شهد العام 2009 فوز الإمارات بثقة العالم لاستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، بما يمثل حدثاً وطنياً متعدد الأبعاد وجدير بالاحتفال،0 12 دولة حضرت اجتماع الوكالة الدولية في «شرم الشيخ» منحت ثقتها للإمارات، بعد انسحاب المنافسين الكبيرين ألمانيا والنمسا، بعدما وضح لهما من واقع ملف الجدارة وقوة دفاع الوفد الإماراتي والوفود العربية السبعة أن استحقاق الإمارات باستضافة مقر «الطاقة الخضراء» في «مدينة مصدر الخضراء» في أبوظبي هو الأكثر قبولاً بين الوفود.
وفي الواقع فإن هذا الفوز ليس إنجازاً وطنياً فقط، بل وعربياً أيضاً، مثلما عبر عن ذلك سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية رئيس وفد الإمارات في هذه الاجتماعات، معتبراً أنه مثار فخر لكل عربي، فهذا الحدث يمثل كسباً حقيقياً للعالم النامي كله ولدول الجنوب كلها ليس في الإقليم العربي الإسلامي فقط، بل في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية المظلومة سياسياً واقتصادياً وعلمياً وإعلامياً في علاقاتها مع دول الشمال.. إذ تستأثر دول الشمال المتقدمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ليس فقط بمقار كل المنظمات الأممية ووكالاتها المتخصصة أيضاً، بل أيضاً بالسيطرة على معظم الرئاسات، وليس أدل على ذلك من أن نيويورك الأميركية مثلاً هي مقر منظمة الأمم المتحدة بجمعيتها العامة التي تمثل برلمان العالم، وبمجلس أمنها الذي يمثل حكومة العالم، ولا يغيب عن ذلك احتكار الطرفين وحدهما لجميع رئاسات (بالتعيين) ومقار وخزائن كل من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي منذ إنشائهما وحتى الآن.
حدث فاصل... إن استضافة الإمارات ل«إيرينا» برئاسة فرنسية تشكل فاصلاً جديداً في العلاقة بين الشمال والجنوب، ذلك أنه لأول مرة تختار دولة نامية عربية لتكون مقراً لمنظمة أممية دولية، وكون هذا تم عن جدارة أقرها العالم يؤكد أن مكانة الإمارات تضعها على الخريطة العالمية كإحدى مصادر التقدم وليس النفط فقط. وبفوزها بثقة العالم في المنافسة مع دولتين كبيرتين من دول الشمال الأوروبية إحداهما وهي النمسا تستضيف مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية فضلاً عن كونها مقر منظمة الأوبك التي تمثل الطاقة الأحفورية، يثبت أن دولة الإمارات العربية المتحدة رغم كونها إحدى دول الجنوب النامية فهذا يضعها في مصاف الدول المتقدمة، ورغم كونها صغيرة الحجم جغرافياً إلا أنها أصبحت كبيرة الوزن إنسانياً ونهضوياً.
على أن الانجاز الأهم وطنياً وإقليمياً وعالمياً معاً هو التوجه العالمي بصورة جدية نحو الاستثمار العلمي والمادي في تطوير مصادر واستخدامات الطاقة المتجددة كمصدر إضافي أو بديل للطاقة التقليدية الأحفورية القابلة للتناقص أو للنضوب يوماً ما والتي لها تأثيراتها السلبية على البيئة، أو للطاقة النووية بكلفتها العالية وبمحاذير استخداماتها رغم كونها بضبط محاذيرها طاقة أساسية للأغراض السلمية في المستقبل، وباحتكار بعض دول الشمال لتقنياتها ومنشآتها وتجهيزاتها ومنع دول الجنوب من امتلاك حتى حق المعرفة العلمية أو التقنية العملية فضلاً عن دورة التخصيب للحصول على الوقود النووي اللازم لتشغيل المفاعلات للاستخدامات السلمية، ولو تحت الرقابة الدولية بحجج مختلفة!
