمارات ضمن أفضل 30 موقعا عالميا للاستثمار الأجنبي المباشر، مشيرا إلى أن الإمارات تخطت تركيا كأفضل موقع عالمي للاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بمسح العام الماضي 2008 2010 ضمن ثلاث دول أشار إليها التقرير وهي الإمارات العربية المتحدة وتركيا والسعودية.

وجاءت الإمارات في المرتبة 20 عالميا ضمن مؤشر المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) لأفضل دول العالم من حيث التطور المالي 2009 وحافظت على ترتيبها الأول عربيا.

كما تبوأت المرتبة 18 عالميا والمرتبة الأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في سلم تمكين التجارة العالمي 2009 الذي أطلقه المنتدى الاقتصادي العالمي والمؤلف من 121 دولة متقدمة ونامية مما يؤكد الدور الاقتصادي والتجاري الهام للإمارات على مستوى العالم.

وحول مؤشرات اقتصاد الإمارات خلال عام 2008 أكد تقرير الأداء الاقتصادي 2008 الصادر عن وزارة الاقتصاد في شهر أكتوبر 2009 أن الناتج المحلي الإجمالي للدولة نما بالأسعار الجارية عام 2008 بنسبة 23 .3 في المئة ليصل إلى حوالي 3 .934 مليار درهم مقابل 758 مليار درهم عام 2007.

فيما نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات بنسبة 4 .7 في المئة عام 2008 ليصل إلى 6 .535 مليار درهم مقابل 9 .5 في المئة عام 2007 و34 .6 في المئة عام 2006، مما يشير إلى أن تأثير الأزمة المالية العالمية على مجمل مكونات الاقتصاد الوطني كان منذ بدايتها 2008نسبيا ومحدودا، ومع بلوغ ذروتها 2009يمكن تجاوز تداعياتها بما يبشر بالتعافي واستعادة المبادرة مع مطلع 2010 وما يليه من سنوات.

ممدوح طه