الطاقة الخضراء
إن الطاقة المتجددة النابعة من الشمس والرياح والمياه والحرارة الأرضية التي يطلق عليها «الطاقة الخضراء» هي طاقة المستقبل النظيفة والرخيصة والأهم أنها الطاقة التي لا تنضب، ونحن في هذا الشرق الأولى بالاهتمام بها والأجدر بمقرها وبأبحاثها من الغرب لأننا بلاد الشمس، ولأن الشمس تشرق من الشرق لكنها تغرب في الغرب!
وبالرغم من أننا بلاد الشمس فإن الاهتمام بالطاقة المتجددة وفي مقدمتها طاقة الشمس سبقتنا إلى الاهتمام بها وزيادة الاستثمار في الأبحاث في استخداماتها وتقنياتها بلاد الشمال مع كونها بلاد بلا شمس بالرغم من أن وطننا العربي يزخر بالعديد من العلماء الكبار الذين بحت أصواتهم منذ عقود دعوة إلى اعتماد الطاقة المتجددة التي تتوفر مصادرها العديدة في ثروة الساعات الحرارية الهائلة في بلادنا العربية التي هي بلاد الشمس المشرقة أكثر من غيرها، وذلك لتحلية مياه البحر مثلاً وإضافة موارد جديدة من المياه مصدر الحياة.
ولهذا تقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة خطوات مهمة على هذا الطريق الجديد نحو المستقبل عن طريق الاهتمام الجدي بتكثيف الاستثمارات والأبحاث والمشروعات لتعويض ما فات، وقدمت للعالم العربي والغربي نموذجاً يحتذى في ذلك بمشروع مدينة «مصدر» وهي المدينة الخضراء النموذج التي تعتمد الطاقة المتجددة النظيفة في كل شيء كمقدمة لتحويل كل المدن الإماراتية والعربية إلى مدن خضراء، وهذا ما أقنع العالم بجدارتها في استضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «إيرينا» على أرضها وبالتحديد في مدينة مصدر الخضراء.
خصوصاً وأن المياه أصبحت هي السلعة الاستراتيجية في الحاضر والمستقبل مع ما يتردد الآن من توقعات عن مواجهة العالم في المستقبل لشح المصادر وللفقر المائي بسبب التغيرات المناخية المضطربة، وارتفاع حرارة الأرض، وما يمكن أن ينشأ بسبب ذلك إلى ما يمكن تسميته بـ «حرب المياه» بسبب تزايد الحاجات وثبات مصادرها في العالم مصادر المياه، وقلة هذه المصادر في الأنهار والآبار من المياه الجوفية عن الوفاء بحاجات العالم للمياه اللازمة للزراعة ولمواجهة ما يسمى بأزمة الغذاء، كما توفر سواحلها مصادر المياه.
البحار والمحيطات
وبالإضافة إلى استخدام الطاقة الشمسية في تحلية مياه البحر وإقامة المدن الخضراء الصديقة للبيئة التي تعتمد على تلك الطاقة المتجددة القابلة للتحول إلى طاقات أخرى كالطاقة الحرارية التي يمكن منها توليد الكهرباء وباستخداماتها المختلفة في التدفئة والإضاءة والحركة ومعظم الاحتياجات المنزلية..
فإن ما توفره سواحلنا العربية الطويلة الممتدة على البحار والمحيطات سواء على سواحل البحر الأحمر أو المتوسط أو الخليج العربي، أو على المحيط الهندي أو الأطلسي ما يمكننا من استخدام الطاقة المائية أيضاً لتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لتغطية الحاجات المتزايدة للطاقة في مجالات التنمية الاقتصادية المختلفة كالزراعة والصناعة والمواصلات اللازمة للتجارة.
إن الطاقة المتجددة تتسع أيضاً لاستخدامات الطاقة الحرارية الأرضية من جوف الأرض ولقد استخدمتها البلاد الباردة كروسيا مثلاً في التدفئة عن طريق أنابيب تمتد في باطن الأرض لتستقبل تلك الحرارة الصاعدة وتوزيعها على المنازل بخطوط أنابيب فرعية تشكل شبكة تدفئة مركزية منزلية، بديلاً عن استخدامات الطاقة الكهربائية لأداء نفس المهمة.
وهناك أيضاً طاقة الرياح التي تعتمدها بلاد كثيرة من بينها هولندا عن طريق ما يسمى، بـ «طواحين الهواء» التي توظف حركة الرياح الطبيعية بمراوح كبيرة في تدوير توربينات لتوليد الطاقة الكهربائية للاستخدامات المختلفة.
وليس أدل على اتجاه العالم للاعتماد بنسب مختلفة على الطاقة المتجددة من مصادرها المختلفة من السعي الأميركي والأوروبي لزيادة نسبة الاعتماد عليها من إجمالي الاعتماد على مصادر الطاقة النفطية والغازية، وقد وافق الكونجرس الأميركي في الشهر الماضي على القانون الجديد للطاقة الذي يحدد هدفاً أساسياً هو الوصول إلى إنتاج ما نسبته 15% من حجم الطاقة الكلية المستخدمة في الولايات المتحدة من مصادر الطاقة المتجددة حتى عام 2020، بينما حددت أوروبا هدف الوصول بالنسبة الـ20 عن التاريخ ذاته.
في الوقت الذي يشير فيه الخبراء إلى أن العالم سيظل معتمداً بصورة متزايدة على مصادر الطاقة من النفط والغاز لأكثر من عقدين قادمين، أي إلى عام 2030 على الأقل، كما يتوقع الأمين العام للمنتدى العالمي للطاقة «أرني والتر».
ملامح المستقبل
وقد يبدو ضرورياً محاولة استقراء ملامح مستقبل الطاقة النفطية والغازية في ظل تنامي السعي لتوفير مصادر جديدة للطاقة سواء من خلال المشاريع السلمية للطاقة النووية التي بدأت تقبل عليها الدول النامية مثل إيران ومصر والإمارات والسعودية، أو من خلال المشاريع الأميركية لتوفير مصادر وبدائل جديدة للطاقة التقليدية.
وهنا يكون من المفيد الاعتماد على المحاور التي حددها «أرني والتر» حول مستقبل هذه الطاقة، مشيراً في محاضرة له بمركز الملك فيصل بالرياض إلى سبعة محاور هي.. القلق، المنافسة، الصراعات، التعاون، الإجماع، المحافظة، والالتقاء. موضحاً هذه الكلمات السبع.
ـ القلق.. لأن العالم لا يمكنه الاستغناء عن الطاقة مما يزيد من قلق المستهلكين.
ـ المنافسة.. لأن الطلب على الطاقة يتزايد مما يزيد من المنافسة لتأمين الحصول عليها.
ـ الصراعات.. لأن تفجر صراعات سياسية تؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي.
ـ التعاون.. بين المنتجين والمستهلكين لا يجب أن يتم على حساب الآخرين.
ـ الإجماع.. عالمياً على أن الطاقة هي مصالح عالمية.
ـ المحافظة.. على مصادر الطاقة وضرورة العمل على تطويرها.
ـ الالتقاء.. تلاقي مصبات الطاقة والبيئة والاقتصاد والتنمية من أجل مستقبل مستقر وعادل.
وطبقاً لما يؤكده الخبراء سيبقى الوقود الأحفوري كمصدر مهم ورئيسي للطاقة وأن النفط والغاز سيظلان المصدر الأساسي للطاقة للربع قرن القادم حسب توقعات الخبراء الذين يعتقدون أن الطلب على الطاقة سوف يزيد بأكثر من نصف مستواه الحالي، وأن الوقود الأحفوري سوف يشكل 20% من الطلب الإجمالي، حيث يشكل النفط ما نسبته 34% والغاز ما نسبته 24%.
فيما ستصل نسبة الطاقة المتجددة إلى 4% في إشارة إلى أن التجارب لم تتوصل بعد إلى إيجاد مصادر كافية للطاقة بديلة لهذين المصدرين الأساسيين، وذلك لأن إيجاد مصادر جديدة تحتاج إلى تكنولوجيا عالية وبنى تحتية لا يستطيع العالم توفيرها في الوقت الراهن وسيحتاج إلى عقود حتى يتحقق له الاعتماد عليها.
ممدوح طه


